قراءات ودراسات

مفكرة السرد.. الدون كيخوته كتاب وذكريات

د. عبدالله إبراهيم*

يروى بأن وليم فولكنر، الروائي الأمريكي، وجِّه إليه السؤال الآتي، إثر فوزه بجائزة نوبل للآداب: ماذا تريد أن تفعل، لو خيرت، فيما تبقى لك من عُمر؟ فكان جوابه: العمل حارساً في الليل، وقراءة كتاب (الدون كيخوته)! قد تمر هذه الأمنية المستحيلة مروراً عابراً، فلا تلقى اهتماماً من أولئك الذين لا يعرفون بأن المكان الذي تمنّى فولكنر أن يمضي بقية عمره في حراسته، هو مخزن لا ينتهي لتجارب الإنسانية المتنوعة، التي تستثير كاتباً بمنزلة فولكنر، بغض النطر عن الدلالة القيمية للمكان، ولكن الأكثر غرابة بالنسبة لأولئك وغيرهم هو قضاء ما تبقى من العمر في قراءة كتاب واحد. لكنني أسارع إلى القول بأن (الدون كيخوته) هو كتاب المتعة الذي لا ينتهي، المتعة التي تنبثق من سطوره كنافورة عجائب أخاذة إلى ما لا نهاية. وبالنسبة إليّ، فإن كتابين اثنين فقط لهما امتياز التجدّد الدائم الذي لا يعرف الشخوخة أبداً: ألف ليلة وليلة، والدون كيخوته.

لم يكن فولكنر على خطأ، ولم يكن ضعيف البصيرة فهذا الاختيار عبّر عنه في خريف عمره، بعد سنين طويلة من تجارب التخيل الروائي: الصخب والعنف، ضوء في آب، فيما كنت احتضر، الدب، أهبط يا موسى، وغير ذلك من منجزات السرد الأدبي الذي أهله لنيل جائزة نوبل في الآداب. ولكن ما السرد الذي ينطوي عليه هذا الكتاب، ليحوز هذا الإعجاب الاستثنائي؟ فيصبح الكتاب الثاني – في الثقافة الغربية = بعد الإنجيل في كثرة طبعاته في العالم، إلى درجة تشكلت حوله مكتبة كاملة من الشروحات والتفسيرات والتأويلات والتحليلات النقدية، ونشأ تخصص أكاديمي رفيع يعرف ب “الثربانتسية” نسبة للمؤلف، فثمة أكثر من نصف مليون كتاب وبحث ودراسة عن ثربانتس، ناهيك عن مئات الآلاف من التعليقات والحواشي والمقالات، ولطالما سألت نفسي هذا السؤال، وأنا أقرأ، وأتمنى دائماً أن أعيد قراءة الدون كيخوته، منذ أكثر من ربع قرن.

شاقني الكتاب في قراءته الأولى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، لم أتلقّاه ضمن النسق المعروف باعتباره كتاباً للبطولات الخيالية، وهو النسق الشائع في فهم الكتاب إلى يومنا هذا، إنما فوجئت به كتاباً ينتمي إلى نسق مختلف، وكان هذا بحدّ ذاته أشبه بالكشف الشخصي الذي جعلني أتعلّق بالكتاب، وكلما مضيت معه عبر السنين ازددت يقيناً بذلك الكشف الأولي البسيط، ولقد عزّزت البحوث والدراسات التي اطّلعت عليها فيما بعد فكرتي، فإذا بالدون كيخوته قارّة غامضة تحتاج دائماً إلى إعادة اكتشاف. استعرت (الدون كيخوته) من صديقي الذي انتهى به الأمر الآن في كندا: الناقد عواد علي. أتذكر تماماً كيف حصل هو عليه، اشتراه بدينارين من جان دمو، حينما وفدنا كعصبة لزيارته في عيد الأضحى في بيت أهله. كنا جماعة من عشاق الأدب والحياة في كركوك/ العراق، وقد تعرفنا إلى الشاعر جان دمو (اسمه الحقيقي دنخا، وقد انتحل هذا الاسم ذا الرنين الخاص لسبب أدبي، فعرف به) الذي تجاهلنا بعبثيته المعروفة، فلم يكلّف نفسه النزول من غرفته لاستقبالنا، فاقتحمنا البيت بجلبة كأصدقاء حميمين، وصعدنا إلى غرفته، وطوال الزيارة لم يغادر سريره، وكل من يعرف هذا الأديب الصعلوك الذي اندرج الآن

كأحد الأساطير في الحياة الثقافية العراقية، لا يستغرب ذلك، فقد كان بوهيمياً، وتنامت فوضويته مع الزمن فصار قطباً لمريدين كثر من الأدباء المفلسين في بغداد طوال اكثر من عشرين سنة، قبل ان يغادر الى الاردن، وانتهى به الامر الآن في مصحة عقلية في استراليا، وكان قد عاد من بيروت في النصف الأول من السبعينيات من القرن الماضي بعد أن عرف اسمه كشاعر غريب في سلوكه وشعره.

كنا نلتقي في إحدى المقاهي كل مساء تقريباً، وليس لنا غير التماهي مع شخصيات رامبو وفرلين وبدولير، ثم لفولبير وهيغو وديستويفسكي وتشيخوف وديكنز، وميلفل وليرمنتوف، واخيرا سارتر وكاموا وبيكت وأراغون وإيلوار، وهؤلاء وغيرهم ضربوني في العمق منذ تلك الفترة، وكانجان دمو الأكبر سنا، والأثرى تجربة فيما كنا نظن، والعابث الأبدي بكل شيء، يلوك تلك الأسماء المدهشة، ويمضغها، كأنه تربى مع أصحابها في حضانة للأطفال، فيما كانت تلك الأسماء الرنانة تثير الذعر والمهابة في نفوسنا، كأنها لنخبة مبجلة من الأولياء والقديسين، فنسارع إلى المكتبة المجاورة في شارع الجمهورية لشراء ما نسمع من كتب، ولما رأى الأصدقاء الأكبر عمراً هذا التعلّق السحري الذي نبديه بالكتب، شجعهم ذلك على بيعنا ذخائرهم بأثمان بخسة، كانوا هم يحدّدون الكتب وأثمانها، وبلا أي طمع، وكنا ندفع بسخاء وعدم تردد، أشعر منذ تلك السنوات الذهبية إلى الآن بأنني مدين لرعايتهم المخلصة تلك، وهذه الجماعة من الأدباء كانت من الجيل الوسط الذي واصل المسار الخاص لجماعة كركوك الأولى (فاضل العزاوي، سركون بولص، أنور الغساني، مؤيد الراوي، وجليل القيسي، وصلاح فائق) التي ترحّل أقطابها في بقاع الدنيا،

ولم يبق سوى جليل القيسي معتكفاً في بيته، يعمل في غرفة بمساحة مترين تتبع شركة النفط، والذي سيصبح بعد نحو عشر سنوات من هذه الفترة التي أتحدث عنها أحد الأصدقاء الحميمين لي، لكن هذه الجماعة التي رعتنا نحن الأصغر عمراً وتجربة بكثير، لم تنتزع مكانة تليق بها. وجان دمو أحد بقايا الجماعة الأولى، لكنه شخصية محيرة: أديب بلا أدب (سوى ديوان يتيم أصدره أصدقاؤه له في بداية التسعينات، بعنوان “أسمال بالية” ونصوص مترجمة متناثرة) باختصار كان جان نفسه أهم من الأدب، إن لم أقل إنه كان شخصية أدبية هاربة من إحدى روايات العبث. تشبع تماماً بالتخيلات الأدبية مثله في ذلك مثل دون كيخوته الذي غرق في روايات الفرسان منذ أربعة قرون خلت، فعاش حياته محاكياً لشخصياتها. أعتقد أن جان شعر بنشوة حقيقية حينما استغفل شاباً غرّاً مثل عواد علي، وحصل منه على الكتاب بذلك الثمن، وأتذكر أنه حصل منه بثمن مماثل على رواية “الدون الهادئ” لشولوخوف بأجزائها الأربعة الكبيرة، وقد تعلقنا بها أيضاً لسنين طويلة.

صرت أقرأ الدون كيخوته بصورة متواصلة من صديقي الذي لم يملّ يوماً من إعارتي إياه، وتتضخم القيمة الفنية له مع كل قراءة جديدة. وعلى الرغم من صعاب السنين العشرين الأخيرة، والترحال، والانتقال بين المدن والبلاد، والانهماك بأعمال الفكر والنقد فإن قيمة دون كيخوته لم تضمحل أبداً في نفسي، وفي إحدى زياراتي الكثيرة إلى العاصمة الأردنية خلال السنوات العشر الأخيرة، عثرت على طبعة جديدة من الكتاب صدرت عن (دار المدى) وهي ذات الترجمة التي قام بها عبدالرحمن بدوي في منتصف الخمسينات حينما كان مقيماً في سويسرا، وظلت معي حتى في أسفاري إلى المؤتمرات الأدبية والندوات، ألجأ إلى الكتاب دائماً واختار عشوائياً أحد الفصول للقراءة. وفي زيارتي صيف 2001م إلى أوربا حملت معي كتاباً واحداً في حقيبة السفر: الدون كيخوته، قرأت أطرافاً منه في المغرب، وصلت الى منتصف الجزء الأول، وفي مضيق جبل طارق جلست أمام إحدى النوافذ في السفينة، وقرأت فصلين من مغامراته العجيبة، ومضيت أقرأ في غرناطة، بعد العودة من قصر الحمراء، وفي قرطبة بعد زيارة المسجد (لاميثكيتا)، وفي أشبيلية بعد زياردة الكاتدرائية العظيمة (الخيرالد) ثم مدريد بانتظار محسن الرملي الذي يعد دكتواه في

الدون كيخوته في جامعة مدريد، ولكن الذكرى الأكثر جذباً كانت طليطلة، المدينة التي تقع في إقليم لامنتشا الذي ينتسب إليه (دون كيخوته المنتشاوي)، ونتمنى زوجة ثربانتس إلى الإقليم نفسه، وتقع معظم أحداث الكتاب فيه، وقد ادعى ثربانتس داخل روايته (وهي خدعة سردية شائعة في الفن الروائي) بأنه قد وجد مخطوطة الكتاب العربية التي كتبها مؤلف عربي اسمه سيدي حامد الإيلي في أحد أسواق طليطلة، فاشتراه بثمن بخس، وكلف مورسكيا بترجمته، كما ترد الإشارة إلى ذلك في الفصل التاسع من الجزء الأول صفحة  95من ترجمة بدوي، طبعة دار المدى، وتتكرر الإشارة في ص 189و

270.ما إن غادرت طليطلة التي هي متحف أثري بامتياز، بسيوفها التي لا تعد، فتذكّر دائماً بفرسان العصور الخالية، واتجهت إلى محطة القطار في الثالثة عصراً، ناحية مدريد، حتى فوجئت بالمحطة التي بنيت على طراز محطات القطار في الغرب الأمريكي، كما تظهرها أفلام رعاة البقر. التصميم نفسه، كانت المحطة خالية، والقطار القادم من مدريد يصل في الرابعة، وثمة ساعة كاملة، جلست على أحد المقاعد. واتكأت على حقيبة السفر، ورحت أقرأ في الكتاب عن المغامرة التي يتصور فيها دون كيخوته القسس الذين يحملون جنازة بأنهم جيش من فرسان الأعداء فيحمل عليهم. وتصورت للحظة أن دون كيخوته وتابعه (سانتشوبانثا) سيظهران في أفق السهل المترامي الأطراف أمامي، فقد تخيل ثربانتس مغامراتهما في هذه السهول، كانت المحطة الخالية، والوقت، والدهشة تجعلني على شبه يقين بأن فارس لا منتشا سينبثق أمامي على ظهر بغلته الهزيلة (روثينانته) يرتدي بزة الفرسان، وخلفه التابع العجيب. صرت أفهم بعد ربع قرن على أول ملامسة لهذا الكتاب كلام فولكنر بطريقة أفضل، وبتصور أعمق، الدون كيخوته لا يُملّ، كتب على حافة الهاوية بين الرغبة والانطفاء. وفي الحد الفاصل بين الأمل واليأس، وأظنه أفضل مجاز تمثي

لي عبّر عن الحكمة الساخرة بين عصرين ثقافيين مختلفين. وخلف الأحداث المباشرة التي تعرض في الدون كيخوته، تلوح في الأفق مواقف لا تخفى، منها السخرية المبطنة من الكنيس، والفكرة الأكثر إحلاحاً وهي الأحلام الاستعمارية الخاصة بفتح الأسبان للعالم الجديد في أمريكا الجنوبية، فالوعود المتواصلة التي يغدقها بسخاء دون كيخوته لحامل سلاحه (سنشوبنثا) هي منح جزيرة فيما وراء البحار النائية حالما يصبح هو إمبراطوراً، أو منحه وظيفة كنسية أساسية في حال أصبح هو كبيراً للأساقفة، ومع أن هذه الوعود تظل متعثرة إلى النهاية، لكن أحلام الفارس وتابعه تنبضان في الكتاب إلى نهايته. ارتبط في ذهني إلى الأبد جان دمو الحالم المنقطع عن حركة الواقع بالدون كيخوته.

ينتدب (دون كيخوته) نفسه لإعادة الاعتبار لقيم الفروسية وثقافة عصرها إلى درجة يخيل فيها أنه يذوب في شخصية الفارس (أماديس الغالي) شيخ الفرسان في روايات الفروسية التي كانت شائعة في الغرب المسيحي قبل القرن السادس عشر. وبالنظر إلى أنه يعيش حقيقة في عصر لا يوقر قيم الفروسية وثقافتها، فإن كل المعاني المتصلة بأفعاله تنقلب لتعطي دلالات مضادة لما يتصورها هو. ذلك أن النسق الثقافي الجديد الذي يعيش فيه دون كيخوته يحول دون منح المعنى القديم الموجود في روايات الفرسان، إنما يضفي عليه فائضاً من دلالاته هو، وهكذا تظهر كل أفعال دون كيخوته ساخرة وغريبة ومتناقضة وتنطوي على مفارقة لا يمكن السكوت عليها. والحقيقة فإنها تنجز من قبل صاحبها بحسن نية وطبقاً لشروط النسق الثقافي الذي تشبع به، لكن دون كيخوته يريد أن يصير فارساً في عصر لم يعد قادراً على احتمال فكرة الفارس أصلاً، وعلى هذا فإن كل مقاصده تقود إلى عكس ما يريده منها.

ترتسم في ذاكرتي، كلما قرأت كتاب (الدون كيخوته) صورة جان دمو – والمجموعة الأدبية في كركوك في تلك الحقبة الوردية – جان دمو الذي عايشته لسنوات طويلة، ثم راحت لقاءاتنا تنقطع في السنين العشرين الأخيرة، وآخر مرة رأيته في عمّان، كانت خلال الزيارة التي اشتريت فيها نسخة جديدة من (الدون كيخوته) كان الكتاب العزيز الجذاب يقبع في حقيبتي، بانتظار قراءة جديدة، فيما كان جان محلقاً في سحب الدخان، وضائعاً، وطريداً، ومنبوذاً، بانتظار وطن جديد، لن يمهله فيه الزمن الغادر بالعثور على عصبة جديدة، كأنه ذهب إلى آخر بلاد العالم ليموت فحسب موتاً كريماً، على النقيض من دون كيخوته الذي حلق في أكثر عوالم الخيال غرابة وسخرية، لكنه عاد ليموت في داره. كان جان قد أبيض شعره، ولم تبق له غير سن وحيدة، حائرة في فمه الأدرد، كان ناحلاً، وجائعاً، وحالماً، وغريباً، بالضبط مثل سلفه العظيم دون كيخوته، كم خشيت أن ينثني عن مثله الكبرى كما انثنى أعظم فارس ظهر في كتاب سردي، وآخرهم!!!

*ناقد من العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق