قراءات ودراسات

كيف نقرأ المكان جماليا؟

بقلم : حبيب مونسي

-تقديم: لقد أخذ الحديث عن المكان في الشعر العربي أبعادا مختلفة، بحسب زوايا الرؤية التي عالجته من جهة، وبحسب الفهم الذي أنيط به من جهة ثانية،وبحسب المعارف الرافدة التي تؤثث الدراسة. وكل مقاربة للمكان من هذه المنازع إنما قدمت نتائجها الدقيقة التي أعطت للمكان ثقله الفني في البناء الشعري شكلا ومضمونا، حتى غدت مقولة المكان من الخطورة ما يجعلها موضوعة تتشعب إلى رؤى ذات طبيعة ميتافيزيقية، بعدما كانت تدرك فقط في الحدود الجغرافية والاجتماعية و النفسية. ذلك أن المكان في صلته بالذات المبدعة والمتلقية، يتخذ من الصفات المتشابكة ما يجعله من المقولات الأكثر تعقيدا على مستوى المعنى والمبنى. وأن فك هذه العلاقات يقتضي من الدرس التحليلي أن يسترفد سائر المعارف التي أنتجتها العلوم الإنسانية لفك ألغازه، حتى تفضي إلى الحقيقة التي من أجلها سيق المكان في الشعر موضوعا، أو إشارة، أو رمزا.

2-الموضوع، النداء والتلقي:
فإذا كانت الدراسات الواقعية قد رأت في المكان ” شيئا ” يتحدد وجوده في إطار الواقع، بعين المواصفات الخارجية التي تمتلكها الأشياء، فإنه في الدرس النفساني يستحيل إلى ” تمثيل” و ” تصور ” وكأن المسألة عند هؤلاء تفترق عن الشيء الغفل ذي المادة الصلبة، إلى لون من التصور الذي يحدث على مستوى النفس فقط، حين يجعلها تتمثل من خلال المكان جملة من الأحاسيس والمشاعر التي ربما أثارها المكان بمحمولاته التذكُّرية، التي لها صلة بالذات في لحظة من لحظاتها السالفة. والتمثيل يحيل المكان على عملية القلب التي ترتفع بالمكان من الوجود الفعلي إلى الوجود المتصور في أعماق الذات. فليس القصد من ورائه عرضه موضوعا جماليا، بل الغرض في اعتباره محوِّلا يمكِّن الذات من التقاط المشاعر والأحاسيس، مما يفيض عن المكان، وهو يندرج ضمن البناء الفني عموما. فإذا آنسنا من الموقف الواقعي تطرفا في التعامل مع المكان، تطرفا يجعله شبيها بأي شيء آخر.فإن التطرف عينه نلحظه عند النفسانيين وهم يحاولون جعل المكان مجرد تمثيل، تُسلب منه خاصية الموضوع المستقل بذاته، ليكون أيقونا على إحساس ما يعتم في أعماق الذات.
إن ما عابه ” سارتر” على الاتجاهين معا، جعله يلتمس للموضوع الجمالي وجودا يقع بعيدا عن الشيئية المادية، والتمثيل الباهت. فهو عنده موضوع “متخيل” “IMAGINAIRE” يمكن إعادة بنائه انطلاقا من النص،واعتمادا على المعطيات التي يحملها القارئ في ذاته للموضوع. فالمكان مثلا، تعاد صياغته في الذات استنادا إلى اللغة الواصفة، ولكن اعتمادا على قدرات الذات وهي تتملى هذه اللغة،وتعيد من خلالها تشكيل المكان بحسب المقاييس التي تراها مناسبة له في تخييلها .فالصياغة إذا خلق مستمر للموضوع عند كل قراءة. وليس المكان مكان واحد بل أمكنة تتعدد كلما تعددت القراءة، وتجددت أدواتها، واغتنت بالجديد من المعرفة والمقاييس. فالتخييل إذا، مسألة لا تسلب المكان وجوده الفعلي الجغرافي/ التاريخي، بل تكسبه عند كل محاولة جديدا ينضاف إليه عند كل قراءة. هذه العملية المستمرة هي التي تجعل قارئ الرواية يعيد بناء المكان الموصوف على الهيئة التي يراها تناسب فهمه الخاص للنص، استنادا إلى المعرفة التاريخية المتعلقة بالعمران في الزمن الذي تتناوله الرواية.وقد يأتي آخر له من سعة الاطلاع العمراني ما يجعله يقرأ الرواية التي تتحدث عن أمكنة القرن التاسع عشر مثلا، فلا يفوته من هيئاتها شيئا. بل تكون الرواية بالنسبة إليه سياحة في عالم يعرف عنه دقائقه..وعين الأمر نلحظه فيما يتعلق بالثياب والعادات والأواني وغيرها..ذلك أن:« الوظيفة التخييلية..تلقائية إبداعية، يستطيع الوعي عن طريقها أن يهب لنفسه موضوعه الخاص، بحيث أن الموضوع المتصور ليبدو وكأنه لا يملك من التحديدات إلا ما أضفاه عليه الوعي. وعلى حين أن موضوع الإدراك الحسي هو موضوع يلتقي به الوعي، نجد أن موضوع التخيل إنما هو موضوع يقدمه الوعي لنفسه وبنفسه.» (1) فالمكان حينما يكون موضوعا جماليا متخيلا يكتسب خاصية الأثر المبدع الذي تؤول ملكيته إلى القارئ أولا وأخير. فالشاعر لا يقدم سوى الإشارة إليه في إبداعه، يعمل الاقتصاد الشعري على اختزالها،وحذف أجزائها. بيد أن التخييل يعيد إليها المحذوف، ليس بالطريقة الآلية التي يمكن أن نتصورها سريعا، وإنما بالإضافة الجديدة التي لم تكن للمكان من قبل. فالصورة المتخيلة:« إنما تتجلى في كون الموضوع يظهر غائبا ” ABSENT” بوجه من الوجوه في صميم حضرته “PRESENCE” نفسها. وما يميز الصورة المتخيلة عن الصورة المتذكرة، إنما هو بناؤها اللاعقلي، فإن موضوع الذاكرة له واقعيته في صميم الماضي، وهو يتمتع بفردية الشيء المعطى ” DONNE”.» (2).
3-المكان الحضور والغياب:
إن تأرجح الموضوع الجمالي بين الحضور والغياب، يجعلنا أمام نصين متوازيين: نص الغياب،وهو النص الذي يقدمه الشعر والرواية وغيرهما..وهو مكان الشاعر الذي أراد له أن يحتل مكانا في بنائه الفني، ومواصفاته الواقعية أو المتخيلة في ذهن صاحبه، لا يسعفه الفن في بسطها في جملتها كليا. وإنما يعمل على أن يتخير منها ما يمثل المكان الذي يريد أحسن تمثيل.أما النص الثاني: نص الحضور، فهو النص الذي يعمل التخييل على بنائه تباعا. فهو نص الإبداع الذي تتولى القراءة بسط مشكِّلاته المختلفة، وإكسابه من القيم التعبيرية ما يرفعه عن المكان الحسي المادي. لأنه ليس من غرض التخييل أن يختلق مكانا وحسب، بل الغرض كله في الارتفاع بالموضوع من الهيئة المادية إلى التعبير الجمالي انطلاقا من موقف إستيطيقي خاص بالمتلقي.
ولا يتسنى للتخييل أن يبني المكان إذا لم يسترفد المعرفة الخارجية، التي تكون عونا له في إنشاء الأبعاد الواقعية للموضوع، والتي لا يستغني عنها الموضوع الجمالي مهما أوتي من دقة ومهارة إبداعية. بيد أن المعرفة الخارجية قد تشوش التلقي الجمالي، وتصرف الانتباه من الموقف الجمالي إلى غيره من المواقف المعرفية الأخرى. فإذا أردنا للمعرفة الخارجية أن تكون مثمرة، أوقفناها على الشروط التالية: « إذا لم تكن تضعف الانتباه الجمالي إلى الموضوع، أو تقضي عليه.وإذا كانت متعلقة بمعنى الموضوع وطابعه التعبيري. وإذا جعلت لاستجابتنا الجمالية المباشرة للموضوع طابعا أرفع، ودلالة أقوى.» (3) وهي الشروط التي تحد من هيمنة المعرفة الخارجية وتسلطها على الموضوع. فالغرض الأولي الذي يكون للذة التقبل قد يتلاشى تحت مفعول المعرفة وقوتها. بيد أن المزج الحكيم بين عناصر المعرفة والتقبل الجمالي يكفل للموضوع أوفر قسط من العطاء التعبيري المثمر.
إن الموضوع الجمالي نداء يوجهه الفنان إلى المتذوق :« مهيبا بتخيله أن يعمل عمله من وراء المدرك الحسي. وليست مخيلة المتذوق أو المتأمل مجرد وظيفة تنظيمية تقتصر على تنسيق الإدراكات الحسية، بل هي وظيفة تركيبية تقوم بعملية إعادة تكوين الموضوع الجمالي ابتداء من تلك الآثار التي خلفها الفنان.» (4) والفرق بين التنظيم والتركيب يتجلى في عملية الخلق التي تقوم بها المخيلة، لأنها إذا عمدت إلى التنظيم اقتصر همها على إعادة بناء الموضوع على الهيئة التي خلفها الفنان دون تجاوز أو إضافة، ومن ثم البقاء في دائرة الحسي المعطى كما عبر عنه “سارتر” من قبل. في حين أن التركيب وظيفة مختلفة كل الاختلاف، لأنها تنطلق من الآثار الحسية البسيطة التي يحملها العمل الفني إلى رحابة الإبداع والحرية. فيكون لها مجال الإضافة والبناء الحر، واختلاق الشكل الذي يتناسب مع الفهم العام للمواقف التي يثيرها الأثر الفني في جملته. وكأن العمل الفني في جملته مجرد وسيلة تتيح للخيال فرصة الظهور والتحقق في أشكال متعددة، تتناسب طردا ومستويات التلقي والقراءة.
هوامش:
1-إبراهيم زكرياء. فلسفة الفن. ص:231.
2-م.س.ص:232.
3-جيروم ستولنيتز. النقد الفني.(ت) إبراهيم زكرياء.ص:79.
4-إبراهيم زكرياء.م.م.س.ص:236.





*ناقد وباحث جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق