الموقع

علم البراكين… بين الهواية والاحتراف

رامي عثمان

أكثر من مرة أقع فريسة الاحباط والملل من تكرار ما أكتب, صحيح أن الباحث المتمكن من قضيته البحثية تجده مفعماً بالثقة , ذو لفتة أخاذة, متحدثاً فذ,  يتقن صنعته كأي ماهر ذي صنعة , بيد أن البحوث الاجتماعية العقيمة تجعلني أتدور في حلقاتها المفرغة , لتأخذ مني الوقت والراحة , ولأضطّر آسفاً أن أعتنق الرؤية السلبية,  فإما أن أفضّل اعتزال البحث و السكوت المبرر , أو أن أتحول إلى التنظير في حالة ما بعد الخراب … ومن هنا أبتدأت القصة حول مجتمع قيد التدمير , يمرّ بحالة بركانية نشطة,  تقذف بحممها وصخورها الملتهبة يمنة وشمالا,  دون أي اعتبار لأي كائن  يقع في طريقها,  فالصخر الملتهب أعمى والرحمة منزوعة من قلبه الأصم … وما من أحد سعى للوقوف في وجه سيل من الحمم البركانية أو حتى الاقتراب منها , إلا و انكوى بنارها , أوابتلعته الحمم وكأي بركان يثور على سطح الأرض , يبعث  قبيل ثورانه أبخرة سامة ودخاناً ينذر بانفجاره … والحقيقة أنه انبعثت على مرّ سنين عديدة سابقة, أبخرة سامة ودخان من بركاننا الاجتماعي الثائر , إيذانناً بانفجاره , ومن الطبيعي أن يقف الباحثين والمتتبعين لحركة البراكين وثورانها  موقفاً جدياً منذراً من الانفجار المحتوم,  والذي سيأتي على كل ما هو أخضر أويابس , لكنّ الغريب في الأمر أن معظم الباحثين والمنظّرين الذين أضاعوا عقودا من حياتهم , منكبّين على دراسة البحوث الاجتماعية والفعل وردات الفعل وعلوم المجتمع ,  تعمّدوا السكوت عن التحذير من هول الانفجار المدمّر ,ليذهبوا  لممارسة هوايتهم في متابعة الحدث .. فجهّزوا كاميراتهم الاحترافية واستنزفوا سنوات ما قبل وقوع الانفجار في تنظيف العدسات و البحث عن المواقع المميزة لالتقاط أجمل وأشد صور الحدث إثارة , وتسابقوا للتعاقد مع كبريات وكالات الأنباء الغربية لبيع اللقطات المميزة المتوقعة لهذا الحدث التاريخي. ومن دون التعقيب على هذا التصرف الغير مسؤول , لهكذا باحثين وأكاديميين ومستشارين اجتماعيين

نعود لنلقي نظرة على بركاننا وثورة الغليان الشعبي التي تجتاح منطقتنا العربية

أما الأسباب , فنشوؤ البراكين  ببساطة شديدة  جميعنا يذكر بعضا ً من هذه المعلومات في المرحلة الابتدائية للدراسة … كاختلال في التوازن الطبقي وازدياد الضغط على مخزون الحمم تحت سطح الأرض عبر عقود وعقود من التراكمات الصخرية , ومع الكثير من الانبعاثات الخطيرة والحركات الهتزازية  التي تعدّ إنذاراً بالخطر الوشيك والذي لن يجدي نفعا ً في إخماد غضب هذا البركان المدمر, لكن ربما يقي الأحياء شرّ الهلاك. وأما البركان الاجتماعي فيمر بذات الحالة,  كاختلال في توازن طبقات المجتمع وازدياد الضغوط على المواطن القابع بين مطرقة الفساد المالي والأخلاقي و القمع وسندان الجهل والفقر,

والفرق الوحيد بين هذا وذاك هو:

في الحالة الأولى : تضجّ منابر الاعلاميين  لسنين عديدة  محذرة من وقوع الحدث , والكل يقرع أجراس الإنذار و ينادي بأخذ كافة  تدابير الوقاية من الكارثة التي لا يمكن وقفها , وتتسابق الجهات المختصة للأخذ بالنصح وتطبيق شروط الوقاية.

أما في الحالة الثانية : فقد دخلت المنابر الاعلامية والاجتماعية والجهات المعنية بمتابعة الفساد وتراكماته وجميع القائمين على هذا الخصوص في سبات شتوي امتدّ لسنين …لكن لو لم تطول إلى الآن ؟ لكان من الممكن أن نستبق حدث الانفجار بتخفيف الضغط  عن المجتمع والسعي لإصلاح ما فسُد فيه, ولَبقي  البركان جبلا ً شامخا متوجاً بالخير والخضرة وكما فعل الباحثين والمنظّرين (المحترفين ) في هذا المجال سأحمل الكاميرة وأنتقي الموقع المناسب ,لألتقط صوري المميزة لكن … ليس لسيول الحمم البركانية ولا لما ستخلّفه من حريق ودمار, بل لأعثر  بين الصخور والخرائب على براعم يانعة خضراء , تؤذن بعودة الخير,  تبشّر بحياة اجتماعية حضارية مفعمة ٍ بالنشاط , تسطع فيها شمس القيم الحضارية والتعايش الانساني , تقوم على أرض طاهرة  تنبع وفاءً وثقةً, وتحت سماء تمطر بركة ومحبةً, وإنّ غدٍ لناظره قريب .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق