ثقافة المقال

انسانية القرود ووحشية الجنود!

حرب لأجل كوكب القردة(2017): تحفة سينمائية جامعة: لأجل "الحرية والعائلة والكوكب":

مهند النابلسي*

*فيلم أكشن ودراما ومغامرات يستند للخيال العلمي الجامح، يجمع ما بين المؤثرات المشهدية والسرد القصصي المشوق، وهو بمثابة الجزء الثالث من السلسلة الشهيرة، ومن اخراج “مات ريفيس” وكتابته بالتعاون مع “مارك بومباك”، ومن تمثيل كل من “آندي سركيس، وودي هاريلسون وستيف زان”، أثنى معظم النقاد على عناصر التمثيل المذهل والسرد القصصي، كما على التصوير المدهش وبراعة مشاهد الأكشن، وكذلك على الموسيقى التصويرية المعبرة، ونجح المخرج “مات ريفيس” بتقديم أقوى فيلم في المجموعة الثلاثية (نهوض وفجر كوكب القردة في العامين 2011 و 2014).
*يعود قيصر ورفاقه من القرود الأذكياء لمواجهة حاسمة ومميتة مع جيش من البشر يقودهم كولونيل قاس ومتحكم، فبعد خسارة القردة الفادحة، ينجر قيصر مع حدسه التشاؤمي، ويبدا رحلة من المعاناة والعذاب للانتقام…حيث تقوده خطاه لمواجهة الكولونيل “الطاغية-الحاقد” في معركة فاصلة، ستقرر بدورها مصير الكائنين المتبقيين المهيمنين على الكوكب ومستقبل كوكب الأرض.
شريط شيق حافل بالاقتباسات والاستعارات “الروائية” والتماثل الدرامي المصيري مع أفلام الحروب الشهيرة:

*هذا الشريط الشيق حافل بالاستعارات والاقتباسات المجازية الشكسبيرية و”الكونرادية” (من رواية جوزيف كونراد الشهيرة: قلب الظلام)، وكذلك قصص “العبودية الأمريكية” والحقوق المدنية، نرى ذلك ماثلا بتسخير القردة المعتقلين للأعمال الشاقة المتمثلة بنقل الحجارة والصخور الكبيرة لمرتفع بغرض بناء سور صخري طويل، وبطريقة حرمانهم من الطعام والشراب(التي لم تكن مقنعة تماما من حيث تأثرهم بمنع الطعام والشراب واستمرارهم بالعمل الشاق المضني!) ، ومعاقبة المتخاذلين والمتمردين بضربهم بالسياط اللاذعة على ظهورهم بقسوة وبلا رحمة، حيث يتعرض “قيصر” لهذه العقوبة لتحريضه لهم، ناهيك عن التماثل الواضح مع قصص حرب فيتنام، حيث يتجه الفيلم لمسار “درامي-تصعيدي” لا يمكن تخيله، وهو منجز بذكاء سردي فريد وبروح انسانية عميقة وبعد أخلاقي لافت، كل ذلك ضمن جمالية سينمائية-مشهدية رفيعة وآخاذة، ويترافق عرضه مع الجزء الأخير مع فيلم “الرجل العنكبوت” المتماثل معه نسبيا بالطرح الذكي الجديد لمفهوم الرجل الخارق (الذي تحول هنا لمراهق خارق طيب) وبراعة المؤثرات المدهشة، وفي ذلك دلالة على كيفية انطلاق السلسلتين الشهيرتين ابداعيا والولوج لآفاق جديدة خلاقة…وهو كذلك مثال كلاسيكي لكيفية تحول الخيال العلمي الجامح مع المؤثرات البارعة والمدمجة لعمل كلاسيكي خالد ومؤثر ومزمن، والشريط يحفل بالديناميكية والتنوع البصري الآخاذ “الترفيهي والجمالي”، حيث ينطلق في تسلسل تصاعدي مشوق وتركيز درامي هائل، مع مقارنات اقتباسية ذكية من “الكتاب المقدس” وقصص العبودية الأمريكية، ولا يمكن تجاهل الأداء الاستحواذي الفريد للممثل “آندي سركيس” بدوره كزعيم “كاريزمي” للقردة الأذكياء، ربما سيقوده آجلا او عاجلا لمجد سينمائي جديد.

*يفتتح الفيلم مع مشهد جنود في غابة خضراء مورقة ، يسيرون بحماس لمواجهة العدو بنفس اسلوبية فيلم “بلاتون” (الفصيلة)، هكذا وعلى مدى اكثر من ساعتين، سنتذكر ونستدعي بعض مشاهد أفلام الحرب الكلاسيكية الشهيرة، وتحديدا فالمشاهد الأخيرة لهذا الفيلم الملحمي، تذكرنا تحديدا بتحفة كوبولا “آبو كاليبس ناو” (نهاية العالم الآن)، حيث تتطابق بعض المشاهد والايماءآت لحد بعيد، كما باسلوبية “وودي هاريلسون” البارع في اداء الدور، والمتمثلة باطلالته الشريرة الباردة ولامبالاته الفلسفية ورأسه الحليق مذكرنا بالعقيد “كورتز” في قلب الظلام، وتحديدا بالاسطورة “مارلون براندو” بدوره الخارق في الفيلم المذكور (القيامة الآن من اخراج كوبولا) ذي البعد التشاؤمي المعبر عن مآساة حرب فيتنام (آبو كاليبس ناو)، كما لا يمكن نسيان مشاهد الانصياع العسكري المنضبط في لقطات تذكرنا “بالنازية والفاشية”، حركاتا وانضباطا وصوتا صاغرا مزلزلا ومدويا (نحن البداية والنهاية…)!

*فبعد اقتتال ضاري في فيلم “كوكب القردة”، تحول قيصر (آندي سيركيس) وزملائه القرود الى ما يشبه الاسطورة، ويبقى محافظا على صمته وغموضه، فلا احد قادر على توقع خططه وافكاره، ولكن تركيزه الأساسي يبقى منصبا على الحفاظ على جماعته ودرء المخاطر الظاهرة والكامنة، فهو يرفض فكرة الاستكانة والسلام لأن البشر الاخرين يرفضونها باصرار، ويرفضون فكرة التعايش مع القرود كمخلوقات جديدة ذكية ندا لهم…وهذا ما يحدث تماما عندما يهاجم العقيد “وودي هارلسون” مخيم القرود، ويقتل بعضا من افراد عائلة قيصر تحديدا (زوجته وابنه)، وهذا ما يولد في داخله مشاعر الحزن الشديد وكذلك الحقد والرغبة بالانتقام، حيث يسعى جاهدا للانتقال لقاعدة الجنود الغامضة، ويجدون خلال رحلتهم فتاة صغيرة بكماء جميلة أسموها نوفا (أميا ميلر)، تبدو معظم مشاهد الفيلم كخليط جديد من نمط سينما الويسترن والحرب وافلام الطريق بالاضافة لابداع “الخيال العلمي والفنتازيا”، ويتحدث عن مجموعة مقدامة (من القرود الشجعان) تصر على اكتشاف الحقائق وكشف المجهول، هنا يتم اكتشاف حقائق مروعة حول التغييرات والطفرات الجينية التي عبثت بالقرود في مختبرات البحث العلمي وحولتها لمخلوقات ذكية (باحداث طفرة جينية)، كذلك العرق والعنصرية والعواطف الانسانية والشراسة والتطهير العرقي، وقد نجح “ريفيز” بطرح هذه الثيمات متداخلة وبشكل انسيابي بلا خطابة وتنظير وملل وتطويل وانجراف للثيمات الجانبية…
*سيطر المخرج “ريفيز” ببراعة على كافة عناصر الانتاج السينمائي، وركز على عنصرين لافتين، أولهما التصوير السينمائي الآخاذ بادارة “مايكل سيرسين”، الذي حول الشريط لمشاهد ديناميكية غنية وممتعة وأحيانا خلابة، وأدخل ببراعة عناصر التضاريس”مثل الثلوج ومساقط المياه والأشجار”، كما لجأ للملحن العبقري “مايكل جباتشيلو” الذي قدم ربما هنا احسن أعماله الموسيقية، وأوصل للمشاهدين المشاعر الدرامية والصراع الداخلي والعواطف الكامنة والظاهرة، وباسلوب فريد مؤثر وتعبيري.

*تدور في نهاية الشريط معركة حاسمة نارية ضارية ما بين منظمة “الفا- اوميغا” والعسكر المتمردين، فيما يهرب القرود من المعسكر، حيث يتعرضون للقتل والقنص من جنود “الفا- اوميغا”، ويحاول “قيصر” مهاجمة المنظمة من الخلف، ويتعرض لجروح قاتلة في خصره من قبل القرد “الداعية” المتعاون اللئيم (والذي كان قد اطلق “قيصر” سراحه وعفا عنه سابقا)، ثم يسعى صديقه الحميم القرد “الأحمر” لانقاذ قيصر وجره لبر الآمان، وقبل ذلك ينجح قيصر بتفجير المعسكر بحرقه لخزانات الوقود المجاورة، حيث يتعرض المعسكر الكبير لمجموعة متسلسلة من الانفجارات تدمره بالكامل، وينتج عن ذلك تباعا زلازل مدمرة ساحقة من الانهيارات الأرضية التي تدفن معظم الجنود من الطرفين المتقاتلين، فيما تنجح باقي القرود بالهرب وتسلق أعالي الأشجار، ويتمكن جزء آخر من القرود من الهرب باتجاه الصحراء، باحثين عن واحة أمنة مزروعة، للبدء بالاحتفال بايجاد “وطن جديد” وفجر حياة “جديدة”، ثم يكتشف “موريس” في المشاهد الأخيرة فجأة جروح قيصر الغائرة والدماء تسيل منها، مذكرا اياه بتضحياته الجمة وبطولته القيادية لانقاذ شعبه، قبل أن يسقط هذا الأخير ميتا ببطء وهدؤ في مشهد حزين وبالغ الدلالة ومؤثر.
*انه فيلم حول الاقتتال الداخلي والحروب والانتقام، كما يتطرق بعمق للفقد والخسارة والحسرة والحزن والمحبة، خالطا كل هذه العناصر بالغضب والحقد والعنف، فالغموض وسؤ النوايا قد يولدان القلق والكراهية والحروب، كل هذه الثيمات والعناصر نسجها المخرج باحكام في هذا الشريط، وخلق لدى المشاهد صدمة لتبقى في الذاكرة حتى بعد ان تطفأ الأضواء، كما انه لم ينسى الشخصيات الكوميدية المرحة، مثل “القرد السيء “الصغير” الجبان، المتمثل بشخصية وصوت “ستيف زان”، ليتوازن مع الشخصيات المختلفة الاخرى، ولا البراءة المتمثلة بالطفلة الصغيرة الجميلة البكماء ودميتها الطريفة…وبهذا ربما تنتهي هذه السلسلة الشيقة مع مقتل القرد الذكي القائد “قيصر” متأثرا بجروحه ونجاة شعبه بايجاد حياة جديدة آمنة، وربما أصبحت شخصيته المؤثرة ووجهه الحزين المعبر هنا “أيقونة” جديدة خالدة للبطولة والقيادة والعاطفة الانسانية “القردية”، جاذبة مشاهدي السينما المهتمين لتقدير “العظمة السينمائية الخالدة”.

*ناقد سينمائي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق