ثقافة المقال

دور الحوار في الحراك الشعبي ونهضته

سمية غريب*

تعيش الجزائر في الفترة الأخيرة نهوضا شعبيا يدعو إلى التغيير والتجديد في مسارات الحياة من جميع جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، تمثل هذا الحراك الشعبي في مسيرات سلمية شهدتها الجزائر منذ 22 فيفري 2019 داعية إلى رؤية مستقبلية للجزائر تؤكد على ضرورة التجديد والنهوض بها إلى الأفضل، من خلال إصلاحات جديدة تحقق التطور للبلاد وتضع الجزائر على طريق مستقبل جديد.
وجاء التعبير عن هذه المطالب من خلال رفع شعارات تدعو للتغيير في هذه المسيرات الشعبية الواسعة التي سادها السلم والسلمية .
ولهذا يكون للحوار دور فعال في هذا الحراك الشعبي حتى يتسنى الاستماع للآراء والمطالب الشعبية . ونستحضر هنا ما قاله الكاتب والفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي حين تكلم عن الحوار ورأى ضرورته في جميع الأصعدة، وفي تحقيق المفاهمة حتى بين الحضارات ، فالحوار على المستوى الاقتصادي يدعو إلى التطور والنماء ، وأما من الناحية السياسية فإنه ينتقل من الديمقراطية التمثيلية إلى ديمقراطية المشاركة وبهذا يمنح للسياسة بعدا جديدا ، وأيضا يعمل الحوار على تعزيز العلاقة بالآخر والعلاقة بالكل ويبعد عزلة الأنا ….
فالحوار يسهم في التشاور والاستماع لمختلف الآراء والبعد عن الجدال والانفعال وجرح الآخرين ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ (46) ﴾. [ العنكبوت: 46].
و في هذا الشأن يرى الدكتور “عبد العزيز بن عثمان التويجري”في مقالة له بعنوان ( الحوار بين الحضارات ضرورة للعيش المشترك بين الشعوب ولدعم السلام العالمي) نشرت في (جريدة الجديد) ،أن الحوار هو من القيم الإنسانية العليا ، وهو اليوم ضرورة أكيدة يجب أن ينهض بها العقلاء من أجل مواجهة التحديات الكبرى التي تهدد أمن الدول واستقرار المجتمعات الإنسانية بصورة عامة .
كما أن للحوار أهداف إيجابية نافعة وهذا ما يؤكده الكاتب محمد السّمّاك في كتاب له بعنوان ( مقدمة إلى الحوار الإسلامي – المسيحي ) ، قائلا: للحوار أهداف مختلفة، فهو إما أن يكون وسيلة لتنفيس أزمة ومنع انفجارها، أو أن يكون سعيا لاستباق وقوع الأزمة ومنع تكوُّن أسبابها، وإما أن يكون محاولة لحلّ أزمة واحتواء مضاعفاتها. ويوضح لنا الكاتب أيضا أن القرآن الكريم أكّد على الحوار في عدة مواضع موضحة كما يلي :
1- حوار “الله” مع الشيطان:
في حوار “الله” مع الشيطان يمكن الإشارة إلى ماورد في سورة الأعراف :﴿ وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ (12) قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ (13) قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ (17) قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ (18) ﴾.[ الأعراف: 11 – 18].

2- حوار “الله” مع الأنبياء:
و في حوار “الله” مع الأنبياء أشار إلى الآية 260 من سورة البقرة : ﴿ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِ‍ۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَ لَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ (260) ﴾ . [ البقرة: 260].
3- حوار “الله” مع عباده:
و في حوار “الله” مع عباده ، أشار إلى الآيتين 125 و 126 من سورة طه ، حيث ورد في الآيتين الكريمتين :﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ (126) ﴾ . [ طه :125-126]
4- حوار الأنبياء مع الناس :
وفي حوار الأنبياء مع الناس، أشار إلى ما ورد في سورة المجادلة، الآية الأولى:
﴿ قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ (1) ﴾. [المجادلة: 1]
وكما أشار إلى الآية 258 من سورة البقرة : ﴿ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِ‍ۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِ‍ۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ (258) ﴾.[ البقرة :258 ].
وأما المفكر زكي الميلاد في كتابه (نحن والعالم من أجل تجديد رؤيتنا إلى العالم) فيرى أن فلسفة الحوار تهدف إلى التعرف على الرؤية الكونية للوجود الإنساني، وعن مستقبلنا المشترك في هذا العالم .
ويفترض في نظر”الميلاد” أن يكون للتصور الإسلامي رؤية أو مفهوم يُحدّدُ شكل العلاقات مع الأمم والمجتمعات والحضارات الأخرى ،والمفهوم الذي يتوصل إليه في هذا المجال ، ونزداد ثقة به وبقيمته المعرفية والأخلاقية والإنسانية هو مفهوم ( التعارف ) ،ويستند هذا المفهوم إلى أصل في القرآن الكريم ، الكتاب الذي خاطب الناس كافة ، وجاء رحمة للعالمين ، ويتحدد هذا الأصل في آية التعارف في قوله تعالى :﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ (13) ﴾ . (الحجرات: 13) .
وفي الاخير يمكن القول أن للحوار أهمية بالغة في نبذ التشنج والتسلط والغاء الآخر ويبعث على تحقيق التشاور والتفاهم والاستماع لجميع الآراء وتقبلها باختلافها مما يساعد على النهوض بالبلاد نحو رؤية مستقبلية واعدة .

*الأغواط – الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق