قراءات ودراسات

وقفة مع (على جبينها ثورة وكتاب- حوارات تونسية بعد الثورة.) للكتاب والإعلامي يوسف بعلوج.

بقلم الروائي محمد مفلاح

تعرفتُ على الأديب والإعلامي يوسف بعلوج في جلسة حميمية جمعتنا مساء يوم 19 مارس 2012 في مقهى البريد المركزي بالعاصمة مع إعلاميين وأدباء منهم عزالدين جلاوجي، وبوطالب شبوب، وخير شوار، وحاجي علاوة، ومحمود أبوبكر (الذي ألف كتابا عن ثورة مصر.) وقد شعرتُ في أثناء حديثنا المتشعب أن يوسف بعلوج يمتلك موهبة الكتابة بعدما أنصت باهتمام إلى آرائه الجريئة عن الربيع العربي وبخاصة معايشته للثورة التونسية وحديثه عن رجالاتها منهم الرئيس المؤقت منصف المروزقي، فسألته عن بعض المعلومات عن شخصه، ومهنته، واهتماماتي، فعلمتُ منه أنه من مواليد 1987 بمدينة خميس مليانة (ولاية عين الدفلى)، يشتغل صحفياً في جريدة “الجزائر نيوز”، وهو مدون معروف في العالم العربي، ويعد حالياً شهادة مهندس دولة في الإعلام الآلي، وقد ألف كتاباً عن ثورة تونس بعنوان (على جبينها ثورة وكتاب- حوارات تونسية بعد الثورة) ولما عبرتُ له عن رغبتي في شرائه لاطلاع عليه وعدني بإهدائه إليّ يوم غد.

وشاءت ظروف اليوم الثاني، وبعد عودتي من نادي الصنوبر رفقة صديقي الإعلامي عبدالرزاق جلولي، أن ألتقي بالكاتب في نادي عيسى مسعودي وكان تواجدنا فيه لحضور حصة “حبر وأوراق” الإذاعية التي يعدها الدكتور أمين الزاوي. وفي القاعة سلم لي يوسف كتابه الجميل.

وشاءت الظروف أن تجمعني للمرة الثالثة بيوسف بعلوج وكان اللقاء صبيحة الأربعاء 21 مارس، رفقة الروائي عزالدين جلاوجي، والكاتب والأديب حبيب مونسي، فتناولنا المشروبات في المقهى، وتحدثنا مطولا عن الأدب والكتابة وهموم المثقفين في فترة الانتخابات التشريعية وصخبها، وظل يوسف ينصت إلى كلامنا باهتمام الصحفي وعاشق الأدب أيضا.. ثم افترقنا. عدتُ إلى غليزان على أمل السفر في كتاب (على جبينها) ولكنني أجلت قراءته بسبب انهماكي في تنقيح روايتي الجديدة (النفس الأخير).

والكتاب المذكور آنفا وهو من الحجم الصغير “الجيب”، يشتمل على 220 صفحة، صدر سنة 2011 عن دار فيسيرا للنشر (الجزائر) بعدما قضى مؤلفه سنة كاملة من العمل الجاد، حيث شرع فيه قبل اندلاع ثورة الياسمين بتونس وأنهاه بعد انتصارها.

وهو ينقسم إلى أربعة فصول (أجبن) أضاف إليه أجبن الإهداء، والتقديم الذي كتبه الروائي الليبي محمد الأصفر، والفهرس الذي لم يبين فيه الكاتب محاور كل فصل.

لقد تناول فيها يوسف بعلوج عدة قضايا أساسية في مسيرة الثورة التونسية وهي كالآتي:

– في “جبين المقدمة” (ص 27 -56)، تطرق إلى أيام رحلتنا التي قضاها في تونس قبل الثورة، وعنونها كالآتي: إغواء الياسمين (زيارة أولى)، عطر الياسمين (زيارة ثانية)، ناس الياسمين. ثم تحدث عن أيامه في تونس بعد الثورة، أولاً عن رحلته الأولى التي رصد لنا فيها نبضات خمسة أيام وصفها بعبارات موحية وهي: يوم “الفوضى الخلاقة”، ويوم “صدفة بألف ميعاد”، فيوم “للسياسة وللثقافة أيضا”، ثم يوم “للحرية”. أما اليوم الخامس فهو “يوم مجنون.”  وفي الرحلة الثانية تكلم في فقرات مقتضبة عن ناس الياسمين الذين لم يتغيروا. وأظهر بعلوج قدرة كبيرة على كتابة صفحات جميلة في أدب الرحلة.

– وفي رحاب “جبين السياسة” (ص57- 117)، أجرى يوسف بعلوج خمسة حوارات مع أربعة رجل وامرأة واحدة، يمثلون أهم التيارات السياسية التي تفاعلت معها الثورة وتعمل حالياً على تأطيرها في عهد تونس ما بعد “بن علي.” وقد طرح عليهم الأسئلة الهادفة إلى كشف مسيرة الثورة من خلال ماضيهم وانشغالات الحاضر،  وهم: محمد الكيلاني (رئيس الحزب الاشتراكي اليساري) الذي يعلن صراحة عن رفضه لأي حزب ديني يتدخل بين العبد وربه، وسليم بن عرفة (من حزب التجديد) الذي تعرض للمراقبة البوليسية في عهد بن علي، والحقوقية الشهيرة سهام بن سدرين التي منعت من دخول الجزائر بأمر من نظام بن علي، وعبدالرزاق الهمامي (رئيس حزب العمل الوطني الديمقراطي) الذي يرفض التسامح مع زبانية النظام المتورطين في تعذيب التونسيين، وأخيرا عبداللطيف المكي (القيادي في حزب النهضة) الذي دعا إلى التفكير في مصالحة الشعب.

وفي “جبين التدوين”(ص119-148)، التقى الكاتب بسليم عمامو المدون والوزير المستقيل الذي أعرب عن نيته في تأسيس حزب يدافع عن القرصنة الالكترونية. كما حاور فاطمة الرياحي وهي رئيسة جمعية المدونين التونسيين.

وأعتقد أن أهم الأجبن وهو “جبين الكتابة” (ص149 -220)، الذي حاور فيه كاتبنا الروائيين والكتّاب والصحفيين، وهم الروائي “جلول عزوزة” الذي تحدث عن توزيعه للكتب الممنوعة، والكاتب “محمود طرشونة” الذي أشار إلى التكامل البناء بين المثقف والشعوب المنجزة للثورة، والكاتب والصحفي “سمير ساسي” الذي يرى أنه ضحى برصيده من أجل الكتابة، ثم الناشر والصحفي “كارم الشريف” الذي قال أن أحلام مستغانمي قاضته بإيعاز من مستشار “بن علي”، وأخيرا “شادي حميدة” وهو أصغر روائي في تونس يحلم بكتابة قصص قصيرة عن الثورة.

والمخاض الجديد الذي خلقته حركية الثورة المنتصرة، منع الكاتب يوسف بعلوج من أجراء حوارات أخرى مع ممثلي النقابة والجمعيات المدينة ورموز التيارات الدينية، ورغم ذلك فقد بذل الكاتب الرحالة جهدا معتبرا في رصد واقع ما بعد الثورة وفي وقت قصير جدا. ولاريب سيكون للكاتب وقفة أخرى مع كتابه الأنيق الذي يؤسس به مع زملاء آخرين لكتابة التاريخ الحالي وهو في فورانه الأول. وقد كُتب هذا التأليف بلغة أدبية راقية، وأعجبني كثيرا أسلوبه الذي يبشر بميلاد أديب سيكتب الرواية بامتياز. فهيئنا للكاتب الرحالة  بهذا المولود الرائع في انتظار المزيد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق