ثقافة السرد

ولادة بطل

هيثم محسن الجاسم

عاش احمد اليتم منذ نعومة إظفاره عندما قتل الارهابين أبيه بينما كان يحاول مع مجموعة من الخبراء نزع فتيل عبوة ناسفة زرعها الارهابين في جانب الطريق المؤدي إلى قضاء سوق الشيوخ ( احد الوحدات الإدارية التابعة لمحافظة ذي قار ) . كان أبوه يحبه كثيرا ويشتري له أنواع كثيرة من اللعب والملابس وكذلك يجلب له الحلوى والمرطبات.

وعندما ذهب إلى المدرسة في عامه الأول ابتاع له حقيبة دراسية كانت من ارقي الأنواع مما اضطره إلى الرد كثيرا على أسئلة زملاءه  مستفسرين عن الذي ابتاعها له فكان جوابه قاطعا : بابا …. بابا

وبعد استشهاد أبوه لاحظت أمه   تأثره البالغ من فراق أبيه . أصابه الهزال لقلة شهيته للطعام رغم محاولات أمه وإلحاحها اللامجدي   ، تدني درجاته الدراسية بسبب الإهمال لدروسه وقلة اهتمامه بواجباته البينية  ، انبعاث رائحة كريه من جسده بسبب عدم الاستحمام لفترة طويلة . مرات عديدة اشتكت الإدارة للمدرسة من عدم حضور احمد إلى المدرسة بشكل منتظم. وبات مهددا بعقوبة الفصل من المدرسة .

كان له عدد من الأصدقاء في المدرسة وكذلك المحلة ومن بين هؤلاء يعتبر صادق  صديقه الحميم  وكان يرافقه في كل الأوقات لكنه عجز عن إقناعه بوجوب الانتباه لنفسه وان انطواءه وعزلته لاتعيد أبيه إلى الحياة الدنيا . في صباح احد الأيام جاء صادق مسرعا إلى بيت احمد ينقل خبر سارا عن وقوع الاختيار  على احمد ليمثل المدرسة في التشكيلة الجديد لفرق الأشبال لكرة القدم لنادي الناصرية . كان ذلك من أحلام احمد التي يرددها دائما إمام صادق .

بالرغم من حال الإحباط التي يعيشها سره الخبر ولكن باستحياء وتردد . وألح صديقه عليه بعدم تفويت الفرصة التي طالما حلم بها قائلا بترجي: سيفرح بذلك أبوك احمد.

وبتوسل من أمه وصديقه انبعث من عينية بريقا جعل أم احمد تطلق الزغاريد بأعلى صوتها ابتهاجا وسرورا.

منذ تلك الزيارة التي قام بها صادق . أخذت حياة احمد تتبدل إلى الأحسن وبرز ذلك من خلال مواظبته على دوامه وأداء دروسه المدرسية وحصوله على درجات متميزة في الامتحانات الشهرية بالإضافة للاختبارات اليومية .

اما في فريق كرة القدم  لقد استطاع أن  يرتقي بمستوى الفريق من خلال تسجيل الأهداف على الفرق المنافسة من المحافظات الأخرى . واعتبر من الفتيان الذين ينتظرهم مستقبلا كبيرا في لعبة كرة القدم .

كان يردد بصوت عال كلما أودع الكرة في شباك الخصم قائلا: هذا الهدف لأبي.

كان والده يحب كرة القدم ويشجع احمد على ممارسة تلك الرياضة ويوفر له كل مايحتاجه من كرات وملابس وأحذية حتى عمل على تكليف احد أصدقاءه من ألاعبين في الفرق الشعبية على تدريب احمد وتشحيعه بالحضور مع باقي ألاعبين للتمرين وتلقي النصائح الفنية بكرة القدم ، كل أصدقاء احمد يعرفون جيدا بأنه موهوب وذكي في أشياء كثيرة وولعه منقطع النظير بكرة القدم ، أزد بعد وفاة أبوه واعتبره كل نجاح له في اللعبة التي أحبها يعود الفضل بذلك لوالده .

كان احمد محبوبا في محلته  رغم سنه الصغيرة التي لاتتجاوز الثانية عشرة .  يذهب كل يوم جمعة لأداء الصلاة ويصوم في رمضان ويزور جدته لامه باستمرار إكراما لأبيه الذي يواصل زيارة امة ويحرص على قضاء أي حاجة لها ويقدم المساعدة بامتنان .

في احد الأيام صحت المدينة فزعت على صوت انفجار سيارة مفخخة . وهرول احمد مع الناس لتقديم المساعدة للجرحى ونقلهم إلى المستشفيات . كان الحادث رهيبا ، لايوصف  تسلل احمد من بين الصفوف المحتشدة إلى مكان قريب من مكان الانفجار واخذ يساعد المتطوعين في حمل الجثث المحترقة . ولفت وجود احمد بين المتطوعين أنظار الناس وخاصة فرق الدفاع المدني التي هرعت إلى مكان الحادث . وبعد ساعات من العمل المضني سقط احمد مغشيا عليه من التعب والإرهاق وحمل من قبل أعضاء الدفاع المدني إلى المستشفى تغطيه الدماء من رأسه إلى أخمص قدميه ومد على احد الأسرة في مركز الطوارئ. حاول الطبيب المعالج إن يعثر على جرح في جسد احمد فلم يجد. وقال معتقدا إن هذا الفتى قد نجي من الحادث بأعجوبة . لكن احد أعضاء الدفاع المدني طمئن الآخرين وأوضح لهم إن هذا الشاب قد أنقذ معهم أرواح كثير من المصابين . وحلف بأنه رآه بأم عينة يفعل ذلك مع المتطوعين من الناس.

بعد فترة قليلة أفاق احمد من غيبوبته ونظر حوله ليجد طوق بشري ينظر له بإعجاب وابتسامة شفافات ترتسم على الوجوه. حرك احمد يديه ورجليه ولما تأكد انه سليم معافى. دلى ساقية من السرير ليطأ الأرض .

سال احمد احد إفراد الدفاع المدني عن اسمه الكامل.

أجاب بهدوء : احمد عبد الجبار الموسوي .

تهلل وجه السائل ثم اخذ احمد بين ذراعية وقبله

أنت ابن الشهيد عبد الجبار …

اوما احمد برأسه مطاطا .

بكى رجل الدفاع المدني وقاد احمد خارج الصالة وخلفهم عيون الناس تسجل مشهدا إنسانيا لشعب لايموت أبدا رغم مايتلقاه من ضربات قاتلة من أعداء العراق والإنسانية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق