قراءات ودراسات

الرباعية: رواية حول الحب والموسيقى للهندي فيكرام سيث

عثمان بوطسان*

فيكرام سيث، روائي وشاعر هندي. يعتبر أحد أعظم الكتاب الهنود المعاصرين الى جانب كل من سلمان رشدي، نايبول وروهينتون ميستري. حققت روايته ’’ الفتى المناسب’’ نجاحا كبيرا، بفضلها تعرف عليه القراء في فرنسا، كما أنها ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة. ولد فيكرام سيث في الهند، لكنه تلقى تعليمه في أوكسفورد، كاليفورنيا والصين. يعيش بين نيودلهي ولندن.

رواية “الرباعية “، نص جميل، مفعم بالحساسية المفطرة، عذب، عنيف كالحب، كُتب بقلم مشرق، مفتوح على أفقين مختلفين، بلغة أقل ما يمكن أن نقول عنها جميلة، نسج فيكرام سيت خيوط حكايته الرومانسية. يدخل المؤلف قارئه في عالم الموسيقى، ويجعله يخترق بهدوء حياة بطله وأغوارها. حتى لو كان القارئ غير مولع بالتقنية الموسيقية، فإنه سيحب قراءة جُمَل مايكل (بطل الرواية)، وكيف كانت الموسيقى جزءًا من حياته. كان لمايكل سببين للعيش (الموسيقى وجوليا)، سببين يتقاطعان في كل احداث الرواية، بطريقة تكاملية تعوض الموسيقى فراغ جوليا وتتحول جوليا سببا من أجل الارتباط أكثر بالموسيقى.
بعد عشر سنوات من فراره، يستعد مايكل للعودة إلى فيينا لإقامة حفل موسيقي مع بيرس وهيلين وبيلي، الأعضاء الآخرين الذين يكونون الرباعية الموسيقية ماجيوري. بالصدفة، تعيد الأحداث إحياء ذكريات السنة التي قضاها مايكل في مدرسة فيينا للموسيقى: رسالة من مدرس الموسيقى الذي كان مايكل قد دخل معه في صراع عنيف، ووجه جوليا المرأة التي أحبها وتخلى عنها، والتي سيراها بالصدفة داخل الحافلة. كان مايكل )عازف الكمان( قد أحب جوليا )عازفة البيانو( حين كانا كلاهما طلابا صغارا في فيينا. بينما كان مايكل يمر بفترة من الاكتئاب، اعتقد أن جوليا تغيرت عنه فتركها. لكن عندما فهم أنه كان مخطئًا، حاول الاتصال بها بكل الوسائل لكنها رفضت.
بعد عشر سنوات، يواصل مايكل مسيرته الموسيقية في لندن. لم يسمع شيئا عن جوليا منذ ذلك الحين، لكنه لم ينسى وجهها ولا الحب الذي يكنه لها. ليجد نفسه فجأة أمامها. إنها قصة حب بالطبع، ولكنها أيضًا حياة مخصصة للموسيقى. ابن جزار، لم يتبع مايكل المسار الذي تصوره والديه له. بعد تحقيقه اعترافًا في مهنته، كان يتعاون أحيانًا مع عدة فرق موسيقية بالإضافة إلى فرقة ماجيوري الرباعية التي ينتمي إليها، حيث كان يقدم عروضا لتلبية احتياجاته المادية. عاش مايكل من موسيقاه ولكن ليس على نطاق واسع جدًا، حيث أن اضطراره إلى شراء كمان جديد، أثار الكثير من التعقيدات في حياته.

مرت عشر سنوات وما زال مايكل يشعر بالأسف لفقدان حبيبته التي لم يكن يحبها في ذلك الوقت. بسبب عدم النضج والأنانية والحاجة إلى شيء آخر. في يوم من الأيام، ظهرت له جوليا، عن طريق الصدفة، من خلال نافذة حافلة في لندن. حاول مايكل اللحاق بها، لكن من دون جدوى. لقد فقد في سباقه كنزا نادرًا حصل عليه للتو. مكتئب من هذه الخسارة المزدوجة، يعود مايكل إلى المنزل دون أمل في العثور عليها. لم يكن الاعتماد على صدق سائق سيارة أجرة هو الذي سيحضر له السجل المفقود و “الفرصة” التي ستجعله يجتمع مع جوليا وراء الكواليس بعد حفل ماجيوري.
أصبحت جوليا ماك نيكول جوليا هانسن، متزوجة ولديها ولد وسر. لكن رابط الحب كان ما يزال يوحد البطلين. لكن الجروح والحياة كانت تقلل امكانية عودتهما لبعضهما البعض. كان مايكل متحمسا، يرى في هذا اللقاء فرصة ثانية للم الشمل، فرصة الغفران و لبدء حبهما من جديد. عانت جوليا، فقد شعرت بالخيانة، لكنها أعادت بناء نفسها، وجعلت حياتها من دون مايكل ممكنة. وجدت التوازن وازدهرت، وليس من السهل عليها أن تخاطر مجددا بحياتها.
تدفع هذه الرواية بالقارئ الى طرح مجموعة من الأسئلة من قبيل : هل يمكن أن يفوت المرء حياته في لحظة من العمى، لأنه لم يتمكن من اغتنام الحب عندما عرض نفسه؟ فبعد سنوات، يرى مايكل جوليا في الحافلة. لتتحول الرواية بعد ذلك الى بحث مستمر عن الحبيبة المفقودة. رغبة متحمسة تعيد البطلين إلى فيينا، ثم إلى البندقية … ولكن من منظور الكاتب لم يفت الأوان بعد، يمكن لمايكل تجاوز دراما جوليا الحميمة. في نفس الوقت، تمنح هذه رواية للقارئ فلسفة جديدة عن الحب المزعج عن طريق ذكريات شعرية وملهمة لعالم الموسيقى. وراء قصة الحب هذه، يقدم لنا الكاتب صورة للموسيقي، شكوك شخصياته، أفراحهم وصعوباتهم اليومية. كون هذه النوع من القصص نادر للغاية، سواء في السينما أو الأدب، يجب أن نؤكد على دقة وواقع وصف البيئة الموسيقية.
ما يميز كتابة فيكرام سيث هي الموسيقى التي تنبثق من أحداث ثانوية. مثل موسيقى نزهة في المدينة أو نزهة في الريف أو تلك التي تسبق وتغلق حفلة موسيقية. تتخذ الرواية من الحب، الندم، البحث، الحنين، الموسيقى والرغبة في استعادة الماضي أو عيشه مرة أخرى موضوعاتها الأساسية. كما تقدم لنا شخصيات ضائعة في تفكيرها، يجب عليها اتخاذ خيارات مختلفة، وتصحيح الأخطاء من أجل تحقيق السعادة. ولكن هل من الممكن حقا إعادة رسم مسار حياة المرء القديمة ؟ تجعل الرواية القارئ يدرك أيضا الصعوبات وحجم التعاسة التي يعانيها المحب عند فقدان من يحب.
وتتجلى قوة سيث الابداعية في نسج المشاعر المزدوجة في علاقة معقدة ومتعددة الأوجه. هناك العديد من التحولات والمنعطفات العاطفية في الرواية، لكن كتابته عبارة عن تأمل عميق في الحب والموسيقى وعدم رجعة الزمن. يروي أحداث راويته في المضارع، مركزا على شخصيتين متناقضتين، لكن تجمعها الموسيقى والحب القديم. تتخذ كتابة سيث شكلا تأمليا في الشخصيات وأغوارها الخفية. على عكس كل روايات سيث الأخرى، تتميز هذه الرواية بالصور النفسية الرائعة والتناسق الفريد من نوعه، بالاضافة الى تزاوج الشعر والموسيقى مما يجعها لوحة تجريدية للعواطف الانسانية. بالرغم من أن هذه الصور، ليست مقنعة بالشكل الذي يريده القارئ، خاصة اللحظات التي يتعثر في السرد أحيانا، مما قد يجعل اللغة الشعرية تبدو عتيقة وكلاسيكية.

تنصف الرواية بطريقة ذكية الحبل المشدود بين المواهب الطبيعية والانضباط والتركيز والاحترام والحدس. عندما يفكر مايكل في التخلي عن الموسيقى ، فإن إجابة بيرس ليست أكثر من الحقيقة الأساسية لهذه المسألة. “… لقد توقفت عن التفكير في تحفة لا طائل من ورائها. أنا فقط أسأل نفسي سؤالين حول ما أقوم به هنا في هذه المجرة. هل من الأفضل القيام به أم لا؟ من الأفضل ألا أعرف أي شيء آخر؟ “يتوقف مؤقتًا ، ثم يقول:” أعتقد أني أضفت سؤالا آخر: هل من الأفضل أن يقوم شخص آخر بهذا؟ ” للحصول على وصف ساحر لمدينة البندقية، يقدم لنا سيث “الجسر الحجري في ريالتو، الجسر الخشبي في أكاديميا، القبة الرمادية العظيمة وأعمدة سان ماركو وبرج الجرس… وكل ذلك بترف، كما يمكن التنبؤ به، بشكل مدهش لدرجة أن هناك شيئًا ما حوله مزعجًا، شديد الشراهة.
يقوم سيث في هذه الرواية، بإحياء الكثير من شخصياته عن طريق مجموعة من المراوغات اللغوية المتكررة، لدرجة أننا يمكن أن نجد أنفسنا نبحث عن صديق مفقود. كما أن الشعرية النثرية الدقيقة والمنعطفات البارزة تجعل من هذه الرواية تحفة جديرة بالقراءة. فالقارئ سيعتقد أنه يقرأ نثرا كتبه الكاتب في منامه. إن تركيز الرواية على دائرة من الموسيقيين من النخبة، وتشغيل موسيقى النخبة لأشخاص ينتمون اليها، قد يجعل الطبقية من المواضيع التي تطرقها اليها الكاتب بطريقة ضمنية. فمايكل لا ينتمي الى النخبة بالرغم من أنه بطل الرواية. فهو ليس من سكان لندن الأصليين، ولا يتمتع بخلفية موسيقية. نشأ وترعرع في روكدال، ابن رجل أعمال صغير، وكان عليه أن يبني مستقبله ضد رغبة والديه. هذا الإحساس بالنقص من الموضوعات التي عالجها سيث في روايته “الفتى المناسب”، وإن كان بطريقة مختلفة تمامًا.
يجدر الاشارة ايضا الى أن الرواية تتطرق لمعنى الموسيقى الكلاسيكية وأدائها في أوروبا في أواخر القرن العشرين. فمن خلال مزيج قوي من الواقعية والرمزية، تخلق تفاعلًا ديناميكيًا بين وجهي المعنى الموسيقي: استقلالها الظاهر، ووساطتها الاجتماعية. يستحضر الكاتب تجربة ذاتية وعاطفية في الاستماع إلى الموسيقى، ولكنه يستكشف أيضًا مدى تراكيب القوة والترتيبات الاجتماعية والاقتصادية لمهنة الموسيقى في لندن في أواخر القرن العشرين وما يترتب عنها من مشاكل كالتطبيع.

*كاتب وباحث متخصص في الأدب الأفغاني المعاصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق