قراءات ودراسات

” بنات 6 أبريل ” خطاب تحوّلات الهُويّة المصرية في المُعاصرة مقاربات نقدية

الأستاذ الدكتور علي عبد الوهاب مطاوع

” حبايبي الحلوين” رفع الملك عصاه في وجه أولاده وأخواته وزوجاته، وإذا بخمس سلاحف صغيرة؛ تقسيمات صدفاتها الرقيقة، تشع منها ألواناً فسفورية مُتلألئة، فوجئ بها الملك تدخل عليه، يرتبك فتسقط عصاه، راحت الزهرات الخمس تبحث عن الحفيد الوحيد، الذي لم يمت حتى الآن (1)”
.فإذا به ” الورد اللّي فتّح في جناين مصر (2) ”
( 1 )
رواية ” بنات 6 أبريل “, سردٌ إبداعيٌّ للكاتب المصريٍّ أحمد محمد عبده, قابلته منذ وقت بعيد، حينما كتبتُ عن روايته ” مكاشفات البحر الميت عام 2006م “؛ رأيته آنذاك مهموماً بقضايا وطنه، متألماً آسياً، مُسْتَشْرِفاً واقعه العربي بكل أطيافه وتقلباته ومقارباته الفكرية والإبداعية.

مرّت السّنون دون أن نلتقي وجهاً لوجهٍ مرّةً أخرى لِسَفري المُتعدد خارج الوطن الأم في مَهَمّاتٍ علمية، وأنا أتابعه من كثب, مُبدعاً معطاءً، فإذا به غارقٌ في بحار الهمّ الوطنيّ حتّى الثُّمالة، ولم يتحوّل في سرده وفكره ومُعتَقَده الفنّي كما تحوّل المتحولون – وهم كُثْرٌ في هذا الزمان (الربيعيّ) الذي ألَمّ بالأمة العربية مؤخراً, فتّشْتُ عنه وتقابلنا بعد فراق طويل، فرأيته كما عهدته
من قبل في إبداعه – وهو القائد العسكري الذي لم يطأطأ الرأس كما كان في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973م – مُطارِداً عنيداً لـ “كلاب الصين (3)”، ينقش بيراعه قُواه المعرفية هناك في “حفر الباطن (4)”, وبكل جسارة فكرية في ” حالة حرب (5)”، مُتحلّياً بدهاء القادة في اشتباكه مع “ثعالب في الدفرسوار (6)”, لكنه سرعان ما يعود إلى ذاته/ جذوره فيقدم لنا ” سُرّة البلد (7)”, ليصل بكلّ وعي وحضور ومعايشة ومشاركة وطنية فاعلة؛ إلى عمله الروائي المُحكم في موضوعه، المتميّز في طرحه وهي روايته ” بنات 6 أبريل “، يوثّق عبر هذا الخطاب السّرديّ, لذلكم المدّ الثوريّ الذي مرّت به مصر إبّان ثورتها الفارقة, في تحوّلاتها السياسية والاجتماعية والفكرية في الخامس والعشرين من يناير 2011م؛ يُوثق هذا التحوّل- عبر تقنياته الفنية التي أبرزت ثقافته الأدبية والنقدية – توثيقاً متميّزاً في بابه الروائي، ولحظته التاريخية، ومُمَيِّزاً في الوقت ذاته للكاتب الذي عايش الحدث/ اللحظة/ الثورة/ التّحرر، وربّما كانت هذه المعايشة سبباً رئيساً في تمكن المباشراتية من أجزاء عديدة في سرده، ممّا نتوقف عنده بعد قليل؛ أحمد عبده, ابن قرية برمكيم, ديرب نجم، نشأ في بيئة الشرقية, نبع التّوهّج الإبداعي فهي شرقية يوسف إدريس، ثروت أباظة، عزيز أباظة، فكري أباظة، سلامة موسى، محمد العلائي، أحمد فؤاد نجم، مرسي جميل عزيز، صلاح جاهين، يوسف أبو ريّة، ألفريد فرج، صالح جودت، محمد غنيمي هلال، محمد مندور، محمد السنهوتي، حسين علي محمد، صابر عبد الدايم, بهي الدين عوض، بدر بدير، محمد سليم الدسوقي، مجدي جعفر، محمد عبدالله الهادي، وغيرهم, نجوم في حدائق الأدب والفكر والسياسة والنقد.

( 2 )
وما كان لهذه الرواية ” بنات 6 أبريل ” أن تنال هذا التقدير، وذلك الاهتمام على مستوى الإبداع الفني من القراءة والعرض والدراسة، والنقد هنا وهناك، لولا أهمية منجزها السردي, الذي حقّقتهُ على المستوى النّصّي في خطابها القصصي العام، والذي انطلق كاتبنا بآفاقه نحو التحرر والخلاص من واقع ( السلاحف، كاليجولا، شيرمان، النمرود، أهل الكهف )؛ هذا الواقع الذي جاء نابضاً بواقع عربيّ عام, يحمل الكثير والكثير من الهموم والأوجاع والمكابدات الاجتماعية والفكرية والسياسية، والتي لاحقها الإبداع الفني في شتّى تحولاتها وفق نصوص إبداعية فنية تسعى إلى الحرية والتغيير.
ذلك أنّ الإبداع إنّما هو في حقيقة الأمر” تشكيلٌ يواجه تشكيلاً، تشكيلٌ جماليٌّ يواجه تشكيلاً تاريخياً اجتماعياً. بناءٌ يواجه بناءً. إنّ الفنان يدرك واقعه جمالياً. والعمل الفنيّ هو تشكيلٌ جماليٌّ لموقف من هذا الواقع, إنّ الفنّان يواجه واقعه بتشكيل مقابل، يقهر – رمزياً – التشكيل التاريخي، ويعيد بناء الواقع الحقيقي, ولذلك فإنّ الفنّ – أكثر من أي ضرب آخر من النشاط البشري – يحرّر الواقع من المثول والثبات والجمود، لأنه يقهر – رمزياً – الضرورة في الواقع, الطبيعة والمجتمع, ليصل بهذا الواقع إلى الحرية… (8) ”
كتب أحمد محمد عبده روايته “بنات 6 أبريل” برؤية الكاتب المبدع الذي تمرّس على السّرد طويلاً، وأعطى في بابه إبداعاً متنوعاً ليس بالقليل؛ ورؤية القائد العسكري الذي ظلّ سنين عددا متأهباً في ميدان الشرف/ الجيش المصري ، لديمومة حرية بلاده، وسلامة عِرضها وأراضيها, فجاءت رؤيته رؤيةً فكريةً متميّزة، عميقةً في طرحها، متفاعلةً مع بؤرة نصّه؛ رؤى شباب حركة 6 أبريل التي فجّرت الشعور الوطني لدى المصريين، لتصبح أيقونة لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، وإن تحوّلت فيما بعد, وفي الوقت ذاته مُعبّرة عن ثقافته، حيث تفاعل كثيراً مع نصوص أخرى متنوعة, في حوارية أكسبت نصّه الروائي انفتاحاً على خارجه من ثقافات متعددة الأصوات، خلقت تفاعلاً اجتماعياً وسياسياً متمايزاً، مِمّا يُعرف في النقد الحديث بــ “التناصية”, التي قالت بها الناقدة الفرنسية ــ البلغارية الأصل ــ ” جوليا كريستيفا”, في ثورتها النقدية على انغلاق النصّ الذي قال به البنيويون، مؤكدة حقيقة التفاعل والتداخل بين الثقافات العديدة في النصّ الواحد، مُعلنة بذلك تنظيرها للتناص الذي حصرته في” التفاعل النّصيّ داخل النصّ الواحد، وهو ــ أي التفاعل – دليل على الكيفية التي يقوم بها النصّ ” بقراءة التاريخ والاندماج فيه “، ويقدّم الصفة الكبرى للبنية النّصيّة (9) “، والتي أراها في انفتاحه وتداخله والتّكيّف مع غيره من الأنساق الثقافية التي احتفى بها, وأعاد قراءتها ضمن لُحمة نصه وذاته الحاضرة، لا ذاته الراحلة كما توهّم التفكيكيون الذين حكموا بموت الذات/ المؤلف، من أمثال: الأب المؤسس للتفكيكية “جاك دريدا” الفيلسوف الفرنسي, لتأتي “جوليا كرستيفا” متمردة على ذلك منادية بمفهوم التناص الذي هو ” كلّ نصّ يقع عند التقاء عدّة نصوص يكون في نفس الوقت إعادة لقراءتها، وتكثيفاً وتحريكاً وانزياحاً وتعميقاً لها (10) “

ويبقى الرمز الذي وظّفه كاتبنا بوعي وفنية عبر الشخصيات التاريخية والتراثية؛ متناصاً مع خطابه السردي في موضوعه, ليشكّل نسقاً جديداً وتشكيلاً فنياً, يفتح شهية الذائقة العربية التي تقرأه اليوم على رؤى جديدة، بل يبعث حياةً جمالية تُبرز هوية النص المبدع، ووعي الكاتب بهويته ورسالته الجمعية في مجتمعه.
ذلك أنّ الرمز حينما يُوظّف بشكل فنيّ غير مُفْتَعَل، فإنّه يُشيّد عالماً من التّخيلي والجمالي، بعد استدعائه من الماضي، ليبني مستقبلاً متخيلاً في ذاكرة الجماعة الإنسانية، عن طريق استحضار ملامح هذا الرمز، وتجسّده في شخصيات بعينها، أو الإشارة إليها بإسقاط فنيّ، إحالةً إلي فضاءات سياسية واجتماعية معاصرة، يُشكّل بها المبدع خطابه السرديّ المنطلق من واقعه المعيش، الذي يئنُّ ويتألم ويُذلّ ويُهان، أمام طواغيت مجتمعه، متجاوزاً تاريخية الرمز, على الرغم من استفادته منه لينفلت بخطابه السردي صوب الحرية والتحرر من طغيان جبابرة عصره، من أشباه “كاليجولا” و” النمرود”. وكاتبنا في تناصه هنا باستدعائه الجليّ لهذه الشخصيات التاريخية، وتلك الرموز التراثية؛ إنما يُطلّ على واقعه من عالم اغترب عنّا كثيراً، وبعدت الشُقّةُ بيننا وبينه، لكنه يحمل خطاباً سياسياً اجتماعياً مأساوياً لحاضر زعامات أمته المُخزي، حيث يستدعي شخصية القيصر الروماني الطاغية ” كاليجولا” كأنموذج للحاكم المطلق” يقرأ شاكر النحيف ” كاليجولا رأى أنّ الملوك آلهة، وأنّ الشعوب حيوانات، وكلّ إله يحلب لبن حيواناته”(11)” !!, وفي موضع آخر ” فماذا لو عرف الهبّاش – النائب في البرلمان – أنّ كاليجولا هذا عيَّنَ حصانه عضواً في مجلس النواب في روما القديمة (12)”!!
ولا يتورّع أحمد محمد عبده أن يُعلن صراحةً على مجتمعه المصري المعاصر أنّ ” كاليجولا ” القيصر الروماني الطاغية غدا حاكماً لمصر مرة ثانية في المعاصرة؛ وهو الذي سلب تاريخها من قبل، حينما استولى على بعض آثارها الفرعونية كمسلّة “تحتمس الثالث” إبّان حكم الرومان لمصر، ونقلها إلى روما، فصار رمزاً للحاكم المطلق المستبد، بل ويتّسع الرمز هنا مع استحضار المتلقي آفاق التأويل لأن يجعل هذه الشخصية رمزاً لزعماء آخرين جبابرة/ طغاة/ عملاء/ مستبدين/ قتلة لجيرانٍ لنا قلباً وجنساً وأرضاً وهُويةً؛ انحنت هاماتهم أمام طغاتهم ذُلاً ومهانةً ،وانكساراً وقهراً وعجزاً.

ومعلوم أنّ ” كاليجولا ” المعروف بوحشيته وجنونه وساديته كان أشهر طاغية في التاريخ الإنساني، ولم يكن مجرّد طاغية حكم روما وحسب، بل كان نموذجاً للشر والقسوة وجنون العظمة؛ وهو الذي استبدّت به فكرة أنه إله على الأرض وملك هذا العالم بأسره، يفعل ما يحلو له، ومن أشهر عباراته التي كان يُردّدها لتبرير وتشريع القتل لنفسه ” إنْ لم أقتل أشعر بأنّي وحيداً “، وعبارة أخرى “لا أرتاح إلاّ بين الموتى”, والعبارتان تبرزان بوضوح تام ملامح شخصية ” كاليجولا “، والتي أبدع الكاتب العبثي المبدع المفكر الفرنسي” ألبير كامو ” في وصفها في مسرحيته الشهيرة ” كاليجولا ” التي كتبها عام 1938 م ، وقدّم فيها رؤيته لحياة هذا الطاغية الذي كان يُخاطب سيّافه قبل الشروع في القتل بقوله ” أُقتل بتروّي.. دعه يتذوق طعم الموت جيّداً ” ​ ( 3 )
وتتنوع رؤى الكاتب لتتسع آفاق التناص الذي يلعب دوراً بارزاً ​في
تطور أساليب سرده الروائي وتقنياته، حتى يصل إلي منحى يُقرّب إلي معايشة القهر، واستعذاب العجز والانكسار الذي يتجرعه مجتمعه مع طواغيته وجبّاريه، وذلك عبر أصوات ثلاثة جاءت مجتمعة لِتُسْفِرَ في النهاية عن تماهي هذا الكاتب المقهور مع التراث الإنساني على اختلاف أنساقه ؛ شجراً / حيواناً / إنساناً,
يأتي الصوت الأول ” للسلحفاة ” هدية للملك من صديق له في عيد ميلاده المائة ، يُجسّده حكيُ ” أبلة فضيلة ” تلك الشخصية المحورية التي أراها معادلاً لرؤى وأفكار وعواطف كاتبنا الذي يقول على لسانها ” حبايبي الحلوين: كان يا ما كان، في سابق العصر والأوان، ملك له في حكم بلاده سبعون عاماً، وفي عيد ميلاده المائة، أهدى له صديقه سلحفاة ليس لها شبيه في العالم، الصدفة التي تعيش بداخلها، والمكونة من أشكال هندسية، منها المربّع، والمستطيل، والمعيَّن، وشبه
المنحرف، كل شكلٍ منها يشعُّ لوناً فسفورياً يختلف عن الآخر، منه الأحمر والأصفر والأخضر والبنفسجي، حتى إنها حينما تتحرك في ظلام الردهات والصالات والغرف، تبدو كأنها جوهرة من ألوان طيف متحركة. قال الرجل للملك: هذه السلحفاة من النوع الذي يعيش ثلاثمائة سنة, فقال له الملك: وإن لم يكن ذلك, فقال صديقه: لك أن تقتلني يا جلالة الملك, فقال الملك: على كلّ حال أشكرك، ضعها أمامي وسوف أرى (13)”!

ومن حقّ كل إنسان أن يطمع في أن يكون مُعمّراً، ومن حقّ الكاتب أيضاً أن يُجسّد هذا الشعور الآمل بطول العمر/ الحُكْم، فيأتي بهذا الموقف الإنساني الواهي لهذا الملك الذي يقبل هدية صاحبه منتظراً بلوغ هذه السلحفاة الثلاثمائة سنة وإلاّ جذّ عنق صاحبه، ومعلوم أنّ السلحفاة من الحيوانات التي تُعمّر لوقت طويل قد يفوق عمر الإنسان, لكنّ الموقف الإنساني/ موقف الملك؛ تفوق بكل أبعاده السلطوية، حيث ينتظر هل تصل السلحفاة إلي هذا العمر أم لا ؟!، ” على كلّ حال أشكرك، ضعها أمامي وسوف أرى”!!, في حين أنّ موقف الرمز/ السلحفاة، هنا هو موقف الصمود والقوة، وموقف الحاكم/ الملك، هو موقف الضعف، وإن تجبّر وتكبّر، وتضخّمت لديه” الأنا السلطوية القمعية”, التي جعلته يتوهم أن عمره يتعدى عمر السلحفاة.
ويتحوّل كاتبنا بالخطاب السردي هنا, إلى عالم يشي بكل وضوح عن المسكوت عنه في مجتمعاتنا العربية؛ عالم أكثر قهراً وبطشاً وظلماً، عالم يُلقي بكل ظلاله على حقبة ما قبيل الثورة، إنه عالم الطاغية ملك بابل العراق (النمرود بن كنعان بن كوش بن سام
بن نوح ), بحسب ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية(14)، والذي وصفه بأنه أول جبّار في الأرض، وأول من وضع التّاج على رأسه في الأرض، واستمرّ في ملكه أربعمائة سنة، وكان قد طغا وتجبّر وعتا وآثر الحياة الدنيا حتّى حاجّ “إبراهيم الخليل” عليه السلام في ربه سبحانه وتعالى، مُدّعياً الربوبية لنفسه، وقد سجّل القرآن الكريم قصة هذا الملك الجبّار في قوله تعالى: ” ألمْ تَرَ إلي الَّذي حَآجَّ إبراهيمَ في رَبّهِ أنْ ءَاتَاهُ اللهُ المُلكَ إذْ قالَ إبراهيمُ ربِّيَ الَّذي يُحْي ويُميتُ قالَ أنا أُحْيِ وأُميتُ قالَ إبراهيمُ فَإِنّ اللهَ يأْتِي بالشّمسِ منَ المشرِقِ فَأْتِ بها من المَغْرِبِ فَبُهِتَ الّذي كَفَرَ واللهُ لاَ يَهْدِي القوْمَ الظّالِمينَ (15)”
تكبّر وعصى وكفر بالله هذا الملك الجبّار، فأرسل اللهُ عليه وعلى جنوده جيشاً من البعوض، هجم على الجنود فمصّ دمهم وأكل لحمهم وشحمهم، وأبقى عظامهم فقط, فهلكوا جميعاً، وقد أهلكه الله بذبابة دخلت في منْخره ثمّ انتقلت لرأسه حتى يُقال إنها مكثت فيه أربعين يوماً، أو أربعين عاماً، أو أربعمائة سنة حتى الموت. المهم في هذا الخبر عُمق هذا الاستدعاء الذي تناصّ معه كاتبنا ليكشف سوء خاتمة هذا الجبّار الطاغية” لا تستهينوا بالأشياء، كان لأحدهم تجربة مع بعوضة في أذنه، وآخر مع سوسة في عصاه (16)”, والصحيح ” مع بعوضة في منخره أو أنفه”، وقد عذّبه الله بها فكان يطلب من الناس أن يضربوه بالمرازب والنعال على رأسه ليخفّ ألم رأسه، وظلّ على هذا حتى أهلكه الله ومات ذليلاً من كثرة الضرب بالنعال والمرازب.
وإذا كان رمز”الملك النمرود” قد جاء هنا نابضاً بالحياة، متحدثاً عن المسكوت عنه في مجتمع الكاتب، كاشفاً جبروت حكام بأعينهم، مندّداً بأزمنة عربية مقهورة ومنكسرة؛ فإنّ الرمز في باقي التعبير السردي”…، وآخر مع سُوسةٍ في عصاه (17) “، والذي يُشير إلى نبيّ الله سليمان بن داود عليهما السلام ،ممّا جاء به كتاب الله في قوله تعالى ” فلمّا قَضَيْنا عليه الموتَ ما دَلّهُم على مَوْتِهِ إلاَّ دابّةُ الأرضِ تأْكُلُ مَنْسَأَتَهُ فلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لوْ كانُوا يَعلمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا في العذابِ المُهين (18) “، فقد ظلّ ميّتاً حولاً كاملاً والجنُّ يعملون, إلي أن وقعت الأَرَضَةُ في عصاه التي كان متكئاً عليها فأكلتها حتّى خرّ سليمان ساقطاً بانكسار مَنْسأته. أرى الكاتب قد أُقسره قسراً في بنية السرد، وأقحمه إقحاماً دون فائدة أو غاية أو وظيفة فنية كالتي رأيناها في استدعائه شخصية النمرود، أو تناصه مع “شجرة الجنرال شيرمان”، تلك الشجرة العملاقة الموجودة في ولاية كاليفورنيا ويسمونها “الجنرال شيرمان”، والتي تُعدّ أكبر شجرة في العالم، ويقدّر العلماء عمرها ما بين 200’2- 2,500سنة ‘ حيث حاول الكاتب أن يسقط هذا على الحكام العرب الذين يتشبّثون بالسلطة حتى آخر العمر، ونبيّ الله سليمان بعيدٌ كل البعد عن هذا الإسقاط الفني ، ولا يجوز للمبدع استدعاؤه في مثل هذا الموضع، وإن كان ولا بدّ فاستدعاؤه رمزاً للعدل، رمزاً للحكمة، رمزاً للقضاء العادل، وغير ذلك من الوجوه والملامح المشرقة وهي كثيرة حبَا الله أنبياءه ورسله بها. ثمّ إنّ الروايات التاريخية تذكر أنّ سليمان عليه السلام” عاش ثِنْتَيْن وخمسين سنة، وكان ملكه أربعين سنة، وقيل إنّ ملكه كان عشرين سنة وعمره نيفٌ وخمسون سنة (19) “، بينما الحكام العرب تقدّموا عليه في ملكهم، وحكم شعوبهم !!، وهذا ما كنت أنتظر توظيفه في مثل هذا النوع من السرد الجمعي، دون حشد رموز تراثية وأشخاص تاريخية دون أن تُضيف جديداَ في لحمة النصّ سوى إبراز ثقافة المبدع المتنوعة، على نحو ما رأينا من استدعاء كاتبنا لأصحاب الكهف ونبيّ الله سليمان. وكم وددتُ لو كان استدعاء كاتبنا لهذه الشخصيات التي جاءت هنا في الرواية خفياً حتّى يدخل الاستدعاء” حيّز التناص الخفيّ ،الذي هو أعمق
الأنواع إعمالاً لذهن متلقٍ مفكّرٍ شريكٍ لمبدعٍ أكثر تخصيباً لنصٍّ؛ يسعى إلى خلق خلود إبداعه، من خلال فقه المبدع والمتلقي بأنّ ( 20) “, الأحداث التاريخية والشخصيات التاريخية، ليست مجرد ظواهر كونية عابرة، تنتهي بانتهاء وجودها الواقعي، فإنّ لها إلى جانب ذلك دلالتها الشمولية الباقية، والقابلة للتجدد – على امتداد التاريخ – في صيغ وأشكال أخرى؛ فدلالة البطولة في قائد معيّن، أو دلالة النصر في كسب معركة معيّنة؛ تظل – بعد انتهاء الوجود الواقعي لذلك القائد أو تلك المعركة – باقية، وصالحة لأن تتكرر، من خلال مواقف جديدة وأحداث جديدة وهي في نفس الوقت قابلة لتحمل تأويلات وتفسيرات جديدة (21) ” ​ ( 4 )
إنّ عالم الإبداع السردي هنا في “بنات 6أبريل ” ليس بالعالم المثال، ولا بالعالم الذي يضجّ بالتفاعل والصراع مع التاريخ أو الأسطورة الرمز، أو الواقع المحتدم بألوان القهر والأسرار الملكية، والثورة التي تأكل أبناءها، وحكايات أمنا الغولة، ونطاط الحيط، ونواب الكيف، والعِمالة، ومأساة التحوّل الوطني في فكر الواقع الثوري، وفي الميدان، وخيام الرومانسيين الثوريين، ونكاح الجهاد، وغير ذلك من تحول الخطاب الجمعي في مصر؛ وإنّما يأتي هذا الإبداع السردي شاهداً على عصر التحوّلات العربية، على حقبة زمنية فارقة من تاريخ مصر المعاصرة، الأمر الذي فرض المباشراتية على الكاتب في أكثر من موضع من حكايات الرواية, التي ساق أكثرها على لسان الراوية ( أبلة فضيلة ) بدلالاتها الفنية المتّزنة على امتداد تدفق السرد من بدء الحكي وحتى نهايته، على الرغم من ذكره أسماء بعينها من مثل: زكريا عزمي، كمال الشاذلي، عمر سليمان، آن باترسون، إسماعيل هنية، كتائب القسّام، خالد سعيد، بلطجية كارفور المعادي، وميكرو السلام، وأركاديا الكورنيش، كنتاكي التحرير، أحمدي نجاد، أردوغان ،مهاتير محمد. وتدخله بالوصف
والرأي. فلا ضير في ذلك التصريح، ذلك أنني لا أتصور كاتباً بعيداً عن واقعه ومتغيّراته وتحولاته التاريخية أو الاجتماعية ،أو النفسية، أو القومية المتباينة بأنساقها المتعددة، إذْ لم يكتف كاتبنا بالحديث عن نسق بعينه وإهمال الآخر، حتى أطفال الأمة كان حريصاً على أن يُسلّمهم راية الحرية/ مستقبل مصر ونهضتها، مؤكداً ذلك التزامه بالحاكي السارد ( أبلة فضيلة ).
“حبايبي الحلوين: رفع الملك عصاه في وجه أولاده وأخواته وزوجاته، وإذ بخمس سلاحف صغيرة ؛ تقسيمات صدفاتها الرقيقة، تشع منها ألواناً فسفورية مُتلألئة، فوجئ بها الملك تدخل عليه، يرتبك فتسقط عصاه، راحت الزهرات الخمس تبحث عن الحفيد الوحيد، الذي لم يمت حتى الآن (22) “, فإذا به الورد اللّي فتّح في جناين مصر(23)”.

وهنا نقول: إنّ أهم ما تطرحه هذه الرواية هو، تحولات سؤال الهوية المصرية الذي بدأ بإبراز دور حركة 6 أبريل الفاعل في تأجّج الشعور الوطني لدى الثوّار المصريين، وما كان لها من دور في اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، والتّخلص من حكم (كاليجولا) و( النمرود )، لينتهي هذا السؤال بالحديث عن الزهرات الصغيرات الخمس ( ميار، كاميليا، منى، ليليان، نهى ) اللائي ولدن يوم اندلاع الشرارة من المحلة في ( 6 أبريل 2008م )، وهنّ في حقيقة الأمر ( الورد اللّي فتّح في جناين مصر )
*****

*أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بجامعة الأزهر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق