ثقافة المقال

الرّبيع العربي… وفوضى مثقّف الصمت…؟؟

بقلم: مصطفى قطبي*

بين حقيقة تاريخية مضت وحقيقة شئنا أم أبينا تريد أن تنبثق من
رحم الواقع، متجسّداَ بمشهدية دراماتيكية تبلغ ذروتها، ليس فيما لوّنها من عنف، ودماء فحسب، ولا في القراءات المتعدّدة، والمختلفة، والتي تستدعي مواقف متعدّدة، ومختلفة على شاكلتها، بل في الاندفاع المستفحل للكلام في الجلسات الجانبية، والانتقال الملفت، والمتفلّت من أية ضوابط بين الأضداد، والانسحاب إلى الصمت، فتستفحل سلطة المسكوت عنه، ويحضر قول مأثور ”كلٌّ يحمل في الداخل ضدّه”! غير أنّ الملفت هو أنّ الذين تشدّقوا كثيراً، وعلى مدى سنوات من الاسترخاء على المنابر”باحترام الإختلاف، واعتباره طريقاً للاتفاق، وأنّ التباين دليل عافية، وأن المجتمعات البشرية لن تصل إلى سلام ما بقيت ثقافة واحدة تمارس القهر الفكري على غيرها ”…

هم ذاتهم نراهم الآن صامتين، كصمت قبورٍ مجرّدةً من جلال الموت، في مرحلة مفصلية تستوجب أقصى قدر من الإحساس بمسؤولية (الكلمة) وهي فاتحة التحوّل من الكائن البشري إلى الإنسان، إنها الكلمة التي يمكن أن تخرّب عالماً بأكمله، ويمكن أن تؤسّس لعالم بأكمله، وقد تكون الكلمة زيتاً يشعل السراج فيسطع الحق، أو قد تكون ماءً آسناً يطفيء كلّ ضوء… إن كان الصمت ملاذاً للتأمّل، والغوص في الأعماق في لحظة معيّنة، فهو تواطؤ مُدان عند المنعطفات التاريخية، ومزرعةً لأوبئة الظنون، وجريرة لن تغفرها الأيام. إنّ على المثقّف مهمّة لا قيمة له إن لم يؤدِّها بأمانة، ألا وهي فهم الحياة، ونقدها، وتسليط الضوء على ما يؤذي الإنسان، و يعيق تكامله الإنساني، والسعي إلى أن يسود الحق، والخير، والجمال. مهمته الدفاع عن الحياة، وصون الحرية والكرامة، وهي ليست بالمهمة السهلة، وبخاصة في لحظات الصراع على الوجود، فالثقافة الإنسانية هي سلاح الرفض، ومن هنا تقع على المثقف هذه المسؤولية الكبرى بما تتطلّبه روح المرحلة، ومحتوى الصراع، وبهذا فهو يتصدّر الطليعة لإيقاظ الوعي وإنارة الطريق، وهذا يتطلّب قوّة وشجاعة، وإرادة في قول الحقيقة، منبثقة من جدارة متأتية من وعي رفيع، ومقدرة على قراءة الواقع، والإجابة على أسئلته الصعبة.

لقد تفاجأ الكثير من أصحاب الرأي في الدول العربية بما يحدث، ولم يكن هؤلاء على حق في ذلك لأنهم تصرفوا وكأن ما قامت به الولايات المتحدة في العراق لم يحدث، و كأن الخطأ الأفدح هو فقدان بوصلة الرؤية والرأي والبصيرة عندما استساغ البعض لعبة خبيثة تقول: إن أعداء اليوم والأمس يمكن أن يكونوا حلفاء الغد وأنصاراً للشعوب التي قاموا بسحقها في ظل شعارات الحرية الفارغة نفسها من أي مضمون، وإذا بهم يتركون الضحايا في العراء، فلا حرية ولا ديمقراطية، ولا أوطان ولا دول، ولا الحد الأدنى من الاستقرار والأمل، هذا ناهيكم عن الكرامة والعزة. فأين المثقف العربي من كل ذلك؟ هناك البعض من هؤلاء لم يكلف نفسه عناء دراسة ما يحدث بعمق فانساق مع الموجات التي تبعثها رياح السموم، والقسم الآخر وقف عاجزاً عن فهم ما يحدث ويدور، وقبض البعض الآخر ثمن صمته، أو التأتأة التي يثرثر بها في وسائل الإعلام، وتصدى البعض بما يستطيع من معلومات وبإحساس فطري، وربما الخوف من المجهول، وقال كلمة صحيحة ومفيدة في دفاعه عن حماية الوجود ولكيان والوطن.

وإن كان دور المثقف هو مقاومة الشقاء والتخلّف، والعمل على تحقيق العدالة فهل يجوز له أن يجلس في برج عاجي، أو أن يتقوقع في أوكار مظلمة بعيداً عن مجريات الحياة وأحداثها وحقائقها؟! أليس من أبسط واجباته أن يحرّك الساكن والراكد والمتكلّس بقلمه، وبصوته، وبكل أشكال حضوره؟ وأن ينخرط في قضاياه في لحظة مصيرية؟ وأن تشغله هذه القضايا، ليجهر برأيه ويعلن رؤيته بنقاء وشفافية، غير عابيء بتبعات ما يجرّه عليه الجهر برأيه، أو الإنتقاد الذي قد يكون مرّاً؟ بخاصّة وأن الساحة مفتوحة على اتساعها للجميع والأيدي ممدودة… ولكن، ما أقصرها من فرحة!! كفرحة حقل متعطشٍ لموسم المطر، فإذ بالغيث المنتظر يتجمّد، ويحرن، ويتصلّب في غيمة لا تمضي ولا تنسكب، في لحظة، بل، وفرصة للحضور قد لا تتكرّر.

اِن الانحياز الأعمى لفئة مثقفي الربيع العربي إلى الديمقراطية الغربية سمح لهم بمواصلة حملاتهم الإعلامية الشرسة ضد ما يسمونه بالديكتاتوريات والأنظمة والأحزاب الشمولية، بما فيها حركات المقاومة في لبنان وفلسطين، وبالتغطية على التحاقهم بمعسكر الشر الأمريكي وامتداداته الإقليمية، إضافة إلى تأييدهم لاتفاقيات السلام، وبالتالي لفكرة شرق أوسط يعاد تركيبه بالشكل الأكثر تناسباً مع متطلبات الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية. وبالطبع فإن هؤلاء المثقفين مقتنعون تماماً بأن الديمقراطية الطبقية في الغرب هي في كامل صحتها وعافيتها، رغم الأزمة الاقتصادية والانتكاسات المتناقضة مع روح الديمقراطية، لكنهم يعربون عن مخاوفهم بخصوص واقع الديمقراطية ومستقبلها، لأنها تبدو مستبعدة ومغدور بها من قبل الثورات العربية. فالديمقراطية ليست بنظرهم مجرد نظام سياسي، حتى ولو كان هذا النظام يستجيب على أكمل وجه لاحتياجات وطموحات الإنسان في العصر ما بعد الحداثي. إنها عبارة عن حركة وعي، وعقيدة عالمية، ودين كوني، لذا، من الطبيعي أن ينتهي عندها التاريخ وأن تكون تتويجاً لمسيرة البشرية نحو الرفاه والحرية. ولكن العالم العربي، على ما يقوله هؤلاء، هو عالم تقاليد وعقد وذهنيات متخلفة وسائر ما هنالك من مصائب يمتلأ بها خطاب جَلد الذات العربية الأثير جداً لدى تلك الفئة من المثقفين. لذا، فإن الديمقراطية تتعرض فيه منذ زمن بعيد للنبذ والمطاردة من قبل الأنظمة الحاكمة، لكن المشكلة هي في كونها غائبة عن الثورات العربية. وقد كان هؤلاء المثقفون يرغبون برؤية الثورات العربية تفضي سريعاً إلى إقامة أنظمة ديمقراطية بكل معنى الكلمة. ولسوء حظهم، فإن الربيع العربي الذي كانوا يتمنون بأن يأتي مطابقاً للربيع الذي عرفته بلدان أوروبا الشرقية، تبخر قبل أن يولد وأفسح المجال لشتاء جاء خلافاً لما في الشتاء الطبيعي من جمال، ليشتمل على كل ما هو خبيث وخانق ورجعي.

لاشك أن هناك عدداً كبيراً من المثقفين ممن يتقنون فن التلوّن والهرولة، بما في ذلك سرقة القيمة الكفاحية وغيرها من القيم، وتراهم قادرين على الانتقال من موطن إلى آخر، يجربون هذا الحزب وذاك، ويغيرون أفكارهم مثلما يغيرون قمصانهم، ويجدون من الألفاظ والتبريرات ما يساعدهم على التحوّل من موقع إلى آخر، ومن قبيل مختلف. هؤلاء نجدهم في كل عصر، وفي كل المراحل التاريخية كلّما حوّلت البصر من حين إلى آخر، يطلعون عليك بسحنات وخطابات جديدة، ولأنهم مستعدون للقيام بالمهام المؤقتة الملتبسة أحياناً يقدمون خبراتهم سلعاً في سوق المهام الانتهازية لسد فراغ أو تفادي نزاع بين قوى متقاربة. ولأن المفكرين والمبدعين هم مهندسو الحركات الثورية والإصلاحية والتصحيحية مثل الأبطال الفاعلين في الميدان باندفاعهم الحيّ ومغامرتهم حدّ الاستشهاد، فقد جرت العادة أن المنتفعين بذهنية مغتنمي الثورات والانتفاضات هم أولئك الذين يمكثون في مخابئهم عند الأوقات الحرجة الخطرة ويتحيّنون الفرص للانقضاض على الغنائم غير عابئين بالضحايا والتضحيات، دستورهم الأول في ذلك المنفعة أولاً والمنفعة أخيراً، والذي يسمح لهؤلاء بأن يربحوا باستمرار بعض المناورات السياسية بالقصد البراغماتي أو الانتفاعي المباشر، كالتعلل بالاستفادة من الكفاءات واستثمار النسيان الشعبي بعد اللعب على تغير السحنات والأقوال وتلميع سلوكات الماضي والظهور بصفات ووظائف حادثة، فلا عجب في أن يفتك هؤلاء بفن السرقة الذي احترفوه ولعبة الأقنعة، البعض الكثير من المواقع التي أضاعوها لمدة قصيرة، كأن يتسللوا من مخابئهم الظليلة إلى دائرة الضوء بعد أن أدركوا مواطن الخلل وحالات الوهن والخلافات الحادة بين مختلف القوى لضمان توازن مؤقت في انتظار هيمنة قد تؤدي إلى استبداد جديد يُستعاد به المجد الشخصي الذي كان.

ولعل أفضل المَواطن الانتهازية التي تساعد البعض من هؤلاء على التقلب، استثمار خطاب الأصالة والمعاصرة أو التراث والحداثة، فهم حداثيون تنويريون عصريون في أوقات، وهم أصوليون تراثيون في أوقات أخرى، لأن جمعهم بين الحداثة والتراث ليس بدافع التوليد الفكري والمعرفي وضنك الاجتهاد الفاعل المؤسّس، بل التوليف الترقيعي (الإكليكتيكي) لا غير، للظهور في كل المحافل بوجوه متقلبة تحقق لهم مكاسب عاجلة قبل الآجلة، لذا نراهم يشرّقون حيناً ويغرّبون أحياناً، ولهم في الأثناء الخطاب ونقيضه إرضاءً لهذا أو لذاك.

مشكلة هؤلاء أنهم مفضوحون، وإن لاذوا بعتمة الوضعيات الاستثنائية في تاريخ القلاقل والأزمات، إلا أنهم يمثلون بمواقفهم البهلوانية الانتهازية سلعاً مطلوبة لمن يحترفون سياسة التعجيل أو التأجيل، الإضمار أكثر من الإظهار، تمرير الأفكار والبرامج في الأوقات الحرجة الاستثنائية بتعلة الاستفادة المؤقتة من كفاءات هؤلاء الذين عوّدونا في كل حين على ألاعيب القول ورقصات الفعل وغدر اللغة بالتحايل على بلاغتها عند تحويلها من شرف الكيان إلى أكاذيب البيان.

لذا فالأقلام، والأصوات الصادقة، والقامات الكبيرة التي انتظرناها طويلاً، لتقود المشهد الثقافي، وتعيد الوعي، والتي تعرّضت للتجفيف، وبعدها لمحاولة الاختطاف، والتي عليها نفخ الروح في فكر الأمّة، مدعوّة اليوم، وأكثر من أيّ يوم لتظهر، وتعبّر عن حضورها… في لحظة إنقاذٍ لكل ما هو جميل على أرض الوطن… فلماذا هذا الصمت عن قراءة ما يجري بموضوعية، ودون انحياز؟! صمتٌ، ما هو إلاّ انسحاب غير بريء، وتقوقع، وتكوّر، في زوايا الثرثرة المعتمة، في حالة انتظارٍ مُدانة، أم أنّ الصوت لا يجد له صدى إلاّ عبر المنابر المشبوهة؟! وكما كان للصوت على تلك المنابر ثمن في لحظة ما، فثمن الصمت قد يكون أعلى في لحظة مغايرة! ولكن… في معادلة الأوطان، حين تقدر الكلمة على تدمير مجتمع بكامله، أو تأسيس مداميك لصرحٍ شامخٍ فإنّ الكلمة لا تقدّر بثمن… النار تصهر، ويتألّق المعدن النفيس ويترمّد البخس، والعاصفة كاشفة، إذ تتعرّى الأشياء، وتسقط الأشجار ضعيفة الجذور، حتى لو استطالت، وما يحصل من حريق وعصف كشف الجواهر من المعادن البخسة، وأظهر بما لا يقبل الشك الأشجار الضاربة الجذور في عمق التراب، من تلك التي تقتات على جذور غيرها، فتسقط لدى أضعف هبّة ريح !

أسأل، وبكثير من الحزن والخيبة هؤلاء الذين انتظرناهم طويلاً، وأحببناهم كثيراً، ووثقنا بأقلامهم، وأفكارهم، ودافعنا عنها، هؤلاء الذين بُحّتْ حناجرهم من الصراخ في المكان الخطأ، ونراها الآن تصدأ من صمتٍ مُريب، أم أنّه صمت مدفوع الثمن؟ حاشاكم… واعذروني… ما وأدتُ الشك فيكم، إنّما قد أجبرتموني، فأيّ حريق بعدما حصل، ينتظر المثقّف ليُظهر نفاسة جوهره، وقوّة جذوره الممتدّة خضرتها نحو السماء أكثر مما حصل؟! إني ما زلت أنتظر، كما انتظرتكم طويلاً أيها الأخوة والأصدقاء والأحبّة الصامتون… تعرفونني، وتعرفون أنني أعرفكم أكثر مما تتصوّرون، وإن تنكّرتم فلن أُفاجأ، ولأنكم تعرفونني فلا يفكّر أحدكم أن يزاود عليّ، فلقد أشجاني ما أشجاكم يوماً، غير أني ما اقتنيت أقنعة لأبدّلها بحسب المقام والمقال، ولا عباءات تتناسب مع الفصل، وطقوس الحرارة، والبرودة، والاعتدال، يعني: (ما أحد يبيض) بالعامّية، باعتبار أن الساحة الآن متروكة ـ بإسم الحرية ـ  للعوام، والدهماء، الذين قد أبرّر لهم كل شيء، ما عدا أن يكونوا مرتزقة ومأجورين، يخلطون الحرية بالوحشية والفوضى، بعد أن انسحبتم أنتم إلى صمتكم، وأفسحتم الساحات لثقافة الموت. وإن أراد أحدكم أن يحضر، فليكنْ حضوره على الملأ، وليس في جلسات المقاهي (الثورية) المتشرذمة، المفروزة على خلفيات مختلفة، قد يكون أبعدها الوطن… فالصمت، إمّا لعجزٍ يتلطّى خلف ذرائع لم تعد مقنعة في معركة الصراع من أجل الوطن، أو أنه انسحاب غير بريء من ساحات الكلام، وتسليمها بتواطؤ جبان إلى هواة الكلام الذي يفوق بسمومه زيفانات الصمت، وهو في أنظف الحالات هزيمة، واستسلام، وإباحة جسد الكلمة لألسنة التقلّب، والخبيرة بتقليب الفتن على نار الطائفة والعشيرة والمذهب، والناطقة بلغة زمن السيف، والبتر، والجلد، والوأد، وبعر الجمال..‏

في هذه المرحلة القادمة من النقاش، لابد من إعادة توصيف المثقف العربي وتأطيره منهجياً في قائمة من الأولويات تمنع عليه السقوط الحر والمدوي في مهاوي الرذيلة غير الوطنية، وتمنع إليه دروب الأَسر والذاتية واللعب بتلك الأولويات. لابد من توصيف الثقافة العربية بالانتماء إلى الوطن العروبة، أياً كان حاله وأياً كان مآله، أولوية وحيدة يتيمة دون مراتب متدرجة بعدها.  فليس مثقفاً عربياً من يمنّي النفس بالعودة إلى زمن الاستعمار، وعودة المستعمر ”فاتحاً” الدول العربية على برج دبابة… أي دبابة، وهو الذي تشدق دهراً بأن للأوراق والقلم سحر المستحيل وقوة السماء، ثم ليقنعنا بأن الغايات تبرر الوسائل، وبأن الرذائل الصغرى يمكن أن تصنع فضائل كبرى على الطريقة القرضاوية!

ولكن يبدو الآن، وفي الظروف التي يحظى فيها الإسلاميون بامتداح الولايات المتحدة، قلعة الديمقراطية الكونية وامتداداتها الإقليمية التي تفيض عليهم سخاءها، أنّ ما بقي لهؤلاء المثقفين هو انتظار اللحظة التي سيجدون أنفسهم فيها مخذولين كسائر من سبقهم من ملوك ورؤساء وأفراد عاديين، بعد أن أفنوا أعمارهم في خدمة معسكر الشر الأمريكي الذي لا يتردد لحظة عن إهمالهم والتضحية بهم عندما تدعو الحاجة.

 

 


*كاتب وباحث أكاديمي من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق