الموقع

أرجوكم .. دعوا الكرسي البابوي للمسيحيين

فؤاد قنديل*

مع أول عبارة لخطيب المسجد يوم الجمعة الماضي أدركت إنه سوف يتناول في خطبته قيام مجلس الشعب والشورى بتشكيل الجمعية التأسيسية ، فقد ظل يتحدث في المطلق دون تحديد ثم اقتحم الموقف بشكل مباشر قائلا : المرء يدهش من بعض الفصائل التي تعارض قيام البرلمان بغرفتيه بتشكيل لجنة وضع الدستور ، وهو البرلمان الذي اختار الشعب أعضاءه في انتخابات حرة ونزيهة لم يسبق لمصر أن عاشتها أو شهدتها. ولك أن تعجب أخي المسلم من أن من يسمون أنفسهم الليبراليين واليساريين وهم في الحقيقة ملحدون وعلمانيون ومن مقلدي الغرب ، قد ساءهم أن يطبق شرع الله بأيدي أنصار الله ، وأثار استياءهم أن تنهض الأغلبية بعبء تشكيل الدستور بما يرضي الله ورسوله .. لقد مرت عقود وعقود وحكامنا بعيدون عن طريق الله القويم ، ولما أنعم الله علينا بهذه الفئة الصالحة كي تقود الأمة هب نفر من المارقين ليقاوموا ما تعتزم القيام به لصالح الأمة ، وشرعت الفئة الضالة المضلة في استنفار وسائل الإعلام لهدم البنيان الذي يرعاه رب السماوات والأرض .

مضي الشيخ يعزف على هذه النغمات السقيمة وأنا أعاني الكثير من العنت من قمع نفسي عن مقاطعته ، ولم يكن بإمكاني إلا الصبر حتى تنتهي الخطبة وتقام الصلاة ، وما أن سَلم حتى استأذنته في تعليق ، فتغير لون وجهه إذ أدرك أن أحد المارقين في المسجد يرغب في التحدث إلى الناس ، وقد اعتاد هو وكثيرون من أمثاله أن يقولوا ما يشاءون دون رد أو تعليق أو مناقشة .. انتظر لحظات قليلات وقد لفت نظره أن الذين تأهبوا للخروج عادوا ليشهدوا ما قد يستحق المشاهدة فقال : تفضل لكن بإيجاز حتى نلقي حديث الجمعة ، قلت بعد أن تحولت بوجهي للناس :

–         تعطل المايك قبل خطبتك فمن الذي أصلحه ؟ .. هل أنت الذي أصلحته لأنك حامل لكتاب الله ؟ لا . بل طلبت فني الأجهزة الصوتية ،ومثل ذلك يحدث إذا خرب في بيتك صنبور الماء ، فإذا اعتل مريضنا فهل نرسل به إلى مجمع البحوث الإسلامية أم إلى شيخ كبير مثلك ليكشف عليه ويشخص المرض ؟ . بالطبع لا . بل من الطبيعي أن نحمله إلى الطبيب  .. ولابد أنك أعلم منى بأن الرسول الكريم لجأ إلى اليهودي أوالمجوسي أو من يشتهر بالطب ليعالجه وأوصي بذلك .. وفي غزوة بدر أوصي الرسول الجيش بأن يعسكر خلف بئر الماء فسأله أحد القادة : لماذا أمرت يا رسول الله بأن نعسكر هنا ؟ ..  أهو الوحي أم الحرب والمكيدة ؟، قال الرسول صلي الله عليه وسلم : بل هي الحرب والمكيدة ، قال القائد : إذن فالصواب أن نعسكر أمام البئر ونجعله خلفنا حتى نحرم منه أعداءنا ، حضرتك يا سيدنا عرفت بنبأ إقدام البرلمان على تشكيل اللجنة المنوط بها وضع الدستور من جماعة الإخوان وحزب النور السلفي وعدد محدود ذرا للرماد في العيون من فصائل أخري ، فهل الكيميائي هو الذي يعد الدستور أو تراه الصيدلي أو الطبيب أو المحاسب أو عامل المنجم لمجرد أنهم حافظون للقرآن أو لأن هذا  باحث ممتاز في جمع أحاديث الرسول أو متخصص في التاريخ الإسلامي ؟. الدستور له رجاله المتخصصون ويشاركهم ممثلون عن التخصصات الأخرى وممثلون عن المؤسسات الشعبية والعلمية والمهنية والثقافية . الدستور هو الكتالوج الذي ستعمل طبقا له كل السلطات لمئات السنين . الدستور ليس قانونا ولكنه يشمل كل القوانين . هو عقل الأمة ومصدر كل سلطة وصاحب الفصل بين كل سلطة وهو الذي يحدد كافة العلاقات بحيث لا يجور أحد على أحد .وأنت تعلم أن هناك سلطات ثلاث فلماذا ينفرد البرلمان وحده بوضع دستور يحدد مهام السلطات الأخرى ؟

كنت ألمحه وهو يتقلب على جمر غضبه وما يعصف به كأني قصدت أن أزدريه أمام الحضور ، وأسرع بمقاطعتي قائلا : أليس ما في الدستور نابع من الدين ؟ . أليس كل ما في الحياة من عمل ونشاط وعلاقات وسلطات تنبع من شرع الله؟ أليست موارد الدولة وخيراتها من عند الله ؟ . أليست ال

قاطعت الرجل صاحب المنطق الأعرج : يا شيخنا الجليل .. لكل داء دواء . ولكل أمر خبراؤه . ولكل مهنة قوانينها ،والدستور ليس كتاب دين ، إنه كتاب حياة . كتاب حركة ومعايش وتنظيم علاقات بين القوى ، ودور الدين قائم بل ومتغلغل لكن بعد وضع الدستور ويتفرع عن الدستور أمور تحتاج إلى تنظيم ربما يدخل الدين في ضبط النسق الملائم لها ولكن عبر القوانين وليس عبر النصوص الدينية، أي تتحول النصوص المتفق عليها للإصلاح إلى مواد قانونية ، والدين بنصوصه بعد ذلك موضعه هنا في المساجد وفي البيوت ، وبعضه في المدارس وبعضه في وسائل الإعلام إلى غير ذلك من المنابر.

أسرع الشيخ المحموم يقول :لكن الأغلبية من حقها أن تضع الدستور أليسوا هم ممثلي الشعب ؟  قلت : يا جماعة الخير المسألة ليست وليمة ننقض عليها لنستأثر بها ما دمنا الأغلبية كالأب القديم الذي كان يأكل كل الطعام وباقي أفراد الأسرة واقفون  تمتد أعينهم ولا تمتد أيديهم .. هذا زمن مضى فيما أظن . نخن الآن في زمن الديمقراطية والعدالة والحرية وتوزيع السلطات وتداولها . حكم الفرد على كل المستويات انتهى .

حاول أن ينقل الموضوع فقال : وما رأيك في أن المجلس العسكري لا يوافق على إقالة حكومة الجنزوري وتشكيل حكومة من الأغلبية التي اختارها الشعب ؟

اضطررت لضرب كف على كف .. ما حكاية الأغلبية ؟ .. أنا أظن أن الأغلبية إذن ستدخل الجنة وباقي الشعب مصيره النار، لا أريد أن أصدمك وأقول لك إن البرلمان لا يستطيع من حيث الخبرة والحنكة السياسية أن يفعل أي شيء ، وأن المئات التي ترفع أصواتها وتعترض لا تقدر على اقتراح لأي حل لأبسط المشاكل .. الشعب وأغلبه من البسطاء بعد أن عاني كثيرا من اللصوص  والفاسدين والمستبدين قرر ودون تفكير بل وهو مغمض العينين أن يختار رجال التيار الإسلامي اعتمادا على أنهم رجال الله وأن الخير كل الخير على أيديهم .. الحياة الآن ليست في خيام والناس لا تشرب لبن الماعز وتمر النخيل . الحياة معقدة جدا وتحتاج إلى علماء وصناع ومبرمجي كومبيوتر ومخترعين ومفكرين . وإذا قام رجال الدين بمهمتهم في حماية الأخلاق فهذا نصر كبير وعمل عظيم يجزون عليه في الدنيا والآخرة .

قال الشيخ : أنت لابد من اليساريين أو اللبراليين .. هؤلاء الذين لا يرون للدين جدوى ولا في الشرق خير والتقدم الحقيقي لا يأتي إلا من الغرب

قلت بهدوء شديد وأنا أتأمل المصلين الذين أنصتوا تماما وفتحوا عيونهم : ثورة الشعب التي قادها الشباب في يناير أتاحت الحرية للجميع ومنهم الجماعة التي كانت محظورة ، ورحب الشعب بخروجها إلى النور فهذا حقهم كما هو حق لكل المصريين ، وتحمس الكثيرون لهم فربما يكونوا إضافة مهمة لمسيرة الديمقراطية والعدالة والتنمية ، لكنهم بعد أن استولوا على البرلمان تولاهم هوس السلطة وتضخموا وبسرعة غريبة تصوروا أن الساحة خلت تماما لهم فانطلقوا يطمعون في لجنة وضع الدستور وتشكيل الحكومة والسعي للاستيلاء على كرسي الرئاسة ، بالإضافة إلى الانقضاض على الاتحادات والنقابات وسوف يلتهمون المجالس المحلية .ولست أدري ما الذي يمنعهم من تولي الجيش أيضا؟!!

أسرع الشيخ يقول : وماذا يغضبكم في هذا ؟

قال أحد الحاضرين : إن كان حبيبك عسل ما تلحسوش كله

وقال ثان : كانوا في جرة وخرجوا لبرة

قلت : مصر يا سيدي تمتلئ بالخبرات والعلماء والفقهاء والعباقرة ولا تشكوا إلا من سوء الإدارة وغياب الضمير ، والإخوان عليهم أن يهدءوا ويتواضعوا وليس عليهم أن يلتهموا كل شيء لأنهم سيتفوقون على الحزب الوطني سيء السلوك والسمعة ، وقد دقوا مبكرا أول مسمار في صندوق نهايتهم،  وتبقى كلمة واحدة ليتك تبلغها لجماعتك التي تنتشر في الأرض كالجراد .. أرجوكم دعوا الكرسي البابوي للمسيحيين .. عندئذ ضج الحضور بالضحك والتصفيق وبدا الشيخ أقل حجما.

*كاتب من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق