ثقافة المقال

التاريخ: رهانات وإرادات

محمد بن زيان

بعد خمسين سنة نواجه تحدي التحوّلات الجذرية المتسارعة، تحوّلات تجتاحنا في ظل التباسات وعينا التاريخي، التباسات متصلة بالنسق المهيمن، نسق الحكايات والحدوثات التي حوّلت المعرفة التاريخية إلى حدوثات نفقد بتملكها لنا إمكانات صياغة إحداثيات السير نحو آفاق كانت أهداف الأجيال التي تراكمت تضحياتها عبر العصور· فن التاريخ كما كتب ابن خلدون: ”من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأولى، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غص بها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمّروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق”·

 

التاريخ، ومنه تاريخنا على وجه الخصوص يتموضع بين ”رهانات المعنى وإرادات الهيمنة” بتعبير محمد أركون·

رهانات معنى ينفلت بانفلات المعرفي وهيمنة الأيديولوجي الدوغمائي، هيمنة تفرض ”إمبريالية المعنى” ـ بتعبير علي حرب ـ والرهانات محور الإرادات التي تفرض هيمنتها بفرض هيمنة المعنى المراد، معنى أمعن بترا فظلت الهوية تائهة بنزيف يتوالى فيشكل جينات لا تنتج سوى المسخ بكل أشكاله·

يقول أركون: ”في التاريخ تأخذ جميع أشكال الحقيقة تماسكا ملموسا وتتعرّض لتحوّلات جذرية بهذا القدر أو ذاك تحت ضغوط الخاصية التاريخية· ولهذا السبب يحتل التاريخ موقع المركز في المثلثات ”لغة / تاريخ / فكر”، ”دين / مجتمع / سياسة”، ”قصص / تاريخ / حقيقة”·

بعد خمسين سنة من افتكاك الاستقلال، لا زال وعينا التاريخي هشا وملتبسا بما ينفي عن التاريخ تاريخيته بالمعنى الأنطولوجي وبالمعنى الإبستمولوجي·· لا زلنا رهائن بروكيستية دوغمائية قبلية غيبية تغيبية··

التاريخ مرتبط بجدل الصراعات ومنتوج بشر بكل ما لهم وعليهم، بشر لهم وصل بسياقات تشكلهم وتشكيلهم، لهم وصل بسياقات أداء الدور·

هو التاريخ نتمثله فيكون تمثلنا تأويلا، ويكون تأويلنا مرتبطا بإرادات تختلف باختلاف منطلقاتنا وكل إناء بما فيه ينضح كما قيل·

والصراع مستمر بين الإرادات، فكل إرادة تنشد بلورة التاريخ الذي يخدم استراتيجياتها وتكتيكاتها· وإذا كان للسياسي مبرراته، فإن الفخ الأكبر هو الذي يتورط فيه المشتغل علميا، يتورط لما يخضع المعرفي للسياسي، فيخرج المقص والممحاة وبقية أدوات المحو والبتر لصياغة المطلوب وإن تعارض مع إرادة المعرفة الحقة التي تتعالى على حسابات مبتعدة عن روح المعرفة·

التاريخ يختزل ليسلع سلعا للمقايضة في إطار تقاسم الريوع، ريوع النفط وريوع الرمزيات التي تفقد زخم الرمزية بتحويلها إلى سندات سياسوية وإلى إقطاعات عصبوية·

بعد خمسين سنة نواجه التحدي، تحدي التاريخ والتاريخ ما نصنعه، لا ما نرثه·· التاريخ كسيرورة، إنه ليس الماضي كما نحصر فهمه·· التاريخ هو الزمن بكل أبعاده·

بعد خمسين سنة نواجه تحدي التحوّلات الجذرية المتسارعة، تحوّلات تجتاحنا في ظل التباسات وعينا التاريخي، التباسات متصلة بالنسق المهيمن، نسق الحكايات والحدوثات التي حوّلت المعرفة التاريخية إلى حدوثات نفقد بتملكها لنا إمكانات صياغة إحداثيات السير نحو آفاق كانت أهداف الأجيال التي تراكمت تضحياتها عبر العصور·

فتاريخ الثورة يسحب ليوظف تبعيضيا وكل طرف يسحب من الدرج ما يقولبه في قوالب مكرّسة لنظرة تبتعد بالتاريخي عن حقيقته لتكرّسه في ما يخرج عن إمكانات الاستيعاب المؤسس للمعرفي والملهم للجمالي·

السلطة شرعنت وجودها بالشرعية الثورية وكرست بالمسطرة البروكيستية تاريخا رسميا أسقط وبتر فبلور المسخ الذي كثف الثغرات المسربة للوساوس والمفاقمة لمجاهيل تتركب بها المعادلة·

التاريخ ليس ما انقضى، التاريخ ممتد والتاريخ يتكرّس بالتأويلات التي هي إفصاح عن إرادات وتصريف لتدافعات·· التاريخ أفق مفتوح، وكلما ابتعد عن الأسطرة اقترب من العقلنة التي يتم بها تفكير الأحداث، تفكيرا نقديا لتمثل ما هو حقيقة والحقيقة تظل نسبية، ونسبيتها هي قوتها، لأن نفي النسبية يعادل الحكم بالإعدام، النسبية هي الحياة·

في مرحلتنا أحدثت ثورة المعلوماتية صياغة لمفهوم الزمن ولما يتصل بالمدركات، فالأبعاد لم تعد محصورة في ثنائية المتخيّل والواقعي، بل امتدت لبُعد ملتبس بالإثنين هو الافتراضي، وهو ما شغل بودريار وجورج لايكوف وتشومسكي ودوبري وبورديو وامبرتو إيكو··· وغيرهم من العلماء والمفكرين، فتحدثوا عما يطبع صراعات عالمنا الحالي من أبعاد وما أصبحت تلعبه الميديا والجديد منها على وجه الخصوص من أدوار محورية·

نواجه اليوم تحديات وفي التعاطي يعاد اجترار الفهم الذي يركن إلى اختزال ما يجري بالمؤامرة فينفي أهلية الوجود عن الذات ويركن إلى ما يبرر انهزامية بتحويل التاريخ إلى روايات عن قوى خفية تدير العالم وتحرك الخيوط من وراء الستار، فهما ساد زمنا معتمدا على أدبيات كبروتوكولات حكماء صهيون وكتب كـ ”أحجار على رقعة الشطرنج” و”لعبة الأمم”··· وراهنا يجري الحديث عن تاريخ يتحرك بلعبة الإيلوميناتي، وراج الحديث عن حركة أوتبور بصربيا وما تلاها من حركات عرفتها البلدان التي عرفت الثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا وكازاخستان·· وتم الإسهاب في الحديث عن دور كانفاس وخبراء كجين شارب··· وترويج هذه الأمور يندرج في صلب رهانات المعنى وإرادات الهيمنة، فالمعنى المراد هو التشتيت الذهني والإرباك النفسي المكرس لحالة الاستسلام لمسلمة أن قوى خفية تتحكم في كل تفاصيل الحدث، وحكاية القوى الخفية تحضر لتعضد الترويج لكل أشكال التخلي عن العقل والركون لدوائر الدجل والشعوذة·

يقول نيتشه: ”إن من يعرف نفسه عميقا، يجهد ليكون واضحا، ومن يريد أن يظهر عميقا أمام عيون الحشد، يجهد ليكون غامضا، لأن الحشد يعتبر عميقا كل ما لا يستطيع أن يرى أسبابه، فهو يخشى الغرق”·

فالخفاء من استراتيجيات الهيمنة والإخفاء من تقنيات الالتفاف على حشود يحشدها كل فانتزامي وكل ما يمتنع عن الضبط· وبآليات التكريس لنفي العقل النقدي ولنفي مواجهة ومكاشفة تعافي من ذهاني السهولة والاستحالة بتعبير بن نبي، أي من العوائق النفسية التي أبقت مسلم ما بعد الموحدين في طرح بن نبي مراهقا نفسيا له ولع بالأشياء وارتباط بالسحري وبالخرافي·

المعنى المراد هو تكريس استحالة التحرر بتلبيس حركات التحرر بالتباسات الاختراق وبالتباسات أنها من إخراج دوائر تتربص بنا·

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق