ثقافة السرد

سرقات.. وقصاص واحد

بسمة الشوالي*

” أيّ سلاح ينتصر على الحبّ

إذا كانت المعركة قائمة داخل نفسك”
أناكريون

شهق النّور بطيفها وسعل حرقة من بخور زجّت به النّار عنوة في مناخر المكان. كانت عروساً ترفل في بياض مطرّز بشعور الشّمس، وتلوّح بحنّائها عَلَما لكلّ شوق شارد. فاضت الظّلمة دهشة وتراخت قوائمها، سكنت قليلاً ثمّ تفرّقت حسداً في زوايا الوشاية توسوس للغافلين. تنادت العيون مجتمعة حولها وتساقطت عليها تساقط الضّوء عند فتوحات خطوها أشعّة ملوّنة متراقصة. مشى الهوينى نفَسُ علياء الوَلِهُ، فتفتّق ستر السّكون الوِقْرِ وجرى نهر من الابتسام في يُبْس الشّفاه. كانت تتهادى في خيلاء الشّوق نحوه، يزفّ موكبَها المخضّب نايٌ تتأوّد نغماته ما بين الخفوت المخدِّر والصّراخ الموجوع. تلعثم سهوه وارتبك الكلام . خرج ذراعاه خشوعاً نحوها فلم يبلغا منها عناقاً. تراخيا وَهَناً وأرسلا بِشْرا جميلاً . وقف لها بالأطراف مستقبلاً.. برقت ومضة استفاقة مخلخلة الوعي انتبه خلالها قليلا لضجّة تعْرَمُ تحت مرقده . أقدام تحشرج . خشخشة كالقرض أو النّخ . حفيف ودبيب وخفق طيران وئيد. نُقط ضوء تبرق بين الصّحوة والغفوة وتنغرز فيه بعيون مخفيّة .

اِنطفأت ومضة الاستفاقة . تمطّت مسافتها إليه. بعد لأْيٍ عسير من اللّهفة وَلَجَت فضاء ذراعين يضمّانها وهْمًا، وجلست على حاشية الوجع تمرّر كفّ الرّفق على رميم الملح المترسّب حول جراحه زمنا لا يقدّر من اللّهاث .

أناب صمتاً لعينيها تسردان عليه فصولاً من ألف ذاكرة وفرح.

كان يفكّر فقط في مجيئها إليه. لقد مزّقت كلّ العقود لتوافيه. أخَرجتْ إليه بيضاء من غير حبر؟ وبصْمَتُها الشّاهدة على الخيانة أسفل عقد الزّواج ..؟ كيف اغتسلت منها ؟.

اِمتلأ نظره الكليل عافية وأُشْربت صفرة وجهه حمرة باهتة . فغر فيها حواسّه وعلّق بها النّظر يجزي بقيّة الجسم حاجاته .

كانت فاحشة الحسن.

لو كان بوسع الجهد أكثر من الابتسام لشرق نشوة أوعَلّق نفَسَه بين شَهيقيْن حتى تذوي من خشية عليه فتطيع شوقه، به اللّحظةَ وَجْدٌ عدائيّ يكفيه لاقتحامها في عقر تعاليها، يختطفها حيناً من الشّوق ثمّ يُسْلم لقصاصها رقبة الفرح المستطير.

جاهد عسيرا ليتّكئ على جلوسه الواهن،وسحبها نحو منعطف كَدَمات مزرقّة تتناثر على جسمه. تدانت إليه في الحُلم فارتبك نومه العليل وهضَل جسمه حمىّ وعرقا وأوجاعا. تشوّشت الصّور وتقيّحت ضجّة مبحوحة. غرغرت أصوات . أزّت مقاعد. حشرجت أقدام تسحق الأرض وتبعثرت الظّلمة الآخذة في التّلاشي جمهورا غفيرا من المتفرّجين يذهلهم المشهد فيخمدون ولا يصفّقون.

شكا وجعه :

– اِقتربي منّي حبيبتي. تساقطي عليّ عافية وارفعي خَطْوي عن زلاّته .. اُدْني فتُضْرَم هذه العظام الذّاوية .. لا تدعي الغُبْن يستفحل فيّ .. لا تُمْعِني في التّعالي فتثيرين حفيظة البرود .. تعالي قليلا فقط، مقدار سَهْو جميل يصْرَعني شهيد الذّنوب.

اِبتسمت. صمتت حزنا ثقيلا . اِنحنت عيناها صوْب الشّرود المترقرق . تململت حركةٌ ، بينما تراجعت فسحة الظّلام إلى الوراء أكثر. تجمّعت حِزم الضّوء المتبعثرة في نقطة كبيرة تهاوت على المشهد وردة دامية الزّهر تراود فضول المشاهدين، وتفرّق بقيّة صمتهم. ذهبت بهجة الكابوس. هرج النّاي وتضخّم صوته المبحوح ، صار ذارية هوجاء تسفّ الهدوء على سطوح النّفوس الذّاهلة فتنفضح أشواقا وخيبات وحنينا وحسدا ولعنات مخبوءة . رآها تقوم من حيث تجلس إلى حيث رأسه الملقى ضعفاً إلى أحد الكتفين. أسندته إلى كفّيها  وهفت عليه عطوفاً فتخم أنفها بعرق الجراح.

ضَجر صمت المتفرّجين فانتفضوا واقفين، وتداعوا عليهما آهات مغرضة وتصفيقاً

وتصفيراً وكلاماً محموماً. ظلّوا كذلك هياجاً من الزّمن ثمّ هدأوا تحت سطوة الفضول

لمشهد استوت تفاصيله الحميمة  في سِفْر الخيال .

واسَته :

– ترفّق بنفسك أيّها العاشق .. سيفاجئك الفجر دنساً وأخشى أن تفقأ عينيْك إذا باغتتك الشّمس الطّاهرة. تقدّس بالصّبر، وحده العذاب يدنيك من السّماء . الحبّ إذا افتقر كفر، والصّبر طهارة المؤمنين.

قال :

–  أي سَافُو[1] ، أيّتها المقدّسة!” يا ذات الشّعر البنفسجيّ والبسمة العذبة ” أشفقي عَلَيَّ من وفرة البياض يُسَكِّن شغف القلوب ويرجئ الجزاء إلى غير ميعاد. اِخْلعي السّماء قليلاً وأريحي عرشك على التّراب . تواضعي لي قيد شفقة. إنّي قد مسّتني من الحبّ لعنة الضّلال، فاغفري أن أكون لصّا ليوم واحد ، لحضن واحد.

دقّ منتصف المشهد وصار لزاماً أن تنسحب علياء ليدخل الفشل البطل الموازي في المسرحيّة. حان أن تنتفض واقفة وتنزع عن ثوبها المبيضّ ذيله الشّفاف، لتلقيه على جسمه الحاسر تَتِمَّة لموعظة الصّبر وترحل غيمة صيف كما جاءت. مشت خطوات إثر حنّائها المنذورة لميعاد رجل آخر فثار خلفها التّصفير وهياج الأكفّ الضّاربة.

أكانوا يستعيدونها حقّا أم يهلّلون للحلم الزّهوق ؟.

لم تجب .

كان الحنين قد خذلها فاهتزّت وربت شغفا حتى الدّمع. حطّها الشّوق من الأعلى كحصاة نقرتها الرّيح بشَفَةٍ فأرْدَتْها ضياعا في مهبّ الصّخور. تلاعبت نسائم الأرض بلآلئ تاج يُوَشّي شعرها فأُعشِيَ بريقُه بنثار الغبار ثمّ سقط عنها بغتة بنفخة حنين عاتٍ لحبّ طريح بين يديها.

حادت عن دورها في النصّ عندما انتكست إليه وحَنَتْ عليه دمعاً هامساً :

– حبيبي ” ألْكايُوسْ ” [2] أنت فاتن الضّعف ، والحياة الكسيرة على جسمك الغارب هذا تغوي القمر بالتّلاشي في هزائمك. قم نرقص فنخرج من العيون خروج المعاني عن استقامة السّطور.لا تسندني إن سقطت فيك. لا تبحث عنّي على سفح الضّياع إن هوَتْ منّي فردة من شفتيّ عند منتصف العناق.

أسفل المشهد، جُنّت الكُفُّ تصفيقا وتقطّعت الحناجر صراخا وأزيزا وتعالت ثانية الآهات والأنّات، والعبارات الضّارية تحشد النّار للعظام الرّاقصة وتحتطب لها من حسد يشتعل في نفوسهم.

أغارت عليه الحمّى بعد هدنة استرسل فيها الحلم مطمئنّا، فآلت هدأة الجسم إلى اهتزاز واختلطت الصّور فاعتلت الكراسي منصّة المشهد، وتراقصت فوق الرّؤوس لغة للفرح الغاضب. قرعت قوارير وتكسّرت كؤوس. نشبت شجارات متقطّعة . اِنطفأت الأضواء ذات فجأة فتعالت الحناجر مصوّتة . ناحت نساء وبكى صبية .عاد الضّوء . سكت الناّي . تلاشت المسافة الفاصلة بين المشهد والمشاهدين والْتَحَموا جميعا في مكان مستو بلا درجات . غَلَتِ الحركة صخبا ثمّ هدأت من تلقائها.

دخلت قاعة العرض المغنّيات المزركشات كبساتين من فراش وتحلّقن حول الرّاقصيْن يضربن الأوتار سحرا يخرّ هادئا في النّفوس، وينزع عنها وعي الضّجيج فينة فأخرى، حتى استوى الحاضرون حول الرّاقصيْن حلقة صمت مدوّم كوميض بارق ينذر بانفلاق السّماء.

قام يتجرّد على ملإ العيون المفغورة من حرارة الآلام قطعة فقطعة، ويكتسي رونق السّواد الأنيق يومض فيه بريق الحذاء ويشقّه عند الصّدر نصوع القميص. اِرتمى في دفئها بكلّ صقيعه يولم للرّقص حطب عظامه.

كان المرقص قد تهيّأ سريعا أرضا زلقة الوجه ناعمة البساط، فهفت عليهما السّماء بفتنة الثلج وحنت على الجسدين المنتشِيَيْن ريح رؤوم تلاعبهما جَفًا ووصلا . كانا يتأوّدان رقصا يُغير على هدوء المشاهدين ويستفزّانهم انسيابا على جليد المرقص، كخفق طائر مدلّل نبت له في غربة الأقفاص الناّعمة جناحان آخران من حنين لعواصف الأسفار الحرّة . تثنّت الأوتار في رقّة الحنين المخمليّ واستفحل سحرها في الحاضرين حتى نبق في كلّ نفس مرقص وبُعث من كلّ ذاكرة راقصان.

لم يبق من الحلم إلاّ حرارة تشعل الجسد الجريح، وتفعم الكابوس بفوضى الأحداث، ولا بقيَ في حلبة الرّقص مرتفع للمشهد ومنخفض للمشاهدين .. اِنبسطت الحلبة مساحة دائريّة تحوطها الكراسي الفارغة. تلاحمت مناكب الرّاقصين فكلّ يغنّي لجذعه. تضاربت الأعجاز . تدافعت الأكتاف . اِلتفّت العيون بالعيون ولم يبق راقص مفرد. غيظت السّماء فاندلقت أنواء تغسل ذلّ الأرض فتحصب تحت الأقدام ويتعثّر الرّقص ويَردَى أكثره طريحا.. الأنغام تدوّم طبولا أصابها من السّكر مسّ والمدعوّون يعمهون رقصا معتوها، حتى صارت المناكب تتقاذف العَروسَيْن المسوّريْن بصفوف من الأقدام العمياء. اِنفلتا ذات فجوة هربا فإذا مطاردة حرون تلاحقهما حتى فرّقتهما، وانهالت الأيدي بالمكانس على العروس ضربا فأدمته . تسلّل هربا ثانيا دونها وظلّ الأذى يركض خلفه ويحشد لحتفه جمعاً من النّاس مرعبا تحوّل فجأة إلى فئران وقطط وحشرات وهدير صدئ ووجوه بشر حُملت على أجسام غريبة .

نُهش ، ضُرب ، صُفع ، رُكل ، جُرْجر على الإسفلت العائم . قاوم بلا هوادة . اِستصرخ مستنجدا فتاه صوته في ظلمة الحلق وظلّ يركض فرارا مسعورا ،حتى سقط في قَرٍّ مُعْتِم أنواؤه عاصفة ورياحه مُعْوِلَة . تدنّت حرارة جسمه حتى الصّقيع فاستعر القرّ فيه شوكيّ الفحيح وأرْجَفَ مفاصله حتى لكأنّها أعمدة من قصب خاوٍ في مهبّ العاتيات . أغارت عليه الأوجاع ثانية أشدّ فتكا وظلّ يهتزّ بردا وينطوي في نفسه احتماء حتى عادته الحرارة بوصل فتّاك. اِستشاط حينها عطشا واستجار بالماء يطفئ لهَبا بحلقه ..

” ماء . أريد شربة ماء  “.

سُقِيَ جرعة منه فاطمأنّ شيئا من الهجوع لبرودة لاذعة ثقيلة تحطّ على جبينه، وتنسكب قطرات من الماء على جانبيْ وجهه حتى لَوَت الحمّى سعيرها، وتراخى وهجها ليدخل في غور الغياب المصفرّ ثانية. وهناك في صفرة الغياب ، تفتّحت جنان الرّمل فاقعة التّيهان رُبًى وسهولا ورواسي من وهمٍ خلّب. العرق ينسكب عطوفا على الجبي . سكن هوس الرّكض قليلا . سكنت الحمّى قليلا . بإمكان الهلِع أن يغوص في أيّ كثيب يريد . صار السّير عميقاً منزلقاً إلى الوراء والحتف متبرّج في أوج فتنته على حوافّ السّراب والجسد هادئ. المخاوف الفائرة تخثّرت مستكينة للحرّ، وخطى الطّاردين مبعثرة في حبيبات الرّمل الفاتنة، وأسرار الكابوس سقطت في غور النّسيان وذهبت أحداثه المائجة أدْراج الهباء.

فتح عَلِيٌّ عينيه. اِشتبك نظره الفاتر في سداة من خيوط ضوئيّة تنسلّ من باب مخلّع ونافذة مكسورة تتهدّل عليها بقايا أستار وسخة. على طاولة عرجاء صغيرة إلى جانبه، قارورة ماء مسودّة الغطاء  وكأس مضبّبة ، وقطعة قماش مبلّلة. وعلى مقربة من الفراش  كرسيّ أعرج يتوكّأ على الجدار، ويشهد على جليس كان حتى نهايات التّعب ينازل حمّى المريض بضمادات الماء المثلج.

العضلات فاحشة الارتخاء يدبّ فيها نمَل خفيف. الذّاكرة راكدة. يعابثها الذّهن بنقرة سؤال فيهتزّ وجهها دوائر متقطّعة سريعة التّلاشي. مِزَقُ الوعي متحاذية ولا صلة بينها، وعدم الفهم يسوس الوجود الغائم .

كانت الشّمس حينها تُرَقْرِقُ عينها لِفَجْر خفّ للصّلاة، لمّا أذّن ديك في الخارج وكبَّرت فراخ .

لا تاريخ للمكان الذي يأويه في سِفْر الذّاكرة. لا يعرف شيئا عنه. غرابته تحرّك الدّهشة المتراخية: غرفة على استطالة مقترة تبتدئ بمكتبة تُضيِّق فسحتها، وتنتهي بفراش لشخص واحد يأوي جسمه الجريح . أثاث قليل العدد كثير البَلَى يتوزّع بذوق فوضويّ. كتب على رفوفها مبعثرة أو أرضا ملقاة. حركة صغيرة تعتمل تحته خشخشة و قرضاً أو تتنقّل سريعة فلا تدركها عيناه الخائرتان. أصوات في الخارج لأجنحة ثقيلة تصطفق وهواء يهرهر في حلق قطّ يغطّ شخيرا .

اِستغلّت الهموم فجوة من الرّاحة زارت المريض بعد هزّات السّعار الحامية فتجرّأت على ضعفه، وتحرّشت بجراحه المهتاجة وجعا، وراحت تزيل عنه بقايا الغيبوبة الرّاسبة وتحضّ الذّهن على استرجاع  تفاصيل الفاجعة ..

السّرور إذا طال ثقل على من لم يعْتَدْه.

هجر عَليِّ الفرح. ترك أمّه تستقبل المهنّئات الوافدات أعدادا أو مفردات. حاسرة الرّأس ، تلقي عليها شالا من البهجة المطرّزة يخلب بريقُه الأفراح ويأخذ الحاضرات بالزّغاريد حالما تهرول نحوهنّ. تحضنهنّ محبّة ثمّ تخشع إلى الدّعاء بأمل نصوح ،ووجه مسودّ الحوافّ من رشح اختلط فيه بالكحل. كانت بحاجة لقطرة تُفيض كأس الحزن لتجهر بسرور يغيظ الهموم. أطلقت زغاريد مغرورقة الرّنين حالما بلغها نبأ انتدابه الرّسميّ في العمل.

أبوه يدمع لمّا يعانقه رجل حميم . يقف من روائح الأطعمة على رؤوس المآدب يحثّ هذا ، ينحني ببركة الدّعوات على ذاك، أو يخفّ متلعثما في شيبته نحو نساء تربّعن في المطبخ يقتسمن الأطباق بين الطّاعمين وبطون أهليهم من غير الحاضرين .

تأبّط قراراً سيّئا نفث في صدره حرجاً مقيتاً وغادر المنزل بثورة من يستدرك الحقّ الأخير له، من دون أن يكون به ذلك التوجّس العاديّ لمن يُقْدِم على إتعاس الآخر في عقر فرحه.

كان يخبّ على راحلة الوجع إلى حفلة العرس .

لا تعتب،  فإن كنت من ذوي البراعة في تخدير الأحزان فستعلم أنّ هبّتها بالنّور فاتكة حقّا، ولكن ليس بأقسى من الهمّ الخبيث تسكّنه أقراص الصّبر.

حِداؤُه، كان ارتجالا للحِكَمِ: “بعض الحقوق لا تُستردّ إلاّ غزْوا لذلك الآخر ونهبا لسعادته.. تعلّمْ عَلِيّ ألاّ تكون الأوفر تعاسة في الحبّ، ستنال من غنائمه فَيْءَ شفقة ويثْرَى الضّاحكون. أن تحيا لتعيش أو تعيش لتحيا ذلك محض اختيار..”

دعاؤه إنابة للغضب :

” ليت السّماء النحاسيّة الهائلة تدقّ رأسي هذه الساعة

ليتها تزرع الرّعب في قلب كلّ رجل من أبناء الأرض “[3]

مهدت الطّريق ذلُولا تحت قدميه على خلاف الرّواسي المائدة في نفسه والبراكين الفائرة كأنّها الكذب الرّمليّ يعدّ لراكبه المزالق النّاعمة، ويزيّن له التّدحرج على بسيطة الإسفلت بفتات الضوء المنثور.

كان الهواء هجيراً يبسط ودّ الصيف لليلة خرجت تستروح في أطراف الرّبيع، وكانت علياء قد عجّلت بالعرس متحاشية ثرثرة الصّيف، كأنّها تغافل قلبا عنيدا لم يفكّ بعد حقائب الانتظار.

لعلّها تخشى على نفسها أن تنفضح بفرحها الضّئيل بين النّشوات الرّاقصة.

ولج سقف البخور. وقف بلباسه الأبيض حتى الحذاء من الرّاقصين في زاوية الارتياب. ليس من عادة الأعراس هذا البياض الفائض عن ثوب العروس. لها عتماتها المفلوقة بابتسامات غَنِجَة وسوادها الضّاحك المطلّ على مجاري الفتنة.

كان هناك كالقادم لأهله في غير زمنه.عرفهم حنينا وأنكروا وجها عَفر الغبار الطّويل رسمه.

تنزّلت الكفوف بوهج الثمل على الطبول ورَزَمَت الخصور المضطرمة رقصا حاميا. خلع الفرحُ جبّة الحياء، وعلِقت الوجوه بعضها بعضا مسفرة هيامَها غزلا فصيحا أو وَحْي عين مُتَوَارٍ.

بدت له حلبة الرّقص بأضوائها الغامزة وحركاتها العارمة كعرض مسرحيّ محتشد الحركة، شخوصه تقدح بهجة بينما قلوبهم خلف السّتائر شتّى لا يؤلّف بينها غير نصّ عشقيّ ذي لغة احترافيّة كثيرة العجب عديمة الأسئلة ..

اللّحوم المتحفّزة تحت الفساتين الضيّقة تتنافس اهتزازاً ، والأعواد تتثنّى إغراء وأذرع الشّبان الفتيّة تحلّق أقواسا في السّماء كأسوار من لهفة طائشة تحمي متعها المخطوفة من ليلة عرس.

هي.. هناك.. على قاب وجه مغدور وذكرى نائحة . تُولِي ابتساماتها لغير شوقه فتمرّ عليه بعينين لا تريانه كأنّما صار قرارا بائدا زيل بجرّة قلم .

هو .. المدعوّ الأخير بنيّة الإقصاء المبيّتة، يكيل النّوايا الخبيثة لرجل آخر يحذو عطرها المخضّب ويندسّ بأوج لهفته تحت ثوبها في غير استحياء منه.

ثمل نقمة وترنّح القلب غيرة. الوعي المدّعي يستمسك بالصّحو المربك من دون سهو لذيذ في كأس ساحرة . كم يعذّب نفسه بصحو لم يعتد عليه في الأفراح الحرجة. صارت قوّته متلعثمة مهزوزة القرار وقد بلغ الأذى بصاحبها الذّرى، حتى خنع لواقع يجلده على ظهر عارٍ تعوّد أن يتّقي حرارة الوجع برداء سميك من الجنون سكراً . ليس من الهيّن أن تواجه نفْسَكَ الحانقة الخائبة المتوحّشة وصدرك عار من دروعه.

الفرار.. الفرار.

زاغ العقل عن دم الحنّاء الخائن قليلا وجهة الفرار .

لصّان جميلان يتسلّقان سطوح الأحلام العالية ويسطوان على بعض من متعها الأثريّة، يجوبان اللّيل رصيفا فمقعداً فظلاّ منزوياً عن أعمدة الضّوء حيث يواريان سرقات صغيرة، يفْجَأَهما القمر معابثاً فيقرض العتمة فيئا من ضوئه. يركضان اختباء في الأزقّة الضّيقة للحبّ رجوعا آمنا عبر مسالك الحلم بغد يأتي على خشبة مسرح، وهدير من التّصفيق يدوّم على مصراعيْ الكُفّ.

يذكر ذات ستائر، عندما كان يتلصّص من فجوات النّسيج على الأدوار الجيّدة تنزع حياءها لبريق الغزل الرنّان. يذكر مليّا. فاجأت علياء زيغ عينيه فقبّلت يمناه واحتضنت رأسه .

قالت :

– أعرني هذه الرّأس وتلك الميمنة وامض أنّى شئت. سأجهّز لهما جيشا عارماً من الفرح يفتحان به مدن الخيال الحصينة، ويحرّران سبايا الفكر من تجارة الحروف اللّيّنة وقصور الأحلام المترفة. فإذا رجعا غانمين واستباحا الرّاحة أذقتهما من الفقر ألوانا كافرة، حتى يخرجا خلف ثراء النّصوص ناهبيْن.

ودّ هذا الحين كما ذلك اليوم في غمرة السّرور العارم، وعلى مرأى من كلّ المدعوّين الفرحين وغير الفرحين، ودّ كثيرا لو يحضنها بشدّة الخوف من الفقد، كفكرة تينع نوما فتحبسها العين تحت جفنها خشية ضياعها بالنّور.

ذلك اليوم كتب نصّاً بديعا استثرى به رِضًا منها ، وبعد فشل أهداه للنّار.

” مَن إثرك علياء يُجوِّع النّفس حتى تكفر بقضاء الصّبر، فتشمّر عن كدّ الفكر وتحرث الورق إلى القوت..؟ ” .

تقدّم نحوها مقدار نقمة غافية وحاجة مستنفرة. رجفت لصهيل وجع وحدها تسمعه. تحرّكت كالمقبلة نحوه. فغرت شرودها الدّامع فيه . أرجفه الأمل .. قامت ترقص .. قعد خيبة .

الرّجل الغريب يستوطن كرسيّه الفضيّ إلى جانبها بسلطة عَقْدٍ ختامُه توقيعها، ويُسْراهُ تسطو، على مرمى ذاكرة تحترق، على شواطئ خِصْر كان ذات مداخل مسارح يرتجل متعة خاطفة من ذراع تحوطه حماية من المناكب.

هي ذي أرض أخرى تسقط بموجب عقد.

عند قدم غيرة تتفجّع يرقص العروسان ، بل هنا يرقصان ، في ردحة قلب لم يخرج من شوق مهزوما. داس العروس بياض الذّيل من ثوب عروسه . داس رايتك يا قلب .. لا تكِرّ .. لا تكرّ .. سلاحك زبديّ الطِّعان لا يذهب إلاّ جفاء.

فرّا وفرّا وفرّا .

اِنفتحت سماء الحلم الثانية وأناخ البراق قوائمه عند الباب يستريح من كرّ وفرّ عقيمين ، قالت.. يحفظ عن ظهر وجع ما قالت آخر لقاء:

– السّير إلى الوراء ليس تراجعا دائما يا عَلِيّ . لَمْلِم نَفَسَكَ الثائر . تريّث أن تسدّد خطاك القادمة.

أكانت حكمة الوداع ؟.

بعدها مباشرة تراجعت عن الحلم قدر تأمّل. سدّدت خطاها نحو سكن مؤثّث بذوق واقعيّ. كانت الأجمل في حياته ولم تبْشعْ حتى جهرت بتقوى الغد واستكانت لظلّ النّعيم .

النّكوص كذلك ليس رديئا دائما يا علياء.. تمهّلي صبرا قليلا حتى تريْ العرض التّالي.

دُمْ دُمْ دُمْ .. تَكْ ..

رُفع السّتار.

اِصطفّت الكراسي وفرّق الصّمت على الحاضرين تذاكر الفضول لمشاهدة العرض الجديد . الألوان الفاقعة والوجوه الخرافيّة تستلب الانتباه . رزح الصّمت المُتخم دويّا. تحرّك الممثّل نطّا وركضا وعرقا ينسكب. أغارت الحركات على التّركيز وسدّت على العين ذريعة الفهم.

ضحكٌ .. ضحكٌ كثير، ضَحكَ الممثّل حتى أضحك النّاسَ على النّاس وربا السّرور ضحكاً فنسي الجميعُ الجميعَ ولم يذكروا غير انقباض عضلات البطن من فرط الضّحك، على مشهد لم يعد بعد انسدال السّتائر يثير الضّحك.

يا للضّحك الرّابي بلا سبب وجيه.

اِنتهى العرض بالنّجاح ولم ينهض الممثّل قبل اعوجاج ظهره خشية أن يهجره التصفيق. كان يعرف أنّ الضّاحكين على أنفسهم الآن لن يصفّقوا له في عرض الضّحك القادم، وأنّ عليه أن يغيّر المكان ويرتجل نفسه على نحو أفضل ليستوي الشّاهد والمشهود ويستدرّ الضّحك تصفيقا جديدا.

ذهب عقل الهزء وانفرط صمته . اِنتبه عليّ لحفلة العرس البهيجة . تراجعت ضجّة العرض. بدا كلّ النّاس ضحكا مثيرا للنصّ الحزين. وبدت العروس بطلة الموضوع المتألقة.

مشى بالأذى قُدُما نحوها. وقف دمعا راجفا لعين ضاحكة . النّوايا الخبيثة مستعرة . والغيظ يشحذ سلاحه منذ هَجْرٍ . وشفتاها الخائفتان ترتعشان تحت وردهما الزّهريّ . فرّق الماضي صوره على مفالج النّكران وسدّ أمامها كلّ ذرائع الإنكار .

أيّ الذّكريات الموقوتة ستنفجر في وجهها أوّلا ..؟.

المصوّر يلتقط الصّور لوجه عروس شرد عن ألَقِهِ الأوّل وزوجها ينتهز الفرصة ليمعن التصاقا بها. تعلّق النّظر بالنّظر وعَرَمَ دفق القلبيْن.

من أيّ الجهات سقطت عليه اللّكمة الأولى؟.

لم يدر علِيّ كيف استطاع أن يحمل وَهَنَه ويغادر المنزل الذي أمضى فيه ليلة مرضه بتلك السّرعة.

هو ذا اللّيل من جديد يا عَلِيّ ، والوحدة من جديد ، والسّير الضّالّ ، وأنت السّائب على قارعة الضّياع تكنّس الشّوارع بفكر أشعث وجسم جريح وقلب متروك للوحدة والأشواق.

للمرّة الثانية يضِلّ التطفّل بأشعب ويلقي به على مآدب الهلاك. عدْ لكهف التّاريخ يا أشعب، هذا زمن لا يحتفي بالمتطفّلين . المدعوّ في الأعراس يُكرم وغير المدعوّ يجلس على احتمال الطّرد .

هذا اللّيل المستند إلى عمود الوحدة أقصى السّكون هو وطنك الخرافيّ ذو الحضن أبكم الدفء. إنّه يقضي الفراغَ كلّه ينجّد للوازرات فسحات البكاء الوثيرة، فلا يغادرها الموزورون والشّاكون إلاّ وقد نَخَلوا أثقالهم وتخفّفوا من أوزارهم .

اِعرف نفسك بما يكفي لتعرف أنّ السّير استقامة نحو غد رصين ليس يسيرا على أحلام لا تينع إلاّ عتمة. الواقع لا يُغمض له عسس حتى يكون رقيباً يحصي جُنَح أنفاسك وحفيظاً يقي خطاك من زلل الخواطر المارقة.

تأمّلْ عَلِيّ ، لك دجنة كتوم وفراغ حَيِيٌّ كعنترة ، يغضّ طرْفه إذا بدا له عُريك ، فاخلع كُسَاك كلّها واغتسل بالدّمع. لا تستح من البكاء. ترَى السّماء كلّما كظمت دمعها انفلق وجهها عويلا حاصبا .

لك شارع برمّة صمته ذلول فامش فيه بكلّ جدبك عسى تخضرّ . فجِّر فيه ضيقك وانسكِبْ بوحا على الأرصفة المهملة. لا تَرْتَبْ في صمت الأرصفة إنّها تعرف مواقيت الكلام، فلا رصيف يتوسّد جاره ليجمع من بوْحه اللّيليّ ما به يقتات نهارُه. أنت هنا في سلام محايد لم تؤطّره التّواقيع . وسخه بيّن وبريقه بيّن .. هنا حيث الظّلمة تنير أقبية النّفوس وحيث تؤول كثير من الأقنعة إلى تبعثر أو ترنّح أو مزاولة للسّرقات اللّيليّة الخبيثة والبريئة.

نِعْمَ إطار مفتوح من السّرد يهبك حقّ الجنون عن عقل مرتاب. ألا ارْتَم على مفرش الاعتراف كيفما شاء البوح ولا تستردّ وقارك حتى يتبيّن لك الخيط الأبيض من كبّة الخيوط المتداخلة أمام عينيك .

ماذا ؟ لا تعرف كيف قطعتَ الطّريق ما بين اللّكمة الأولى وهذا التّوْه ِ؟.

بداهة جهلُك هذا، فالذّاكرة لم تحفظ لك إلاّ تفاصيل الذّهاب إلى عرسها وفُتات الإياب ، وما بينهما حجاب غامق يسرّب الأسرار بتقسيط الفجر الغائم شديداً : ربطة العنق في مكانها من العنق، ومزق البدلة تتهدّل على كتفيك وقد تبقّع بياضها بالفشل الأحمر، وضلّ سروره المعتاد مثلما ضللت أنت عبارات الشّكر المناسبة لرجل معتوه ، عار، آواك إلى أوساخه وجرذاه ورعاك بأبوّة نادرة بعد أن أُلقيَ بك على الرّصيف فاقدا للوعي.

” أيْ عَلِيّ ، خبّرنا الآن : من كان يقري جراحك ويسعى بين يديْ مرضك؟

اِحتشد حوله مشاهدون من وهم بارق . رفع السّتار على وزن الخطوة المنهوكة : دم .. تك .. دم .. تك .

اِعتلى ركح الأسماع الهازئة وحدّث ذاهلا :

– كان رجلا عاريا إلاّ من خُلعة الجنون تغشى العيون فتصرفها عن عورته المنكشفة، وقشرةِ الوسخ السّميكة تنبسط على جلده، وبابِ منزله المفتوح على عالم من الأوساخ المتنوّعة.

كنتُ في ضيافة ذلك العاري المدعوّ مخبولا وأهله الطّيّبين : فئران سمان وقطط باذخة الفرو ودجاجات فاتنات يختلن غنجا أمام ديك ملك مهيب العرف فصيح الغناء.

من أين للجنون كلّ ذلك العقل ليسخو بالعطف عَلَيَّ جريحا ويهدهد نومي الفزِع بخرير حريريّ من نايِه؟.

السّائل والسّامعون الذين ازدهروا على ضفّة الألم يغُطّون ضحكا ويتّخدونه هُزُوًا.

آن الأوان ليكون موطئ سخرية كما كان يفعل بوقار ذلك الرّجل الذي استضاف جراحه، وقضى اللّيل يطفئ حرائقها فيه. كان يلاحقه بالحجارة صبيّا، ويقذفه بعبثٍ ساخرٍ كبيرا. كأنّ الزّمن يعيد توزيع المهزلة بإيقاع عصريّ مربك للدّماء. تعلّم متأخرا جدّا ألاّ ينهر وسِخا حتى يميّز سوادَه من بياضه.

قالوا :

– من أين جئت  يا حَكِيمَهُمْ ..؟ ( يقصدون ” يا حكيم المعتوهين “).

قال :

– أسقطني الحبّ مدمى في مكان خفيض جُرُز، وتصعّدت بي العافية إثر حمّى إلى أرض جديدة من القيم . ليست أسافل البناءات كأعاليها ولا مُدخلات الأحياء الأنيقة كدواخلها. غادرت منزلاً مدهش الأطوار لا حياة فيه إلاّ لذوات الأربع الضّئيلة، وعدت إلى الحياة مغتربا في شوارعها اليوميّة.. هناك، أعجاز شجر ملقاة بفوضى مذهلة اتّخذها النّمل مقارّ ومعايش. شعوب من الحشرات الآمنة. طيور داجنة تُعرف بأسمائها . قطط سمان تتمطّى شبعا على مرمى فئران تتقافز لاهية. أوساخ كثيرة كأنّها الشّواهد الخرساء على حياة البشر، تطلع منها سنابل قمح زاهية الخضرة تلوّح للفراخ الصّغيرة بمستقبل الشّبع. سُور من الدّمار يحمي ساكنيه عدوان العاقلين . جدران مخلّعة الأبواب والنّوافذ تدثّر ساكِنها بالعُري من قرّ الكذب ، وفي الحرّ يروّح البحر المتغلغل في شقوقها عن حواسّ كلّت عطن العفن عن ضعف بطبعها.

في هذا المنزل فقط تجدون الأمن لكلّ فم، فلا عدوان ولا مظالم . وفي مغارة الجنون هذه فقط يتنسّك المعتدون ويثوب السّلام إلى رشد التّائهين.

أنا ؟

أنا كنت الفاشل الوحيد ، الضّالّ الوحيد .. الجائع الوحيد بينهم.

يخرّ باكيا فيصفّقون . يزداد عدد المتفرّجين حوله ويصفّقون.

يجعلهم يصطفّون جلوسا على المقاعد خاشعة عيونهم نحو مشهد يعلو الرّؤوس قليلا. يرسل عليهم طيور الصّمت الأبابيل تُبيد ململة الضّجر، ويحُثّهم على أن يطربوا لقوله وينتشوا إعجاباً حتى يعْلو الصّخب على فرح الحبيبة بالسّكن على الضّفة الجافّة من أحلامه.

نسيها قليلا، هي الفشل الذي لا يُنسى والجرح الذي ينتصب كالمئذنة تضيء كلّ غروب ، نسيها بضع ضوضاء منفردة على بوّابة مسرح ضخم فتح في خياله أبوابا واسعة.

يشعر بالجدوى قليلا . يبتسم لنفسه . تبتسم له . يتبادلان وعودا بالثقة.

صفّقوا له أيضا بعض المواساة. نحتاج شيئا من التّصفيق مقدار ما يقدّم مقاعدنا في الحياة صفّا آخر إلى الأمام. نحتاج إليه معزّزا بنُتْفَة من المديح لنُمْضِيَ مع النّجاح عقدا بالثّقة.

حذار . .

مهدّد أنت بمطر حاصب من الأسئلة كلّما ربا عدد المصفّقين من حولك، ولا تدري في أيّ يوم يصاب نجاحك بحالة ربو تقسِّط  أنفَاس نجاحك، أو تُرْدِيه فشلا ذريعا..

اِنتكس عليّ  من جديد.

هذا أمر طبيعيّ. لا نحبّ شواظ الكلام المكسور لحظة المشي على بساط الفرح يجرح ابتساماتنا ويدمي زهونا بالمديح .

كانت قالت له يوما مضى:

” عليك أن تخفّف قليلا من وزن الأفكار التي تحمل، متخمة هي بالغموض ، تنظر للواقع بعين زوْراء وقلم نبّاش، ونحن يا عَلِيّ قد كبرنا بما يكفي لنتعلّم كيف نغافل أفكارنا لنستمرّ. العراء أطول عمراً من الشّتاء وأنت بحاجة لأن تكتب لتدفأ وتعيش “.

أكانت كبرت فعلا إلى ذلك الحدّ الذي أصبحت فيه على حقّ؟.

اِنطفأ من خياله لهب التّصفيق وغرقت أفكاره في بركة الشّوق. ترك اللّيلَ الهادئ وتقهقر حيث العرس تجدّف به الحمّى على ظهر الكابوس من جديد.

كان على وشك أن يستعيدها لولا اللّكمة الأولى.

اُنظر هناك ، من ذلك الاتجاه. هذه خيبة من أقصى الهزء تسعى إليك..

أقبلت عليه الخيبة  تقول :

– يا هذا ، أما كفاك طوافا حول كعبتي ؟ اِشتدّ خلفك الزّحام وتدافع الفاشلون عند مداخل البكاء، تنحّ قليلا عن بابي ليدخلوا فنواحك طال وثقل على سمعي.

– …

– اِسمع ، لم تكن لتدرك سرعة السّقوط الضّوئيّة لو لم تشْقَ صعودا . تجمّل بالأمل وتعلّم أن تحتال على ثوب الفشل عندما يضيق عليك.

– …

– الخسارة ..؟ هي ليست فادحة بالقدر الذي يبكيك . إنّها لا تكسر اندفاعك إلاّ لتستوقفك راحة ترتّق فيها ما تمزّق من نعالك، وتقوّم ما اعوجّ من خطاك. هيّا انهض عنّي ويكفيك عمرا مضى من الفشل المنظّم والوقوف المدروس. اِرحل عن داري فإنّ مكوثك بي طال حتى عكر.

– …

كان عَليّ، لفرط الإعياء وشدّة الوجع ولوعة الهجر متلبّسا بالفشل لا يحجّ إلاّ إلى مراثيه، فما كان من الخيبة التي جاءته تسعى إلاّ أن أسدلت عليه نوماً عليلاً وتركته غائباً عن الوعي على أحد الأرصفة.

* قاصة من تونس.


[1] – سافُو (أو بِسَافُو ) : شاعرة إغريقيّة ازدهرت خلال سنة 600 ق م

[2] – ألْكايُوسْ :  شاعر إغريقيّ عاصر سافو بين 610 و580 ق م وعاش معها في نفس المدينة. أحبّها كثيرا لكنّها صدّته . نظم أكثر أشعاره فيها .

[3] – مقطع لشاعر إغريقي يدعى ثيوجنيس الميجاري.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق