ثقافة المقال

بينَ أنيابِ العَولـمة

بقلم / أ. يوسف الباز بلغيث*

أعجَبُ لأمّةٍ ٱمتلكتْ كلَّ مقوّماتِ الرّيادةِ، ولم تتقدّمْ..! كأنّما خُلقتْ للاقتتاتِ على ذكرياتِ الماضي والبكاء عليه، وعلى الرِّضَى بالقضاءِ والقدرِ دونَ أن تحرّكَ ساكنًا لتغييرِ حالـِها ! إنَّ الدّبابةَ الفكريّةَ للعدوّ التي تدهَسُ قُرانا و مُدنَنا الفكريّةَ ،الواهيةَ،على نظيرٍ لِدهس فيلٍ عظيمٍ نملةً صغيرةً !.. والغيبوبةُ التي يعيشُها العربُ _حيالَ ما يدورُ بمسارح أوطانِنا_ من كيدٍ خفيٍّ و ظاهرٍ تجعلهم يحقّقُون مبدأَ الإيمانِ بـِــ”الوَهَن” مصداقًا لحديثِ الرّسولِ ( صلى الله عليه وسلم ) دون الانتباهِ إلى خُطورةِ الوضْعِ المدبَّرِ، الآتي على كلِّ مقوِّماتِ وجودِنا. فبالنّظرِ إلى دورِ الإعلامِ الرّقميِّ في بثِّ الرّوحِ المدمِّرةِ الخلاّقةِ ، يلِجُ البعضُ أرقى وسائلِ الاتّصالِ، وأكثرِها ٱنتشارًا (الفيسبوك) ..هذه الآلةُ الهامّةُ التي يحسِبُ الكثيرُ من أبنائِنا بأنّها إضافةٌ نوعيّةٌ للتّواصلِ الإنسانيِّ خدمةً لفكرةِ “العولمة”..التي تقرّبُ المسافاتِ، وتطوي التّضاريسَ بنَقرةٍ متواضعةٍ، حتى يلتقيَ الشّماليُّ بالجنوبيِّ والغربيُّ بالشرقيِّ على مائدةٍ واحدةٍ؛ شمعدانُها حريّةُ التّعبير، وشموعُها التّعارفُ، وعَشاؤُها تبادلُ  الخبراتُ و الرُّؤى. ولكنَّ الضّمنيَّ في هذه الميزة أنّها ترصدُ كلَّ ما يجولُ بخواطِرنا، وأحلامِنا في تلك السّهرةِ الجميلةِ ؛و الأنكى أنّه مَنْ ينقلُ ما سبقَ جاسوسٌ، يلفّفُ مودتَه تارةً بصورةِ “القدس”، وأخرى بشعارِ “الحلم العربيّ أو الإسلاميّ”.. ونحن في غفلةٍ غفلاءَ، يتراءى لنا السُّمُّ عسلاً، فنلعقه، ولا نكاد نُسِيغه !

إنَّ الآلةَ الصّهيونيّةَ _ بما أنتجتْ من شيوعيّةٍ و ماركسيّةٍ و طوائفَ و نعَراتٍ و …._ لا تكادُ يهنأُ لها بالٌ ، أو يغفُو لها جفنٌ إلاّ و تثيرُ الفوضَى و تصدِّرُها لكلِّ ربُوع العالمِ ؛ و نحن نلهُو ،و نعشقُ الصُّورَ و الفيديوهاتِ و الأغانيَ ، و نركضُ خلفَ العُرْي ، و كلِّ ما يتّصلُ بإثارة الغرائز ، لنبقَى بعِيدينَ عن المحورِ الأساسِ ، و القضيّةِ الأمِّ..إنها فرصةٌ عظيمةٌ تفطَّن إليها العدوُّ، و خطّطَ لها بإحكامٍ، لأنَّ المواجهةَ العسكريّةَ و الجسمانيّة ستفرضُ منطقَ الغلبةِ لمليارٍ و ستمائةِ مسلمٍ حيالَ كمْشةٍ من اليهود ، و لتحقيقِ أسرعِ و أبلغِ النّتائج ٱحتاجَ العدوُّ الخبيثُ إلى آلةٍ حربيّةٍ فتّاكةٍ ,دُون تخطّي حدودِ ٱستيطانِه ؛ إنها فكرةُ قنواتِ التّواصلِ الاجتماعيِّ ،و على رأسها ( الفيسبوك) ..فهو يؤلِّبُ الخاطرَ و المزاجَ ، و يهدمُ الأخلاقَ، و يثيرُ النّعرةَ ، و يفشي الشّكوكَ و الخياناتِ ؛و يَبقَى شِقٌّ بسيطٌ فيه يضِيئُ الطّريقَ حافظًا لماءِ وجهِ العلمِ و البحثِ، لا يرتاده إلاّ القليلُ ، كما يرصدُ كلَّ مخطّطاتِنا ،و نوايانا تجاهَ مَن نتكلّمُ عنه في السِّرِّ ، و هو يحضرُ ٱجتماعاتِنا ، و يحفظُ توصياتِنا ؛بل  و يُديرها و يملي علينا غطاءَ أخٍ مخادعٍ ، أو منافق..!

… ساءَني أنْ بعثتُ لأكثرَ من صديقٍ بالفيسبوك_ إلاّ من رحم الله_ تنبيهًا أو إشارةً مسيئةً للدّينِ أو للرّسول أو.. و ٱكتفى بإعجابٍ لا يساوي قَدْرَ و كمَّ حروفٍ، ساقها معلِّقًا مرّاتٍ على صورةٍ لا تضيف فائدةً ، و لا تزيدُ سوى حسرةٍ و إثارةٍ ، يسبقان قناعةً مسبقةٍ بأنْ لا جدوى من محادثةِ مومسٍ أو شاذٍّ ! و مَنْ ٱستجاب ؛ كتب ” بَلَغْ !”..

.. هل لي أنْ أتساءلَ عمّا يفعلُه محترفُو الأنترنيتِ و البرمجيّاتِ العربُ من أنْ يبتكروا سلاحًا مضارعًا لهذه القنواتِ التّواصليّةِ، ليواجهُوا عَدُوَّهم بما لا يدعُ مجالاً لأنْ يطَّلعَ على همومِنا و أحلامِنا ؟..فمتى نُصدّرُ هيبتَنا للعالم ؟ و متى يحينُ الوقتُ ليقفَ العالمُ باحترامٍ لنا ، لا يسيءُ إلينا بمقدَّسٍ و لا يسخرُ منّا بمقوِّم..؟!.. عجبًا ! صدق حافظ إبراهيم ( أمّةٌ قد فتَّ في ساعدها … بغضُها الأهلَ ، و حُبُّ الغُرَبـَا ) .. إذ هيَ المعضلةُ بحقٍّ..فما يأتينا منَ الضّفّةِ الأخرى _ مفخّخًا _ بالفيسبوك و غيرِه نعشقُه و نحتضنُه ؛ و ما نؤسِّسُ له و نولّدُه عندنا نزدريه و نثبطُّه .. ثمّ ندفنه !

… الدّعايةُ الرّقميّةُ اليومَ بمختلف ما تحملُ من راياتٍ ،و شعاراتٍ ،و نداءاتٍ باسْمِ الثّوراتِ و الرّبيعاتِ الحمراءِ العربيّةِ و الدّيمقراطيّةِ الجوفاءِ ، تحملُنا إلى التّمسُّك بضرورةِ الدّعايةِ المضادّةِ ، البنّاءةِ ، الرّاشدةِ، للوصول إلى الآخر بعقلانيّةٍ و ٱحترامٍ و هيبةٍ ، و لا سبيلَ إلى ذلك إلاّ بتقديرِ الذّاتِ و موروثِها و إمكاناتِها البشريّةِ و الماديّةِ ، و في قراءةِ تاريخِها بالشّكلِ الصّحيحِ ؛ لأنّنا أمّةٌ تقرأُ _ كما وصفَها أعداؤُها_ و لا تفهمُ ،و لا تستفيدُ من أخطائِها ، و إن فهمتْ فلا حياةَ لمَن تنادي !

… إنّ تنويرَ عقولِ شبابِنا بمسؤوليّتِه ، و رسالتِه المنُوطةِ به ، يُوجِبُ علينا تنبيهَهُ إلى هذه الخطّةِ الصّهيونيّةِ الشّمطاءِ ، بَدْءًا من عشقِهم المستطيرِ لتسريحاتِ الشَّعر لدى لاعبي الكرةِ العالميّين،و التّقليدِ الأجوفِ لتلكِ الملابسِ الكاسيةِ، العاريةِ، الفاضحةِ ،المفضِّحةِ لقُدوتهم من مشاهيرِ المغنّين و الممثّلين؛ و الاستعمالِ السّلبيِّ للتّكنولوجيا ( هواتف / أنترنيت ) مذكّرينَ بمدى الخطورة التي لا يولونَ لها ٱهتِمامًا، مُقَلّلينَ من شأنِ ما يترصّدُ لكيانهم ، إنّها الفرصةُ الحقيقيّةُ لاقتناصِ رحيقَ هذه القنواتِ، بما ينهضُ بأفكارِهم ،و يوجّهُ تفكيرَهم ،و يشيِّدُ هممَهم ،و يزيلُ مخاوفَهم ،و يستأصلُ رغبتَهم الجامحةَ في تقليدِهم الأعمى للغرب ، و يا ليته يقلّدُه في ما برعَ فيه و تطوّرَ ؛ و قد عشقَ القشورَ ، و تعلّقَ بها  ، و كرهَ اللُّبَّ و نفرَ منه !

.. فهل ثقف العربيُّ بأنّه مجرّدُ دميةٍ ، يلعبُ بها شُذَّاذُ الآفاق ، و يرسمونَه _كما يشاؤُونَ_  مرّةً إرهابيًّا ، وأخرى غرائزيًّا في العيونِ التي لا تعرفُه حقيقتَه جيّدا و تحسَبه كذلك ؟ و بالتّالي سيكون غيرَ مُؤهّلٍ لأنْ يقودَ العالمَ ، ما دام ٱهتمامُه و همُّه بالدّنيا بكلّ جوارحه ، عدا عقلَه !؟

الجزائر _  أفريل / 2012

 

*كاتب وشاعر جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق