ثقافة السرد

سيمفونية صمت

محمد علام*

خروجك من بينهم بنفس الصلابة والقوة التي ظهرت بها منذ سنوات .. وحيرتك الشديدة في تفهم أسباب دفعتك لرحلتك الطويلة .. إنها تشبه السحر في عوالم ( Harry Potter ) أو حتمية القدر في ( Knowing ) ، الصدمة الأليمة عند إكتشاف أن حياتنا ما هي إلا ( Matrix ) هو ما يشعرك بالعجز أمام الشاشة الكبيرة .. برغم أكياس الفشار واللب والسوداني .. لايمكنك أن تمنع إحساسك المتأرجح بأنك ( الجوكر ) مرة  و ( دراكيولا ) في مرات أخرى . لنرتب المقطوعات وليبدأ العازفون في إنتظام :

سي لا صول فا مي فا فا دو فا فا دو ..

آيات الكرسي تتردد على شفتيه وهو يمر بين زجاجات البيرا والوسكي .. وركونه إلى الطاولة بإنتظام نظره على أفخاذها التي تتراقص بين الرجال .. يقف أمامه النادل .. يفهم من حركة شفتيه أنه يخاطبه فيمط شفتيه ويتحدث دون أن يسمع شيئاً .. لا شيء في أذنه سوى طرقعة جلدها وآهاتها الناعمة و .. صرير الريح .

عندما عاد إليه النادل ليضع أمامه زجاجة من البيرا بابتسامة تطفو على شفتيه لم يسمع ما رتله من ترنيمات الموت .. ظن أنه يحييه فبادله التحية . عندما نظرت إليه إضطرب إهتزازها واغرورقت عيناها .. مع تدفق البيرا إلى كأسه توقفت تماماً وبدأت تنسل خيوطها وتتفكك وتترهل حتى تبعثرت تماماً خليطاً من خيوط حمراء وبيضاء وسوداء .

ما أضحكك .. مصطفى كامل الذي يرقد على السرير ليمارس مصارعة السيقان الملكية ثم إنسحابه بنفس الطريقة المضحكة ليتهاوى مشدوهاً إلى مقعده في آخر الغرفة .. يتأمل أصابعه التي حافظت على عذريتها حتى دقائق .. مرت السنوات ، إبيض الشعر ، ترهلت الملاح ، تقوس الظهر و  .. الإنتظار هنا ممنوع !

تلتف أصابعك حول مقود البنزين عازماً على الرحيل .. مع تطاير خصلات الشعر و زخات المطر ، طار الموتوسيكل ..

أصابعها بين ثدييها تشق قميصها عن الجسد المرمري .. وتسلمه إلى الأيدي الخشنة بعد إعطاء السماح بالمرور داخله بكل حرية .. أمام عينيه الملتصقتين بالنافذة تتلألئان بأثار طردتها .. وإنكماشه بنفس الجزع إلى شجرة البرتقال .. بقرار منهم إنتهى العمر الإفتراضي للشجرة فشرعوا في إستئصالها اليوم .. وهي لا تزال على السرير ملكية شرعية لكل الأيدي النابضة .. إبيض شعرها ، تساقطت أسنانها وغاص عظمها في لحمها وهي لا تزال تتضاحك مع إفراغ شحنات السعادة في جسدها .

هدىء من سرعتك قليلاً لقد قاربت الثمانين ..

الفتاة البريئة التي جعلتك تقبلها إشفاقاً على حالتك ، إلتفاف ذراعيها حول خصرك كي تساعدك على الإقتراب من الصنبور ودعواتها المتكررة لتجلسا بجوار شجرة البرتقال وتشاركها سندويتشات المربى .. الفتاة التي ختمت بشفتيها النبقتين على شفتيك ، قد نضجت ثمارها وقررت أن لا تقطفها أنت بالذات .. طرحت كل الحب تحت قدميك ورحلت .. سرت في عكس إتجاهها وعزمت لأن تصل لها .. ذات مرة قال لك المدرس أن الأرض دائرية .. مرت السنوات .. كذب المدرس .. وخسرت التحدي .

120كم / ساعة

وقوفهم في زيهم العسكري وسط نجومهم الذهبية – لم يشفع لهم – عندما طرت ورائهم ففروا كالجرذان من أمامك .. يذكرك بمعركتك المريرة عند تناول الدجاج المشوي بالشوكة والسكين .. ورغبتك الملحة في فتح الباب الذي أغلقوه عليك منذ زمن وتشغيل السماعات الجديدة .

أيها المجنون عد لصوابك ..

150كم / ساعة

الطفلة التي تهتز في سرور وهي تطبع قبلة على خد أباها وركضها بكل الفرحة في الدنيا للحصول على الشيكولاته والإختباء داخل أحضان الأم المبسوطة .. لا مجال للتردد .. توقفت الطفلة في منتصف الطريق بشعرها الذهبي و عينيها الزرقاوتين تنتظر مصيرها ، قلب الأم زادت نبضاته سبعة أو ثمانية أضعاف والأب في ذهول من هيجان التراب وصرير الريح الذي يحمل لك ذكريات السجن والجلد كل صباح وجراح كلماتها عندما إرتميت في حضنها باكياً وإصرارك على بناء القصر بطريقة شرعية أو غير .. لم تفكر ، لم تحسبها جيداً ، كدت تصيب ولكن أخطأت .. كلنا نخطىء وقد حان وقت الإختيار ، تسقط دمعة صامتة من عيني الطفلة وأصابعها تفلت فرحتها وأمالها .. في قلبه كان قرار واحد : لاذنب لها .. على بعد سنتيميترات منها .. قبضت يداه على الفرامل بكل قوة لتطير الدراجة النارية تؤدي عرض الشقلبة الهوائية ليسقط هو على رأسه  و .. صرخة ملتاعة من الأم وهي تلقي حقيبتها والشيكولاته تحت قدميها مع إنهيار دموعها .. والأب الذي  لا يزال في صدمته يراجع ضباب الصورة وتلاشي الموتوسيكل بين طيات السراب و الطفلة التي صارت عجيناً بشرياً !

*كاتب من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق