قراءات ودراسات

إعادة قراءة وكتابة تاريخ الصراع بمنهجية قرآنية (الحلقة السادسة)

مصطفى إنشاصي

المنهجية العلمانية والأيديولوجيات الفكرية والسياسية الحزبية لا تقرأ قراءة متجردة وإلا كانوا أدركوا منذ زمن أنه لا فرق بين اليهودي المتدين الملتزم بحرفية النص مع تباعد العصور واليهودي العلماني الملحد الذي لا يؤمن بكثير من تعاليم اليهودية وغير ملتزم بحرفية النص. وأنه لا يوجد يهودي مؤمن وآخر ملحد، أو يهودي متدين وآخر علماني، ولا يوجد صهيوني معتدل يساري تقدمي وصهيوني متطرف يمني متدين، …إلخ، وأن اليهود كلهم علمانيين!
وكثيراً ما طالبنا العلمانيين العرب ومنهم الفلسطينيين وخاصة أصحاب الاتجاهات اليسارية التفريق بين صهيوني معتدل وصهيوني متطرف، وبين جناح سلام وجناح حرب في كيان العدو الصهيوني، وراهن العديد منهم على اليسار الصهيوني مؤكدين دائماً أنه يختلف عن حزب العمل والليكود وعن الأحزاب الدينية، وقد بلغ ذلك الخيال بالرجل الثاني في إحدى التنظيمات الماركسية الفلسطينية عام 1981 أن أعلن في صحيفة جبهته الرسمية: في حال فاز حزب راكاح الشيوعي الصهيوني في الانتخابات ووصل للحكم؛ سينتهي الصراع مع العدو الصهيوني، وستتحد القوى التقدمية العربية والصهيونية معاً، لنخوض معركة الصراع الطبقي في المجتمع العربي و(الإسرائيلي) للوصول إلى الدولة الأممية!
وقد سبق للدكتور (فايز صايغ) في كتابه “الدبلوماسية الصهيونية” حذر من ذلك التفريق:
(إن التمييز بين “الاعتدال” و”التطرف” يفقد معناه بالنسبة للحركة الصهيونية. كل صهيوني ملتزم مهما كان لونه، يتشبث بالهدف الصهيوني الأخير. ومن لم يفعل ذلك بطل كونه صهيونياً. إذا فالاعتدال الصهيوني هو فكرة وهمية. “المتطرف” هو الذي يصر على أن يحصل اليوم على ما يقبل “المعتدل” بإرجاء الحصول عليه حتى الغد. الفرق بينهما في التوقيت. لا أكثر ولا أقل … ولقد قيل: إذا شئت أن تستبق الزمن، وتكتشف ماذا ستطالب به الأوساط الرسمية “المعتدلة” في الحركة الصهيونية بعد بضع سنوات، فما عليك إلا أن تصغي إلى ما يطالب به “المتطرفون” الخوارج من الصهيونيين اليوم). وقد ضرب الكولونيل (ماينر تزهاجن) مثلا على ذلك بـ(حاييم وايزمان) الذي صورته الدعاية الصهيونية أنه أسطورة الاعتدال، الذي لم يكن الاعتدال عنده سوى برنامجاً زمنياً، ولم يكن إلا مقدرة فائقة في الدهاء وإخفاء المشاعر الحقيقية. ففي الوقت الذي كان يقول فيه (21 أيلول/سبتمبر 1919): “ليس في وسعنا طرد شعب آخر. نحن الذين قاسينا الطرد، لا يمكننا أن نطرد الآخرين”. والذي كان يقول فيه: “العرب ليسوا غرباء. وقد عاشوا في البلاد طيلة قرون عديدة.. نحن نقول لهم: هناك متسع من المكان لكم ولنا”. كان يبوح سراً لأصدقائه الخلص بخطته لإجلاء عرب فلسطين عن بلدهم. وكان “بطبيعته عدوانياً عنيفاً للعرب”.
ما بعد الصهيونية
المصيبة أنهم مازالوا متمسكين بتلك القراءة الخاطئة بعد أن ثبت أنهم أشد تعصباً دينياً من المتدنين وأشد خطورة منهم لأنهم يتعاملون بأدوات الواقع المعاش وأدوات السياسة وهي فن الكذب والخداع، وتبين أن اليسار الصهيوني أكثر تطرفاً من اليمين والأحزاب الدينية الصهيونية، خاصة في قضية حق عودة اللاجئين وشرق القدس والمسجد الأقصى،!
رفض عودة اللاجئين
راهن العديد من دعاة السلام الفلسطينيين على اليسار الصهيوني مؤكدين دائماً أنه يختلف عن حزب العمل أو الليكود أو حتى الأحزاب الدينية أو غيرها، وكم من أحلام بنيت حول ما يمكن أن يلعبه هذا اليسار ناسين أن التفكير مبني على استراتيجية صهيونية قائمة على سياسة إنكار الوجود الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، وسياسة الإحلال ونهب الأراضي واغتصابها ولا يختلف في ذلك يسار أو يمين. ففي رسالة وجهها قادة اليسار الصهيوني إلى السلطة الفلسطينية نشرتها صحيفة هآرتس أكدوا فيها أنهم لن يوافق على عودة اللاجئين إلى داخل دولة (إسرائيل) لأن ذلك يعني القضاء على دولة (إسرائيل)، وأن العودة الشاملة للفلسطينيين إلى الكيان تتناقص مع مبدأ حق تقرير المصير للشعب اليهودي.
وحملت الرسالة توقيع معسكر اليسار منهم أ.ب يهوشاع، عاموس عوز، دافيد غروسمان، لوبيه الياف، غاليا غولان، نيسيم كلدرون، ياعيل ديان، مناحيم برينكر، مائير شليف وزئيف شترنهل. وأضافت الرسالة أنه “يجب إنهاء بروح إيجابية المفاوضات والتوقيع على مبادئ “الإطار لاتفاق السلام”. وبادر إلى البيان وصاغه، كما تقول ياعيل دايان، الكاتبان عاموس عوز وأ.ب يهوشاع.
وتضيف صحيفة هآرتس بأن دافيد غروسمان وهو المبادر إلى صياغة الرسالة قال: “أنه يوجد هنا إعلان واضح، من جانب الأشخاص الذين أبدوا طوال السنين الماضية تأييداً للقضية الفلسطينية ومستعدون لتنازلات كبيرة من منطق الاعتراف بأن العدل يستدعي ذلك بشأن موضوع اللاجئين وحق العودة، من المهم أن نوضح لهؤلاء الذين يصغون لنا من الجانب الفلسطيني بأنه في قضية اللاجئين لا يوجد لنا أي صدع وأننا جميعاً نتمسك بوحدة الرأي في القضية، وأن التمسك الفلسطيني في هذا الأمر يمنع الاتفاق”.
وحول سؤال ما إذا كان هذا الإعلان سيجد أذناً صاغية في الجانب الفلسطيني يرد لوبيه الياف: “أفترض أن الجواب نعم، الفلسطينيون يقرؤون دائماً الصحف العربية والرسالة ترجمت إلى العربية وستنتشر في الصحف الفلسطينية، وأضاف أن المهم هو أن نبلغ القيادة الفلسطينية بأنه ليس لها حليفاً في (معسكر السلام الإسرائيلي) في موضوع حق عدوة اللاجئين إلى داخل دولة (إسرائيل)”.
هذا هو اليسار الصهيوني الذي بنى عليه بعض الفلسطينيين آمالاً عريضة بأن يكون واجهتهم إلى المجتمع الصهيوني ومسوق مشروع التسوية كما يراه هؤلاء وكم تنادموا معهم ودعوهم والتقوا فيه هنا وهناك ضاربي بعرض الحائط بأن اليهود جميعاً لا فرق بينهم في التفكير والهدف وإن اختلفوا في الوسيلة أو الأسلوب.
رفض وقف تهويد القدس
والموقف نفسه اتخذه اليسار الصهيوني مؤيداً سياسية تهويد القدس، فقد بادر الشاعر والكاتب أ . ب يهوشاع – رئيس اتحاد الكتاب الصهاينة، أحد منظري اليسار في كيان العدو الصهيوني، وهو من رؤوس حركة السلام الآن – لتشكيل رابطة تضم مفكرين وأدباء وصحافيين وجنرالات متقاعدين وفنانين وأكاديميين من اليهود لمطالبة الحكومة بوقف أي أنشطة لدائرة الأوقاف الإسلامية داخل المسجد الأقصى، على اعتبار أن ذلك يهدد الآثار اليهودية في المكان، والتي تدعم مزاعم اليهود بأن المكان يضم آثار الهيكل المدمّر.
واللافت للنظر أن أغلب الذين استجابوا لدعوة يهوشاع هم من قادة مفكري اليسار؛ ومن أبرزهم الشاعر حاييم غوري. بل إن الرابطة طالبت شارون بأن يعمل كل ما في وسعه من أجل ضمان وقف الأنشطة التي أسمتها بـ(التخريبية)، التي تقوم بها الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح ودائرة الأوقاف الإسلامية في المدينة.
الانسحاب من بعض الأراضي
في مسألة الانسحاب من بعض أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة لمنح الفلسطينيين دولة تبين:
أن الاختلاف في جهات النظر داخل الكيان الصهيوني حول الانسحاب من بعض المناطق في الضفة الغربية هو خلاف حول كيفية تحقيق الهدف النهائي للصهيونية، النقاء (العرقي) للكيان الصهيوني، وليس اختلاف على/أو تنازل عن ذلك الهدف! ففي الوقت الذي يَعتبر فيه بعض المتدينين أن أي انسحاب من الأراضي المحتلة يخالف مبادئ الصهيونية، ويعتبروه ما بعد الصهيونية، فإن جزء من المتدينين واليسار جميعه يفهمه التزاماً بالصهيونية، وأن التمسك بكل الأراضي المحتلة عام 1967 هو ما بعد الصهيونية. لأن أنصار الانسحاب يرون أن:
“الصهيونية ليست محصلة الأراضي التي ستسيطر عليها (إسرائيل). ولكنها فكرة (السيادة اليهودية). وأنه كان مبدأ المبادئ للأيديولوجيات الصهيونية إعادة اليهود إلى التاريخ (شعباً) ذا سيادة فاعلاً، وسيد نفسه. كانت السيادة لا الأرض منذ البداية العمود الفقري للمشروع كله. لهذا في الوقت الذي دعا فيه اليسار إلى تقسيم البلاد إلى دولتين، عارض أنصار ما بعد الصهيونية التقسيم. فالتقسيم كما علم معارضوه، سينقذ (السيادة اليهودية)، وعدم التقسيم سيلاشي (الدولة اليهودية)، داخل أكثرية عربية” .
ذلك يبين لنا ما خفي علينا؛ فاليساريين اليهود لا يريدون الانسحاب والتنازل عن بعض الأرض لأنهم يريدون التوصل لتسوية سلمية ومنحنا دولة فلسطينية حباً في السلام أو لأنها حق لنا، ولكنهم باتوا يخشون على سيادة ونقاء الدولة اليهودي من التلاشي، إذا ما استسلموا لرأي القلة القليلة من سكان كيان العدو الصهيوني الذين يريدون دولة من البحر إلى النهر، لأن هذا سيحول اليهود إلى أقليلة وسط أكثرية عربية، وسوف يقضي على السيادة اليهودية. كما وصفهم (جاد طؤوف) في مقالة له!
كما كشف الجنرال (غيورا آيلاند) رئيس (مجلس الأمن القومي) السابق في الكيان الصهيوني عن خطة جديدة لحل الصراع مع الفلسطينيين ضمن تسوية تقوم على مبدأ مبادلة أراض بين الدول المجاورة، بالتعاون مع الأردن ومصر. وتقتضي الخطة منح مصر للفلسطينيين أراضٍ من سيناء بمساحة قطاع غزة وبجوارها مقابل أن تمنح (إسرائيل) مصر مساحة متساوية من أراضي النقب الفلسطيني المحتل عام 1948 مع ضمه للكتل (الاستيطانية) الكبيرة في الضفة الغربية (13% من الضفة). وتقترح الخطة انسحاباً (إسرائيلياً) من أغلبية الضفة الغربية وإقامة دولة فيها ربما تضم غزة وتكون جزءً من كونفدرالية مع الأردن تمارس كل منهما حكماً ذاتياً، عدا الأمن والخارجية.
وعلينا ألا ننسى تطابق الموقف الأمريكي مع موقف الصهيوني، وأن بوش تعهد في رويته للدولتين في خطابه في حزيران عام 2002 (الدولة الفلسطينية القابلة للحياة)، وفي خارطة الطريق عام 2003 (الدولة الفلسطينية في حدود مؤقتة)، وفي قمة العقبة عام 2003، وعاد وحسم موقفه نهائياً في خطاب الضمانات الذي منحه لشارون تاريخ 15/4/2004، واعترف فيه بالوقائع الجغرافية التي أحدثها العدو الصهيوني في الأراضي المحتلة عام 1967، وصادق عليه الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكيين بالغالبية الساحقة التي تكاد تصل إلى حد الإجماع؛ والذي يرفض فيه صراحة عودة القدس واللاجئين والانسحاب إلى حدود الهدنة عام 1949.
ونذكر هنا بمجموعة أخبار (يوم 24/1/2010) تؤكد على أن مطلب (يهودية الكيان الصهيوني) أمراً ليس مستحدثاً ولكنه مطلب توراتي، لم يدركه الكثيرين لأن المنهجية العلمانية في البحث والقراءة لا تقر بتوراتية الحركة والكيان الصهيونيين! فشل إدارة أوباما في الضغط على حكومة (إسرائيل) لقبول هذا الأساس للمفاوضات. وتراجع ميتشل عن محفزات سابقة كان اقترحها لبدء المفاوضات مثل تحويل مناطق (ب) إلى إدارة السلطة الفلسطينية بصورة كاملة، ونقل أجزاء من المنطقة (ج) الخاضعة بالكامل للسيطرة الإدارية والأمنية (الإسرائيلية) إلى إدارة السلطة الفلسطينية، وإطلاق معتقلين فلسطينيين وإزالة حواجز عسكرية ورفع الحصار عن قطاع غزة، وتوجيه رسالة ضمانات إلى الجانب الفلسطيني بأن الهدف النهائي من هذه المفاوضات إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس. (الحياة اللندنية).
كما أن نتنياهو أكد من جديد: نية (إسرائيل) مواصلة احتلال الضفة، ورفض تجميد البناء في المغتصبات، ورفض تقاسم القدس، وعدم العودة لحدود العام 1967، ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، كما فرض شرطاً جديداً: التمسك بنشر قوات عسكرية على الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية (منطقة غور الأردن، حتى بعد إبرام اتفاق، سلام بداعي منع تهريب السلاح)، وطالب الفلسطينيين بالاعتراف علناً بـ(يهودية الكيان الصهيوني)، وأضاف أيضاً الاعتراف بالارتباط التاريخي بين (الشعب اليهودي وأرضه التاريخية) أي فلسطين!
وللأسف على الرغم من أننا بُح صوتنا نحن والبعض ونحن نقول أن فذلكة الجُهال من الكتاب والبُحاثة والسياسيين بإطلاق مصطلح (فلسطين التاريخية) على فلسطين سايكس – بيكو، الجزء المقتطع من سوريا والهلال الخصيب في تقاسم الأراضي بين بريطانيا وفرنسا لإعداده ليكون كيان للعدو الصهيوني في المستقبل، ذلك المصطلح يخدم أهداف وغايات اليهود ومزاعمهم أن فلسطين وطنهم التاريخي، علماً أن كل الدراسات التاريخية والوقائع الحديثة قبل الإسلام وبعده تؤكد أن فلسطين جزء لا يتجزأ من محيطها الجغرافي عرقاً وعقيدة وجغرافية وثقافة و…، وأنها تاريخياً أكبر مساحة من فلسطين سايكس – بيكو، ولكن أسمعت لو ناديت حياً!
لا يمكن معرفة حقيقة هؤلاء الصهاينة كما يقول الدكتور جورجي كنعان: إلا إذا قرأنا التوراة والتلمود بروح يهودية ومن موقعهم كيهود، لنعرف كيف صاغا عقول وطموحات هؤلاء الصهاينة، وكذلك إلا إذا عشنا أحلام طفولتهم مع خرافات أبطال التوراة وأساطيرها بروحهم وتطلعاتهم هم لا بروحنا وتطلعاتنا نحن. ساعتها سنقف على السر في بقاء اليهود طوال القرون الماضية على دينهم وإيمانهم رغم كل ما لاقوه من اضطهاد وتشرد، ونفهم كيف لبى هؤلاء الـيهود دعوة الصهاينة للهجرة إلى فلسطين وتفاعلوا معها. وندرك أيضاً لماذا حرصت التيارات الصهيونية المختلفة على التعاون مع الصهيونية الدينية، فأعلنت أن التقاليد الدينية “جزء لا يتجزأ من الثقافة القومية اليهودية” وليس أدل على ذلك من التعاون الوثيق بين الصهيونية “الدينية” والصهيونية “الاشتراكية” ولقد وجد مفكرو التيار الأخير في استخدام أقوال الأنبياء اليهود القدامى عن الشعب اليهودي لتأكيد شعاراتهم الخاصة حول العلاقات الطبقية “الجديدة” في الدولة اليهودية وقد ساعدوا القوميين الدينيين في جهودهم لتحقيق هجرة واسعة لليهود المتدينين إلى فلسطين ثم إسرائيل فيما بعد. بل ولقد لجأوا هم أنفسهم إلى الذرائع الدينية”.
لذلك التفريق بين اليهودية كدين والحركة الصهيونية كحركة سياسية وعدم معاداة اليهودية ومعاداة الصهيونية على نفس المنهجية العلمانية، والتفريق بين يهودي علماني وتقدمي ويهودي متدين ومتطرف ذلك خطأ منهجي كبير!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق