ثقافة السرد

نينا والذّئاب البشريّة (1)

مصباح (فوزي) رشيد

لم يبق من الوفاء سوى بعض السيجارات التي تأتيها من أحد المعارف من أصحاب الوشوم الذين يكتمون الأسرار. سرّ ( نينا ) العفيفة أنها تعرّضت للغدر والخيانة من قبل الأشرار . مع كل سيجارة تأخذها تتخلّص الحسناء ( نينا ) من وجوه الكلاب التي لا تتعفّف ولا تعرف معنى الوفاء ، من أصحاب الأموال الذين يدفعون لها مقابل تنازلها عن جسدها الضّعيف ، وأصحاب الياقات البيضاء الأشراف ، وفي الحقيقة هم أحقر الناس منازل جاؤوا ليتخلّصوا من نزواتهم الحيوانية ، حين تختلي بهم ( نينا ) فلا يراهم أحد . وتركن بعدها المغبونة بإحدى الزّوايا تحت أنوار الملهى الخافتة تعدّ أنفاسها في لحظة ألم ، مثلما تفعل الفريسة بعدما تتخلّص منها الوحوش الضّاريّة .
نينا ليست بالضرورة بائعة هواء أو شريرة ، وكم من (نينا ) في هذه الدنيا اللّعينة فقدت عذريتها يسبب هذه الذئاب الشّرسة ، أو الكلاب البشرية لأن الذّئاب البريّة أشرف من بعض الكلاب . لم تكن( نينا ) سوى إنسانة بروح وقلب ينبض بالأماني والأمل .
قبل أن ألتقي بها، وأتعرّف عليها ، كانت ( نينا ) تزور والدتي في المستشفى ، وتتودّد إليها . وفي إحدى المرّات جاءت رفقة أختها الصّغرى وبنت خالة المرحومة والدتي ، التي ظلّت ترعى أمّي و تتفقّدها كل صباح ومساء في ذات المستشفى . وفي هذا اليوم ، وعلى غير المعتاد ، جئتُ قبل الموعد لأخذ الوقت الكافي .حين أردت الانصراف ، همستْ لي والدتي الطيّبة – رحمة الله عليها – وقالت لي : ” مازال الحال طويل . زيد شويّة ” .لم أكن أنتظر مجيئهنّ الثلاثة . كأنَّ شيئا ما كان قد حُبِك من ورائي اا؟ كل الأمور من حولنا كانت مهيّئة .طلبت من صهري الذي كان رفقتي أن يعطيني مفاتيح سيارته الصّغيرة التي لا تسع لأكثر من ” حبيبين ” على الأكثر . حملتُهن الثلاثة ، وخرجنا نتبضّع بحثا عن أيّ شيء يُيسّر لنا سبل التعارف . أعجبتني التي ركبت خلفي ، وكنت أستمتع بجمال عينيها السوداوين الواسعتين و تغرها المتبسّم .
شيء ما بداخلي ظلّ يلحّ عليّ ويقول : ” كم أضعت من فرصة أيّها الحقير التّافه ” .
أجبته في الحال: ” لن أغفر لنفسي إن ضاعت منّي هذه المرّة ”
مددت يدي اليمنى إلى المرآة العاكسة .
رمقتُها بنظرة العاشق الولهان وسألتها : ” ما أسمك أيّتها الحسناء الجميلة ؟ ”
بنبرة صوتها المشحون ردّت عليّ : ” اسمي نينا أيّها الوسيم الظّريف ”
“تشجّعت بكلامها وتماديت في السّؤال تلو الآخر : ” نينا أم نايْنا كما في الأفلام الهندية ؟ ”
ضحكت طويلا ثمّ علّقت على كلامي بقولها : ” كما تُحب وتعرف ”
ما علاقتي بهذه الحسناء سوى ” المكتوب ” الذي جمعنا ، ووالدتي التي تريد أن توقعني في شباكها لربّما ؟ ؛
في نهاية الستينيّات كانت هناك سينما في القرية ، و كانت تحملني المرحومة كل مساء معها لنشاهد الأفلام الهندية سويّا ، ولم يكن ذلك ممنوعا حتّى على النّساء حينها. لايزال كلام أمّي عن ( نايْنا ) ، والحب الذي تكنّه لها ، وشغفها الشّديد بتلك الممثّلة البطلة يرنّ في ذهني . صرنا نمرُّ الآن على المكان ذاته فلا نرى منه سوى باب حديدي متآكل ، بشكي حاله مع الصّدأ ، يروي لنا قصّته مع متلحّفات الملاية السوداء ظللّن يراودنه طيلة أعوام .لم يبق من تلك الأيام سوى بعض الوجوه الشّاحبة والأسماء التي لايزال أصحابها يصارعون من أجل البقاء .قبل أن يتم التّرويج لمسرح قرطاج العالمي ، كان هناك مسرح الهواء الطلق ، حين كانت مدينتنا قرية متواضعة . وكانت النّساء تحضرنه رفقة أولادهن ، الكبار منهم والصغار وحتى الرضّع . مافتئت المرحومة تحملني معها كلما أرادت قضاء السّهرة بعيدا عن مشاغل البيت . بعدما أضحت القرية ملجأ للدّخلاء الانتهازيين ، وغزاها الأثرياء بخرساناتهم الصمّاء ، وتبوّلوا على أرجائها وحيطانها، فلم نعد نرى من مسرح الهواء الطّلق الذي ظلّ ينبض بالحياة طيلة أعوام ، سوى اسمنت باهت ووجوه تولّد الكآبة . تبكي العين حين ترى أطفالا أبرياء يتمرّغون تمرّغ البهائم في التّراب، وليس لديهم مكان لإبراز مواهبهم التي منحهم أيّاها الله . وحينما كانت المدينة الأثرية مسرحا للسوّاح الأجانب ، كنا صغارا نتنقّل عبر الوفود ؛ كم غنّينا ورقصنا ، ومرحنا واحتفينا بالمناسبات … تعلّمنا أشياء كثيرة ، وجلسنا طويلا على مدارج مسرحها الفخم . لم نكن نعرف قيمة الآثار يومها ، لكن ” الشيخ ” الغريب الذي عيّرنا بالآثار حين زار مسجدنا العتيق ، وقال كلاما لا يليق بمدينتنا الأثرية… قلّل من شأنها ليقتل ذاك الحب فينا ، والذي ظلّ سنين يراودنا .
لكن ما قصّتي مع الجميلة الحسناء وما سِرّ الاسم الذي تحمله ؟ تخلّصنا من الحمل الثّقيل الذي كان قد منعنا من البوح بالمشاعر الدّفينة طيلة الوقت . تطرّفنا قليلا نريد الابتعاد عن الأنظار . عرّجنا على الكورنيش ، واخترنا أحد المطاعم الشرقية .سادت بيننا فترة من الصّمت ، صمت رهيب قاتل ، إلى أن جاءنا الخادم متثاقلا وبيده باقة من مشموم الفل أو الياسمين ، قبل أن يقدّم لنا قائمة الطّعام . انفتحت شهيّتي للكلام ، لكن ( نينا ) لم تجب على كل الأسئلة ، واحتفظت لنفسها ببعض الأسرار ريثما يحين موعد لقاء جديد . وتعاهدنا على الوصال قبل حتّى أن تحين لحظة الفراق . بعد أيام عرِفتُ المكان الذي سأجد فيه غريمتي الغامضة ، توجهتُ رفقة زميلي الذي يعلوني شأنا إلى الحرم الجامعي . طلبنا العنوان من عون الأمن الذي لم يتوان في طلب إحداهن ، فجاءت أخت الجميلة الحسناء ( نينا ) تمشي على استحياء ، سألتها عن أختها ( نينا) فلم تكترث وفتحت باب السيّارة وهمّت بالجلوس في المقعد الخلفي .طلبت من رفيقي إيقاف المحرك وينتظر ريثما أحصلُ على الإجابة الشّافيّة من أختها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق