ثقافة السرد

فى البدء كانت العتمة

طلعت رضوان

كان النفق رطبًا مُنعشًا، ولمبات النيون المُضاءة لاتلغى إحساسى بالعتمة.
بعد خروجى من الوزارة أسيرفى شوارع المدينة. لا أشعر بشىء ولا أفكر فى أحد . كانت شمس بؤونة مُصوّبة على رأسى. أصنع من الجريدة ضـُـليلة ولكن الصهد يشوينى.
يشدنى مدخل النفق. أهبط إلى أسفل مُنتعشــًـا. كأنما الرطوبة تستقبلنى وحدى، ولم تخدعنى لمبات النيون الكثيرة، فلم يهتزإدراكى بأنّ الأصل هوالعتمة.
أختاركرسيًا شاغرًا وسط رصيف محطة متروالأنفاق. أجلس من الثالثة حتى الخامسة. أنظر فى ساعتى كلما توقف قطار. أحسب الدقائق بين كل قطار وآخر. لما مللتُ أخذنى شغف إلى معرفة عدد القطارات التى تمرخلال الساعتيْن. بعد قليل ارتبكتْ الأرقام. فلما توقفتُ عن العد اكتشفتُ أنّ صداعًا يشطر رأسى، وأنّ صوت رئيسى فى الوزارة مُختبىء فيه كجيب صديدى: ((مبروك.. بعد أيام حتستلم قرارإحالتك على المعاش))
حتى كان ذلك اليوم..
وقفتْ أمامى برهة. حـيّــتنى برأسها وقالت ((مساء الخير)) ارتبكتُ. فلما انتبهتُ اعتدلتُ فى جلستى وخرج صوتى واهنــًا مُـتلعثمًا ((مساء النور)) ولكنها كانت قد ابتعدتْ. قمتُ واقفــًا وأطلقتُ بصرى وراءها فلم أجد لها أثرًا. أرسلتُ نظراتى مع امتداد الرصيف. لمحتُ ظهرها. تمنيتُ أنْ تلتفتْ نحوى فحجبها الركاب عنى. فكرتُ أنْ أقترب منها ولم أفعل.
خلتْ المحطة فخلوتُ إلى نفسى: هذا الوجه أليف. بل هولصيق بالذاكرة والوجدان. برهة قصيرة فتحتْ البئرفأهبط طائعــًـا راضيًا. يشدنى الماضى وتنفضنى الذكرى. ها هوالوجه: لا أحقاب ولاثوانى بيننا. يسقط الزمن ويلتحم الماضى بلحظتى هذه. ها هويـُـطل مُـشعــًـا من بئرى. تراه ذاكرتى كما العينان تقرأ خطوط الكف: بيضاوى الشكل وطفولى لم يزل. خمرى اللون. العينان المُبتسمتان. الغمازتان فى الخديْن. الثغرالدقيق. عند حدود الوجه تنغلق البئرويسود الظلام. لا شىء إلاّ الوجه. تكوينات الجسد فى المجهول أوالعدم. أين ومتى كان التعارف؟ لاشىء إلاّ الوجه والظلام. أهى مرحلة من الطفولة أوالصبا؟ أهى زميلة ولا أدرى؟ أم هى معرفة عابرة ولا أذكر؟ أتكون عابرة ويكون التأجج فى صدرى؟ ويكون ندمى لأننى لم أجر وراءها، وتكون لهفتى على رؤيتها؟
كنتُ مــُـكبلا بحيرتى. فى مكانى لم أزل. نظرتُ فى ساعتى. كانت الرابعة. فكرتُ أنْ أغيّرمن عادتى فلا أنتظر حتى الخامسة. أركب القطاروأذهب إلى حجرتى، أوأخرج من النفق، أسيرفى الشوارع. آكل فى أى مكان. أو- حتى– أدخل أى سينما. لم أفعل. كان الوجه يُحاصرنى، كأنها لاتزال واقفة أمامى، تــُحيينى برأسها، تضمنى عيناها المُبتسمتان، يتغلغل داخلى صوتها الحانى: ((مساء الخير)) يتكرّر رغمًا عنى، تبتعد. أرسل بصرى وراءها. ألمح ظهرها. أكتشف أنّ الذاكرة تختزن الرداء ولونه: تايير زرعى طويل.
فى الأيام التالية تجاهلتُ النظرفى ساعتى ولم أهتم بمعرفة عدد الدقائق بين كل قطاروقطار. أجلس قريبًا من مدخل الدخول. أبحلق فى كل سيدة علــّـنى أراها. فى اليوم الرابع رأيتها. اقتربتْ منى. أبطأتْ من خطواتها وتمهلتْ أمامى. حيّـتنى برأسها وقالت ((مساء الخير)) دخلتُ فى غيبوبة أفقدتنى القدرة حتى على رد التحية. ولما أفقتُ كانت قد ابتعدتْ. استجمعتُ شجاعتى وقمتُ واقفــًا. مشيتُ على رصيف المحطة قريبًا منها. التقتْ العيون فى نظرة خاطفة. أدارتْ رأسها فأدرتْ رأسى. فلما عادتْ العيون تلتقى من جديد فكرتُ أنْ أقترب أكثروأكلمها، ولكننى لم أفعل. ولما جاء القطارنظرتْ إلىّ وهى تتأهب للركوب. هممتُ أنْ أركب معها، وبينما القطار يبتعد كنتُ وحدى على رصيف المحطة.
تتوالى الأيام ولاتأتى.
أكانتْ حلمًا أم واقعًا؟ أكانت خيالا أم حقيقة؟ أيغزل الوهم خيوطه من الواقع؟
أهيىء نفسى على النسيان فيحتوينى وجهها. أكابد حزنى وأتعلق بخيوط الوهم. أغزل من الوهم نسيجًا مُتحركــًا. تتوالى الأيام ويزداد ارتباطى بالنفق ساعتىْ الظهيرة.
000
استلمتُ اليوم قرارإحالتى إلى المعاش. إذن فقد بدأ العد التنازلى: ثلاثة أشهر وينحصرعالمى داخل حجرة فوق السطح فى عين شمس. لا أخرج حتى لعملى الكئيب بالأرشيف. قرأتُ القرارعدة مرات. استوقفتنى عبارة (( إحالة السيد … على المعاش )) قلتُ لمرؤوسى: ((مديرشئون العاملين السابق كان يكتبها هكذا (( إحالة السيد فلان إلى المعاش )) لاحظتُ أنّ نظراته ونظرات زملائى ترسم علامة استنكار، مصحوبة بعلامة استفهام مُنطفئة. وجّهتُ سؤالى إليهم جميعًا (( أيهما أصح : الإحالة إلى .. أم الإحالة على؟))
قال عادل: ((يا أستاذ المعنى واحد: الخروج))
وأعادتْ مدام سعاد على سمعى سؤالها الأزلى: ((يا أستاذ .. متى تتزوج؟))
000
لماذا يتفتح الحلم (مثل وردة) هذه الأيام؟ وإنْ كانت حقيقة فكيف يكون الوصول إليها؟
تتوالى الأيام ولاتأتى. وأصبحتْ ساعتا النفق ملاذا وسعيرًا. أحدّق فى لمبات النيون المُضاءة فيحنوعلىّ إدراكى أنّ العتمة هى الأصل. حاولتُ نسيان كل شىء، وأدخلتُ نفسى فى عادة جديدة: أرسلتُ عينىّ للنظرفى وجوه الركاب، وكأنما أراهم للمرة الأولى. كنتُ كمن يدرس ويُحصى ويُقارن. اكتشفتُ أنّ الشباب– غالبًا– يمرحون ويمزحون. وأنّ البنات أكثرلطفــًا من الصبيان. وأنّ الكبار- غالبًا– عابسون. وأنّ الأطفال– عادة– يفلتون أيديهم من أيدى الكبار ويجرون على رصيف المحطة، فيجرى الكبار وراءهم.
وتعوّدتُ أنْ أطيل النظرإلى أكياس البلاستك فى أيدى الركاب. فكنتُ أميزما بداخل الأكيــاس: هذا عنب. هذه بطاطس. هذا عيش. وكنتُ أحاول تخمين الكمية وعدد الأرغفة. وكان هذا يُرشدنى إلى عدد أفراد الأسرة. واكتشفتُ أنّ تلك العادة تـُضاعف ألمى.
وكنتُ أتأمل الركاب الذين يجرون ويلهثون، فأتعجب، ثم يتراجع تعجبى وأنا أهمس لنفسى: ربما هناك آخرون فى انتظارهم.
فى الخامسة أركب القطار. تنسل روحى وأتصوره يجرى بجنون. فى زمن الخفق المرعوب يقطع المسافة من ميدان التحريرإلى عين شمس. أشترى رغيفى وأصعد إلى حجرتى فوق سطح البـيت. أبدأ الطعام فتنشط آلام المعدة. أشغل نفسى بأى شىء. أقرأ بلا فهم. أغسل ملابسى النظيفة. أكوى قميصًا أشعربه مُستنكرًا فعلى. أورنش الحذاء اللامع. ومهما تغاضيتُ عنها فهى فى انتظارى. إدراكى بوجودها يُضاعف شكى بوجودى. إنها النهاية: حتمًا ينطفىء النور. ويبدأ صراعى مع النوم.
أقضى ليلى بين الإغفاء والانتباه. أنتظرالفجرجالسًا فى فراشى. أوأخرج من الحجرة وأنتظره فى السطح.
000
ذهبتُ إلى الوزارة قبل السعاة والفراشين. أخذتُ مفاتيح الأرشيف من بوابة الأمن. تصفحتُ الجريدة بإيقاع ملول. أخرجتُ كتابًا فى الفلسفة من درج مكتبى. قرأتُ منه عشرصفحات فى شهريْن. يتكاثرالزملاء فأختنق بوحدتى. أتساءل من الذى يتباعد عن الآخر؟
أصبحتُ أنظرفى ساعتى كثيرًا. أنتظرلحظة خروجى من الوزارة كتلميذ يُرهف حواسه لجرس الانصراف. أندفع نحوالنفق بسرعة غريبة على خطواتى المُعتادة. عيناى مُسلطتان على كل سيدة علـــّـنى أراها. ها هى تـُقبل نحوى. قمتُ مُنتفضًا وتقدّمتُ نحوها. مددتُ كفى مُصافحًا فأسلمتنى كفها. سرى نبضها فى عروقى، فلما سحبتْ كفها أمسكتُ يسراها بيمينى ومشينا إلى آخرمقعديْن على رصيف المحطة. جلسنا مُتجاوريْن. تنظرإلىّ وأنظرإليها. لم تتكلم ولم أجد ما أقوله. انفتحتْ بئرك وأصبح الوجه بين يديك. نفس الوجه: بيضاوى الشكل وطفولى. خمرى اللون. العينان المُبتسمتان. الغمازتان فى الخديْن. الثغرالدقيق. هممتُ أنْ أنزل إلى أسفل لأكتشف تكوينات الجسد ولم أفعل. بهرنى التاييرالسماوى الأنيق. رجعتُ إلى الوجه لأخمن عمرها. هل تعدتْ الأربعين أم هى على مشارف الخمسين؟ انتبهتُ على صوتها: ((هل تذكرتنى؟))
قـلتُ: ((وأنتِ هل تعرفيننى؟))
قالت: ((لا أذكرإلاّوجهك))
قلـتُ: ((أتعرفين اسمى؟))
قالت: ((لا أذكرإلاّوجهك))
قلـتُ: ((ألا تذكرين أين أومتى التقينا؟)) رأيتُ سحابات الغضب فى عينيها.
قالت: ((أنتَ لم تجب عن سؤالى: هل تذكرتنى؟))
قلـتُ: ((لا أذكرإلاّوجهك ))
قالت: ((ألا تذكراسمى؟))
قلـتُ: ((سقط كل شىء ولم يبق إلاّ وجهك ))
(( سأركب القطار القادم )) قالت جملتها وهى تنهض وتتحرك بعيدًا عنى . كانت جادة بشكل مخيف . هرولتُ وراءها . قلتُ لها : (( هل أركب معك ؟ ))
التفتتْ إلىّ وقالت : (( أنتَ حر. ولكن لا تتبعنى ))
كان وجهها وصوتها غريبيْن . وغطى ضجيج الصمت بيننا على صوت عجلات القطار على الرصيف المقابل . وعندما جاء القطار الذى ستركبه ، تتبعتُ ظهرها وهى تختفى فيه. فلما اختفى القطار فى النفق ، كانت عيناى على لمبات النيون ، وبينما أتأهب لركوب قطار الخامسة كان حنو الإدراك يُهدهدنى هامسًا : إنّ الأصل هو العتمة. وأنّ الظلام أصل الأشياء .
**

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق