ثقافة السرد

(( ريمون ))

الراوي بن رشيدا

كان ريمون قد بلغ الثانية والعشرين لما قرر أن يعبر الحدود السورية اللبنانية بمساعدة أحد المهربين ،بعد أن ضاق ذرعاً من حياة الوحدة في غرفة بائسة كان قد استأجرها بعد أن غادر بلدته التي سيطرت عليها جماعة من المتطرفين الإسلاميين برفقة والده بداية قبل أن تعاد له جثته من القتال مقطعة ومعدومة الملامح .
جمع أغراضه التي يطلق عليها بالمهمة في حقيبة صغيرة كان يحملها عادة على كتفه ،والتي هي عبارة عن أوراقه الثبوتية وبدون تلك الأوراق سيكون حتماً في نظر الدولة دون أي حقوق ،وهو كان يحتاج هذه الحقوق ولو كانت تافهة بعد أن سلبت منه الحرب كل شيء ،والده ،المنزل والحقل الصغير الذي يملكه والده في بلدته بعد أن حول القصف المنزل إلى هباء منثور ،وقطعت أشجار الحقل في أقل من يوم لتنقل في شاحنات يقودها ملثمون من اجل تهريب الخشب عبر الحدود وجني ثروة .
حتى ماضيه وذكرياته سلبت منه بعد أن احترقت ألبومات صوره والأشياء التي تربى معها في منزله في البلدة ،واختفت بذلك من الوجود معالم طفولته بعد أن أخفى والده نصفها في الماضي بإخفائه كل مايتعلق بوالدته ،والتي فرت من المنزل تاركة ريمون رضيعاً بعد أن قرعت والده و اعترفت له بأنها لم تعد تحتمل نظامه في المنزل وصمته المستفز ونظرات عينيه المبهمة والتي من المحال توقع فحواها .
وحتى وهو يغادر البلاد لم يحمل معه من ذكرياته سوى صورة واحدة تجمعه مع والده لما حصل ذات مرة على ميدالية ذهبية في التايكواندو ،وكانت الصورة الوحيدة التي بدت فيها عينا والده لامعتان من شدة فخره به .
لذا بقي يتأمل تلك الصورة لساعات قبل أن يغادر غرفته السيئة نهائياً ليستمد منها التفاؤل ،فقد عوده والده منذ صغره على العودة إليه دوماً ليستمد منه القوة عندما يضعف أمام مواقف الحياة المعقدة التي يواجهها ،ونصحه دوماً بعدم اللجوء لخالته أوديت التي كانت المرأة الوحيدة التي عرفها في حياته حيث كانت تأتي إلى منزلهم عندما يغيب الأب من أجل مهمة طويلة كي تعتني به ،وبالرغم من أن والده كان يحذره من الثقة بالنساء وعدم أخذ قراراتهن على محمل الجد ،إلا أنه وثق بخالته أوديت ،ربما لهيئتها التي تميل نحو الذكورة بزنديها الثخينين وحاجبيها السوداوين المقطبين دوماً ،وجسدها البدين والعريض العظام ،واختبر معها مشاعر لم يكن ليعيشها مع والده العسكري المحب للروتين والجدية ،مثل تلك المشاعر المبهمة التي كان يعيشها عند مرافقته لها إلى الحقول وفي يد كل منهما سلة من القش لقطاف التين حيث كانت تطعمه بيدها مما تقطفه ،وتأكل معه أيضاً وهما يضحكان ،فكان ذاك الشعور القريب من المتعة ولكنه مختلف عنها ،والذي عندما كبر ريمون خمن بأن يكون شيئاً مما يشعر به الابن نحو والدته ،لكن لم يستطع أن يجزم بذلك لكونه يجهل تماماً ما تعني كلمة والدة ،إلا أن تلك المشاعر سرعان ما كانت تمسي غير مهمة بمجيء والده من مهمته وسحبه من بين يدي خالته باستعجال ودون أن يشكرها ،ليعود إلى دروسه التلقينية عن عدم الثقة بالنساء ،والقيام بعدة اختبارات للتأكد من حفاظ ريمون على رشاقته بأن يحمله فوق كتفيه أو يرمي به في الهواء ويلتقطه مرات ومرات ليحرق له الدهون الزائدة التي اكسبته إياها الاطعمة الدسمة التي كانت تحشوها عادة في فمه الخالة أوديت .
وإن كانت تلك الرشاقة التي واظب الأب على الحفاظ عليها لولده قد نفعته لما تخلى عنه المهرب بعد قطع مسافة قليلة بعد عبور الحدود اللبنانية وطلب منه أن يركض بأقصى قدراته كي يبتعد أكثر فأكثر بين الأحراش لكي يصل إلى طريق عام حيث ينتظره رجل آخر سيتكفل بنقله إلى بيروت ،إنما إصرار والده على عدم ثقته بالنساء حال عندما كبر إلى نوع من الخجل المرضي منهن ،وقاده عدم فهمه لأبسط الحركات والطباع الأنثوية إلى اعتبارها تصرفات تندرج تحت خانة العهر !
مثلما حصل معه ذات مرة مع إحدى جاراته التي تملك صوتاً رفيعاً لم يعتد عليه من قبل ،حين جاءت إليه تطلب منه أن يحمل لها أسطوانة الغاز ،وهي تلوك علكة ضخمة في فمها .
إلا أنه كان ينفر من اللواتي كن يردن التقرب منه حقاً ،ويرتبك أمامهن مما جعل منه فاشلاً في العلاقات ،وحال ذلك إلى جانب انشغاله الدائم بالعمل في المقاهي والمطاعم لجمع النقود اللازمة لتغطية مصروفه ،حال دون أن يحظى بحياة جامعية صاخبة .
وإلى اللحظة التي غادر فيها البلاد لم يكن قد مارس أي علاقة مع أية فتاة ،وحتى بعد وصوله إلى منطقة برج حمود حيث من المفترض أن يلتقي هناك بصديقه هوفيك ليصحبه إلى المنزل الذي سيستأجر فيه غرفة ،ولقاءه بصاحبة المنزل ،فرح من كل قلبه أنها كانت امرأة ستينية ،فقدت كل ما له علاقة بالأنوثة ،لأنه بوجود تلك السمات فيها سيتمكن من التعامل معها بكل راحة ودون أي ارتباك .
قادت تلك المرأة كلاً من ريمون وصديقه هوفيك نحو غرفة ضيقة وقذرة .
واعتاد بعدها كل من ريمون وهوفيك على الاستيقاظ يومياً على صوت مشاجراتها مع رجال الحي التي غالباً ما كانت تفتعل المشاكل معهم لتثبت لنفسها قدرتها على مجابهتهم وليمنحها هذا صوتاً يخبرها أنها كانت على حق في العيش وحيدة دونهم .
بداية أسعدت ريمون هذه الطباع الخاصة فيها لكنه وفي يوم من الأيام وحينما كانت تجلس أمام المروحة بشورتها القصير وقميص الفانيلا في يوم صيفي حار ،شعر بشيء خمن بأنه قد يسمى الانجذاب نحوها.ولما أخبر صديقه هوفيك بذلك ضحك بشدة ساخراً منه وقال بأنه بالكاد تملك أثداء وخجل ريمون بأن يخبره أن ذلك لم يهمه قط .
وذات يوم طلبت منه أن يدفع الإيجار المترتب عليه إلا أنه لم يكن قد عثر على عمل بعد في بيروت كلها ،فاقترحت عليه أن يدفع بطريقة أخرى بأن يضاجعها ،ولما أثار هذا استغرابه أخبرته أنها تحب مضاجعة الرجال لكنها لا تحتمل العيش معهم.
وتكررت تلك المضاجعات لاحقاً حتى أصبح ريمون بغنى عن دفع الإيجار وتكدست الدولارات في جيوبه فراح يصرفها في البارات وعلى مضاجعة أخريات بنفس الطريقة حتى أمسى يتغيب شيئاً فشيئاً عن الغرفة وعن ماغي ،التي علم من هوفيك لاحقاً أنها بدأت بمضاجعته بعد أن ضاق ذرعاً من نقص المال إثر طرده من عمله ،وبأنها رمت له اغراضه في الشارع .
عاش بعدها ريمون متنقلاً بين بيوت نساء قويات وضخمات الجثث ،يقضي ليله في مضاجعتهن بصمت تام ،ونهاره في النوم ،إلى أن يضجرن منه ويرمين به في الخارج ،ليبحث بعدها عن أخريات .
وربما أخر النعيم المادي الذي عاش فيه معهن ، أخر من فتور تلك العلاقة التي أصبحت مفهومة ومضجرة لاحقاً ، وراح إثر ذلك ريمون يبتعد عن قضاء وقته مع خالد ويستقل الباصات التي توصله إلى أبعد المزارات الشهيرة في لبنان مثل مار شربل وسيدة حريصا حيث كان يعتقد بأنه سيجد فيها إجابات شافية لما يحصل معه ، وحيث التقى ذات مرة عند مقام سيدة حريصا بخالته أوديت برفقة رجل غريب لا يعرفه يمشي على قدم واحدة والذي علم منها لاحقاً أنه زوجها وأنهما هربا من البلاد وجاءا ليستقرا في لبنان ،وأنهما في رحلة إلى حريصا للطلب من الرب بأن يحظيا بطفل ،وجعله هذا اللقاء في رغبة ملحة بأن يعود إلى منزله ليجمع أغراضه ويغادر ليعيش برفقة خالته وزوجها .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق