ثقافة السرد

( الجسر )

بقلم: ماهين شيخاني

لا أعلم لم هذا الكلب يخرج في نفس التوقيت , لحظة وصولي تماماً بالقرب من دارهم , ينبح يتجه نحوي بشراسة  كأني شغله الشاغل أوكأن بيني وبينه ثأر.. يحوم حولي حتى يكاد يلامسني، يهز ذيله ويكشر عن أنيابه ويسيل الروال منه ثم تخرج منه زمجرة قوية ترتعد لها فرائصي، أتصنم موضعي بلا حراك، مستسلماً كي يكف بلاه عني – هكذا قالوا لي أهالي القرية : إذا هجم عليك الكلاب قف في مكانك ولا تتحرك – وجبيني تتفصد العرق , ثم يبتعد قليلاً رافعاً ذيله على ظهره كالسيف منتشياً بنصره وتفوقه،  أترى لأنني غريب عن القرية ؟. هناك عدد لابأس به يمرون في نفس الشارع الذي أمر به كل صباح وهم غرباء عن القرية مثلي تماماً، لماذا لا ينبح عليهم ؟ .

أصبح كل أهالي القرية يدركون بتوقيتي وبحالي المزري الذي يرثى له, مصفر الوجه تستنجد عيناي بالمارة أو سكان القرية لسكوت هذا الكلب اللئيم , لقد وضعني في مخه السقيم وأنا على دراية وثقة بأنه سوف يسبب لي الأذى وسأكون ذات يوم من ضحاياه مرمياً في أحدى زوايا المستشفى أعالج بإبر الواحد والعشرين التي توخز في البطن .

أقطع أشواطاً طويلة، خمس وسبعون كيلومترا  للوصول إلى هذه القرية النائية على ضفة الخابور، لا أحسب حسابا للمشقة والأجرة ولا حتى للمهالك ومخاطر السفر يوميا بالفوكسات والدراجات النارية التي هي من أشد أنواع الخطورة وحوادثها تكاد تكون شبه يومية، سوى حساب تلك الثواني المرعبة والتي لا مفر لدي سوى المرور من ذاك الشارع الإجباري حيث أسير بدبيب خافت يكاد لا يسمع  النمل لأقدامي كلما دنت المسافة بيني وبين مسكنه أو يحالفني الحظ وينفرج همي بنقلي من القرية وهذه صعبة كوني جديد في الوظيفة حيث معظم الناس يحسبون بأن نقلي هو تأديبي , كيف لإنسان يقطع هذه المسافة المرهقة إن لم يكن وراءه سبب ؟. أو استقالتي من الوظيفة وقطع لقمة العيش عن أسرتي .

ذات يوم وأنا أخطو اتجاه الجسر كالعادة ( خارج القرية ) وإذ به يلاحقني وينبح نباحاً لا يهدأ وآزره رفاقه الكلاب واعتلى عواءهم في ذاك العراء , وقفت جامدا في مكاني دون حراك كعادتي، تدرج لون بشرتي تلقائياً ولم تعد ترى في وجهي رائحة دم , أغمضت عيني وسلمت أمري إلى الله بالنهاية المؤلمة والمتوقعة .

بعد حين خيم السكوت والصمت لم أعد اسمع العواء , أترى كنت شاردا أو حالماً بهذا الكلب،  أكيد لا..؟. أتذكر إنني كنت قد خرجت من المركز وسرت باتجاه الجسر لعل سيارة أو دراجة نارية مارقة توصلني للمفرق، ولكن لم أحظى في تلك الساعة بشيء فاضطررت أن أمشي سيراً على الأقدام.

فتحت عيني شيئا فشيئا لدى سماعي صوت ملائكي، رأيت خيالاً أبيض كملاك،  بيننا بضع خطوات تشير للكلاب بالابتعاد والكف عن العواء. سحبت كمية كبيرة من الهواء إلى جوفي ثم أفرغتها بزفرة طويلة لدى تأكدي من ابتعادهم.

تقدمتُ نحوها لتقديم الشكر وثنائها على مؤازرتها وتخليصي من تلك الكلاب، إلا أنني كلما كنت أقترب منها أحس بأنها تتلاشى كالسراب تماماً، ألتفت حولي أبحث عن ذاك الملاك، بحثت عنها خلف الجسر، على أطرافها … لكنني لم أعثر لها على أثر، ولم ألمحها، من أين جاءت وكيف اختفت ؟. هل خرجت من جوف الأرض أو ألقت بها السماء…بغتة ؟.لأدري .

مددتُ رأسي قليلاً لدى اقترابي من حافة الجسر وإذ تخترق مسامعي أنين أفزعني ,كاد قلبي يفز من بين جنباي , غمرني الحيرة والارتباك , وأنا استرق السمع لذاك الأنين محاولاً معرفة مصدره، بالرغم من ذاكرتي المشوشة إلا أنني تذكرت بأن أحدهم في المركز تحدث عن قصة حب كانت نهايتها مأساوية أدت إلى قتل الشاب تحت الجسر في ظروف غامضة – حتى أنهم قالوا تفاجئنا بشبه كبير بينك وبينه من ناحية الملامح المتقاربة تماماً _ ومن ثم انتحار فتاته بعده، عندما التاعت فؤادها والتهفت عليه فألقت بنفسها إلى قاع النهر. ثم أتذكر بأنه قال: تصور كانت الفتاة برفقتها جرو صغير لا تتركها أبدا، وقال: سمعت في أحدى الليالي لدى مروري وحيداً على الجسر لصوت خافت كالأنين , يتردد من خلاله حشرجات وكأنه في النزع الأخير، حينها أدركت لم كان هذا الكلب ينصب اهتمامه نحوي؟.

7\ 5 \2010

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق