قراءات ودراسات

إعادة قراءة وكتابة تاريخ الصراع بمنهجية قرآنية

(الحلقة السابعة)

مصطفى إنشاصي

من أخطاء المنهجية العلمانية في قراءتها للحركة الصهيونية: أن علمانيي وطني قبلوا اليهودية دين مثلها مثل كل الأديان الأخرى ورفضوها (ديانة قومية، جنسية)، وقالوا: الدين لله والوطن للجميع! كما أنهم قبلوا الحركة الصهيونية حركة سياسية استغل قادتها الدين لينظموا اليهود خلفهم خدمة للمشروع (الاستعماري الإمبريالي الغربي، أو تقوم بدور وظيفي)، ورفضوها حركة دينية يهودية! وادعوا أن الصهاينة تأثروا بالفكر القومي الغربي ووضعوا مقومات لـ(قوميتهم اليهودية) على غرار مقومات القوميات الغربية، وقبلوها (قومية علمانية) ورفضوا أن يعترفوا أن اليهودية (ديانة قومية)، على الرغم من اعترافهم أن محتوى مقوماتها القومية دينية توراتية تلمودية! سنوضح خطأ ذلك الفهم تحت عنوان:

اليهودية (ديانة قومية، جنسية) وليست دين كبقية الأديان!
يمكننا إرجاع الأخطاء المنهجية لعلمانيي وطني التي أوجدت هذا الإرباك في تحديد هوية عدو الأمة المركزي إلى:
أولاً: أن معظم الذين كتبوا وشكلوا لنا تصوراتنا عن الحركة الصهيونية، قد انطلقوا من مسلمات وُضِعت مسبقاً قبل بدء الدراسة والبحث لمعرفة الحركة الصهيونية، في غالبها تم نقلها عن رؤى وتحليلات غربية وقد تكون يهودية في أصلها، أرادت أن توصل لنا رؤية محدودة عن الحركة الصهيونية وقادتها، ملخصها: أن الحركة الصهيونية حركة علمانية، وهي نتاج الثقافة الاحتلالية الغربية التي سادت الغرب في القرن التاسع عشر، وأنها ليست مشروعاً يهودياً، ولكنها مشروع غربي احتلالي، وأنها تقوم بدور وظيفي لصالح (الاستعمار الغربي)، استغل قادتها العلمانيين الدين اليهودي لتسخير اليهود لخدمة المحتل الغربي. لأن اليهود لم يفكروا في العودة لفلسطين منذ أن دمر القائد الروماني هدريان وجودهم فيها وشردهم خارجها عام 135م، وأن ارتباطهم بفلسطين اقتصر على الارتباط الديني والروحي فقط. ونرى أن هذا الرأي قد جانب الحقيقة كثيراً، لأنه تم إساءة فهم حقيقة اليهودية كديانة من وضع البشر، اختلط فيها الإلهي بالإنساني، والديني بالقومي، والأخروي بالدنيوي….. إلخ. ولم يتم تحديد هوية مقومات (القومية اليهودية) تحديداً دقيقاً، لأنهم لو حددوا هويتها لوجدوا أنها لا تمت لمقومات القومية العلمانية بصلة، وأن هويتها (أمة أو قومية دينية)!
ثانياً: بحكم أن علمانيي وطني يفصلون بين الدين والسياسة والعلم، ويريدوا إقامة مجتمعات حديثة على أسس علمانية وإن خالفت خصائص وقيم مجتمعنا نفسه التي أصولها دينية، وأن شعارهم الذي يرفعونه هو الدين لله والوطن للجميع. وأن جميع أبناء الوطن بغض النظر عن دينهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن اليهودي في أي مكان في العالم هو ابن البلد الذي يعيش فيه عرقاً وجنسية أولاً ثم يهودي ديناً ثانياً، لم يتصوروا بأي حال من الأحوال أن تكون اليهودية كدين جنسية بالنسبة لليهود. أي أنهم أسقطوا فهمهم للدين على اليهودية وليس فهم اليهودي الصهيوني لليهودية، فقبلوا (بالقومية اليهودية) التي هي (الدين اليهودي) أنها (قومية علمانية)، ورفضوها (أمة دينية، جنسية). في الوقت الذي لا ينطبق عليها أي مفهوم من مفاهيم القومية العلمانية سوى أنها (أمة دينية، جنسية)!
ثالثاً: اعتمد أنصار أن الحركة الصهيونية حركة سياسية علمانية مرتبطة بالمشروع الاحتلالي الغربي وأداته ورأس حربته أو القاعدة المتقدمة للإمبريالية والبرجوازية الغربية على صحة رأيهم؛ على موقف ورأي طائفة دينية أو أكثر من الطوائف الدينية اليهودية التي تؤمن أن عقيدة (المسيا أو المسيحانية أو الخلاص) أي بعث المسيح اليهودي، عقيدة دينية صوفية تأملية وليست سياسية، وجوهرها أن كل خرافات التوراة تتحقق سلمياً مع عودة/بعثة مسيحهم آخر الزمان! بمعنى أنهم اعتبروا أن جميع اليهود يؤمنون بالعودة السلمية للمسيح اليهودي، بدون عنف أو فعل بشري، متجاهلين أن التمسك بالحلم المسيحاني وبأرض فلسطين لإقامة (دولة يهودية) عليها لتكون أداة لَمْ شمل اليهود المنفيين تهيئةً لمجيء المسيح لا يختلف عليها أحد من اليهود، حتى الإصلاحيين المتهمين بالعلمانية والاندماج، وخاصة إصلاحيي أمريكا، بعد أن عدلوا من نظرتهم للصهيونية بعد مؤتمر عام 1937م، ولكن الاختلاف في التوقيت والطريقة.
رابعاً: تجاهلوا أن اليهودية الأرثوذكسية التي وضعت أيام السبي البابلي كل تلك الخرافات، اعتبرت – كما قدمنا – أن اليوم الآخر ويوم القيامة والبعث والنشور والجزاء والعقاب والجنة والنار كلها مفاهيم تحدث على الأرض ولا حياة بعد الموت، وكلها تعني عودة اليهود إلى دولتهم الداوودية الجغرافية (فلسطين)، ومحاسبة كل شعوب الأرض على أخطائهم في حق اليهود وتبديد ثرواتهم!
علماً أن اليهودية الأرثوذكسية هي التي قادت اليهود داخل أسوار الجيتو التي فرضها عليهم مؤسسي اليهودية الأرثوذكسية الأوائل أيام السبي البابلي. كما أنها هي التي قامت بتطوير مفهوم الخلاص المسيحاني عبر 2500 سنة. ومن رحمها خرج كل المسحاء اليهود الدجالين، ومنها انبثقت حركة (القبالاه) اليهودية، التي نشأت في القرن العاشر والحادي عشر الميلادي في الأندلس، والتي تُشكل رؤاها الدينية للخلاص الخلفية الدينية والفكرية للحركة الصهيونية. ومن رحمها ومن فكر حركة القبالاه اليهودية انبثقت أيضاً الحركة (الحيسدية) في القرن الثامن عشر ودعت إلى الهجرة لفلسطين وشراء الأراضي فيها، توطئة لبعث المسيح اليهودي! وقد اشتدت عمليات التطوير لفكرة الخلاص المسيحاني، وربطها بواجب شراء أو اغتصاب الأرض في فلسطين، وبلورة المفهوم القومي اليهودي منذ بدايات القرن السادس عشر الميلادي، أي من قبل حركة مارتن لوثر والانشقاق البروتستانتي على الكنيسة الكاثوليكية.
خامساً: إن الاختلاف وتباين المنطلقات الأيديولوجية والمشارب الفكرية عند الكتاب في وطننا أدى إلى الاختلاف في فهم حقيقة هوية الحركة الصهيونية.
– فمنهم من اعتبرها حركة رجعية علمانية الظاهر دينية المضمون والمحتوى، الهدف منها ضرب البيوريتاريا (العمال والفلاحين) والثورة الأممية خدمة للإمبريالية الغربية والبرجوازية والرأسمالية العالمية!
– ومنهم من اعتبرها حركة سياسية علمانية نتاج الثقافة الغربية، والقاعدة المتقدمة ورأس الحربة لـ(الاستعمار الغربي) وأداته لضرب الحركة القومية العربية وإفشال مشروع الوحدة للأمة العربية، لاستمرار هيمنة الغرب على مقدرات وطننا وثرواته، وكيان العدو الصهيوني دولة وظيفية يقوم بذلك الدور الذي أسنده له الغربي!
– ومنهم من رأى فيها التقاء مشروعين مستقلين، مشروع يهودي ومشروع غربي، التقيا على هدف مشترك، أو تقاطعت مصالحهما عند نقطة معينة هي الأمة والوطن الإسلامي فتم التحالف بينهما. ومن هؤلاء من يرى أن التحالف قائم على أسس سياسية بحته، وآخر يرى أنه قائم على أسس دينية، والبعض يرى أن التحالف يجمع ما بين الديني والسياسي الاقتصادي.
(القومية اليهودية) ليست قومية علمانية!
ذلك الفهم للحركة الصهيونية فهم خاطئ! لأن كل محتوى ومضمون مقومات (القومية اليهودية) التي اعتبروها علمانية ليست وليدة عصور الاحتلالات الغربية لوطننا، ولا هي من صنع النصارى المؤمنين وغير المؤمنين بتلك الخرافات والأساطير لاستغلال اليهودي وتسخيره لخدمة أطماعهم في وطننا، ولا هي من ابتكار بنات أفكار هرتزل ولا قادة الحركة الصهيونية، ولا أن حاخامات اليهود ابتدعوها وزعموا أنها من (الدين اليهودي) ليخدعوا ويضللوا بها عامة اليهود ويقودوهم لخدمة المشروع الاحتلالي الغربي لوطننا، ولكنها مؤامرة حيكت قبل 2500 عام هناك في المنفى البابلي، وما الحركة الصهيونية الحديثة وكيان العدو الصهيوني الذي ولد عنها إلا إحدى أدوات اليهود لتحقيق تلك الخرافات!
ما قصر فهم علمانيي وطني له يفسره “ناثان وينستوك” بقوله: (إذا كانت المظلمانية “نزعة” الانغلاق وإعاقة المعرفة والتقدم “الربانية” قد انتصرت في إسرائيل فما ذلك إلا أن التصوف “الإيمان المطلق القائم على التسليم والعاطفة لا على العقل وهو قريب من التعصب الأعمى” الصهيوني لا يتماسك إلا بالرجوع إلى الدين الموسوي. ألقوا مفاهيم “الشعب المختار” و”الأرض الموعودة” ولسوف ينهار أساس الصهيونية، ولذلك نجد أن الأحزاب الدينية تستمد قوتها بشكل متناقض في التواطؤ بين الصهيونية واللاأدريين. لقد فرض التماسك الداخلي في الكيان الصهيوني لـ(إسرائيل) على قادته تقوية سلطات الكهنوت. وقد كان الحزب الاجتماعي الديمقراطي “الماباي” – بالتحريض من بن غوريون- هو الذي جعل دراسة الدين إجبارية في مناهج المدارس وليست الأحزاب الدينية). وعندما فرضت الأحزاب الدينية في إسرائيل على قادة دولة اليهود عدم الإعلان عن أي دستور للدولة غير (القانون المقدس لجيل صهيون) لم يعترض أحد، وهذا أحد الأسباب التي دعت البعض إلى القول بعلمانية الدولة اليهودية!
وعند العودة إلى أشهر النظريات العلمانية عن القومية لا تجد واحدة منها تنطبق على ما يدعيه الكتاب العرب (قومية يهودية علمانية)!
النظرية أو المدرسة الألمانية تعتبر أهم أسس أو مقومات القومية اللغة بالدرجة الأولى، والعرق إلى حد ما. وهذه المدرسة أخذ عنها أبو القومية العربية الأستاذ (ساطع الحصري). والمدرسة الفرنسية تعتبر أهم أسس القومية أو أهم مقوماتها الأرض أو المساحة الجغرافية والتاريخ المشترك إلى حد ما والمصالح. والمدرسة الماركسية تعتبر أسس القومية أو مقوماتها هي الروابط الاقتصادية حتى وإن جمعت شعوب وقوميات متعددة. والمدرسة الأمريكية قوميتها تُكتسب بالهجرة والإقامة.
تلك هي أهم النظريات والمدارس القومية العلمانية في العالم الدين ليس أحد أسسها أو مقوماتها، فأين هي العلمانية في (القومية اليهودية)؟! اليهود ليسوا عرق واحد ولكنهم أعراق من جميع شعوب العالم، ولا يعيشون على أرض واحدة ولكن كلٌ يعيش في وطنه الأصلي، ولا تجمعهم لغة واحدة ولكنهم يتكلمون لغات شتى! وليس لديهم تاريخ مشترك.. ولا .. ولا مما يعتبر أسس للقوميات العلمانية، وأن كل عناصر ومقومات (القومية اليهودية) هي العقائد الرئيسة في الدين اليهودي! اليهودية ليست ديانة مثل الأديان الأخرى تكون علاقة بين الإنسان وربه ولكنها (ديانة قومية)، واليهود ليسوا قومية أو امة عرقية ولكنهم (أمة دينية)، والصهيونية ليست (قومية علمانية) ولكنها إن صح التعبير هي (قومية دينية)! معظم الكتاب العلمانيين غير مدركين لهذا الأمر، ومنهم مَنْ يدرك ذلك، ويدرك خطورة الاعتراف بأن اليهودية أمة دينية، لكنهم لا يعترفوا بذلك خشية أن نطالبهم بأن يكون الإسلام المقوم الرئيس للقومية العربية، وله الدور الرئيس في مواجهة كيان العدو الصهيوني!
اليهود يدركون ذلك؛ لذلك هم يفهمون أن الديانة اليهودية (ديانة قومية)، وأنها (جنسية) لهم وليس عرقهم هو جنسيتهم! المفكر وعالم الاستشراق الصهيوني (ريتشارد جيمس هوراشيو غوتهيل) يقول: “نحن نؤمن بأن اليهود هم أكثر من جماعة دينية بحتة وبأنهم ليسوا جنساً بل أمة ولكن بدون الشرطين المهمين للأمة: اللغة والوطن!”. وقد اختار تيودر هرتزل عنوان كتابه “دولة اليهود” وليس الدولة اليهودية! ويؤكد خاييم وايزمان على العلاقة الوثيقة التي تربط بين الصهيونية واليهودية، فيقول: “عن يهوديتنا وصهيونيتنا متلازمتان، ولا يمكن تدمير الصهيونية بغير تدمير اليهودية”. وسأله الدكتور (بارينس) يهودي ألماني من أساتذة مدرسة (بافنجستاذ) عن جنسيته فأجابه: “أنا يهودي روسي. يقول: وقد اندهس الرجل لجوابي، وحاول أن يقنعني أن اليهودية دين لا جنسية، فأفهمته أن (اليهودية جنسية قومية)، وأن كل يهودي حيث كان هو يهودي أولاً، وروسياً أو ألمانياً أو غير ذلك من بعد”. ويرى موسى هس أن ديانة اليهود مرتبطة عضوياً بقومية اليهود وهي (ديانة قومية): “إن الديانة اليهودية مرتبطة عضوياً بـ(القومية اليهودية) لأن الديانة اليهودية هي قبل كل شيء (ديانة قومية)”.
ويرد مارتن بوبر على مَنْ يعتبرون اليهودية دين مثل كل الأديان الأخرى: “ليست إسرائيل أمة كبقية الأمم ولم تكن يوماً كذلك حتى عندما كان يتمنى ممثلوها أن تكون كبقية الأمم خلال عصور معينة، وهي شعب ليس كبقية الشعوب لأنها الشعب الوحيد الذي كان منذ بداية تاريخه أمة ومجتمعاً دينياً في الوقت نفسه، ففي الساعة التاريخية التي التقت فيها قبائل إسرائيل لتشكل شعباً حامل مشعل الوحي. والعهد الذي اتخذته قبائل إسرائيل فيما بينها والذي من خلاله قامت (إسرائيل) كان أيضاً عهداً مع الله” … (وأي أمة على الأرض مثل شعبك سرائيل) (صموئيل الثاني: 7:23) … لقد كانت إسرائيل وما تزال شعباً ومجتمعاً دينياً في الوقت نفسه، وأن هذه الوحدة هي التي مكنتها من العيش في المنفى هي لم تقاسي أمة أخرى مثلما قاست وذلك لفترة دامت أكثر مما دام الاستقلال. إن من يقطع هذا الرابط يقطع شريان الحياة عن إسرائيل”!
علماني وطني لم يدركوا أن علاقة إله اليهود مع (شعب إسرائيل) أو (الأمة اليهودية) كوحدة واحدة لا تتجزأ، وليست مع أفراد يعتنقون الديانة اليهودية كلٌ على حدى، ذلك ما يدركه اليهودي وعليه هو يعتبر أنه يهودي الجنسية، وولائه لليهود ودينهم أولاً وآخراً!
… يُتبع

التاريخ: 3/7/2019
enshasim@hotmail.com

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق