قراءات ودراسات

’’جريمة قتل في حديقةٍ هندية’’: رواية من العالم السفلي الهندي

عثمان بوطسان*

ولد فيكاس سواروب سنة 1963 .كاتب ودبلوماسي هندي عمل كمتحدث رسمي باسم وزارة الشؤون الخارجية وشغل منصب المفوض السامي للهند في كندا. انضم سواروب إلى السلك الدبلوماسي الهندي في عام 1986 وخدم في تركيا والولايات المتحدة وإثيوبيا والمملكة المتحدة وجنوب إفريقيا واليابان، وفي مختلف البعثات الدبلوماسية الهندية. في أبريل 2015 ، تم تعيينه متحدثًا باسم وزارة الشؤون الخارجية في أقسام الدبلوماسية العامة في نيودلهي، خلفًا لسيد أكبر الدين.
بعد النجاح المذهل الذي حققه الكاتب بفضل روايته Slumdog Millionaire ، يمكن للقارئ العثور على كل العبقرية وروح الفكاهة لدى فيكاس سواروب في رواية ’’ جريمة قتل في حديقة هندية’’ حيث الأصالة والتشويق والإثارة. في مساء يوم 23 مارس، بينما كان يحتفل فيكي بهدوء بتبرئته من فضيحة قتله لفتاة صغيرة، يتم قتله في حفلته بحديقة منزله. كان يحيط به العديد من الأصدقاء، ولكن أيضًا بعض الأعداء. في الواقع، بعد التحقيقات الأولى التي أجرتها الشرطة، سيتم الإعلان عن ستة من المشتبه بهم، كل منهم يحمل سلاحاً ناريًا من المحتمل أن يكون قد أطلق الرصاصة المميتة. أثناء انتظار تقرير الشرطة الذي سيحدد وجه الجاني، يقدم لنا المؤلف مباشرة ست شخصيات غير نمطية ومتنوعة: من بينها بيروقراطي يعتقد أنه يمتلك روح المهاتما غاندي، ممثلة شابة نجمة بوليوود يعشقها ملايين المعجبين ومتأثرة بنتشه، شخص من السكان الأصليين الذي غادر جزيرته الأصلية لاستعادة الحجر المقدس الذي سُرق من شعبه، لص الهواتف المحمولة الذي يقع في حب فتاة من المجتمع الرفيع، تكسيكي ساذج وأخرق يعمل في وول مارت جاء للهند بغرض الزواج من امرأة والحقيقة أنه أراد خداعها… ناهيك عن والد الضحية، وزير الداخلية في ولاية اوتار براديش السياسي الفاسد حتى النخاع. ويبدو أن الجميع كان لديهم دافع جيد لقتل فيكي راي، لأنه شخص فاسد وبغيض مثل والده. يُصعِّب الكاتب على القارئ الوصول الى مرتكب الجريمة،و العثور عليه من بين هذه الشخصيات القوية والغامضة..

تحملنا الرواية من القصور في دلهي إلى الأحياء الفقيرة في ميهريولي، من المؤيدين للإرهابيين الكشميريين إلى أكواخ أندامان، من ضفاف نهر الغانج إلى السجاد الأحمر في بومباي، من التعطش إلى العدالة أو الانتقام أو المخططات السياسية أو البحث عن طوطم ضائع أو خطيبة عن طريق المراسلة، ويبدو أن جميع الطرق تؤدي إلى حديقة الجريمة. يبقى السؤال المطروح دائما: من قتل فيكي؟ القاتل ليس أحدا من المشتبه بهم. فالقاتل الحقيقي صحافي يدعى آرون أدفاني الذي تظاهر بأنه خادم. كان يتنصت على فيكي وعلم أنه كان يخطط لقتل والده على يد مختار. كان قد خطط لقطع التيار الكهربائي لمنح مختار الفرصة للارتكاب الجريمة دون أن يراه أحد. لذا انتظر آرون هذه الفرصة لقتل فيكي وأخفى سلاح الجريمة في حذائه.
إن الهدف من الرواية هو توضيح أسباب جريمة القتل، والتحقيق يبقي القارئ في حالة من التشويق المستمتر، مع احتمال وجود العديد من المشتبه بهم، والعديد من الهواتف النقالة. كان لدى الكثير من الأشخاص أسباب لقتل فيكي. ولكن في النهاية، فإن هذا القتل والبحث عن الجاني ليسا سوى ذريعة يحاول من خلالها الكاتب أن يدفع القارئ لاكتشاف “الهند كما لو كان يعيش هناك”. من الواضح أن الطبقات العليا لديها القوة والمال، أما الطبقات الدنيا لا تملك القدرة على الخروج من البؤس والقذارة والمرض والتسول الذي يعيشون فيه طوال حياتهم. يجب أن نذكر أنه منذ استقلال الهند، فإن هذا النظام الطبقي لا قيمة له نظريًا، بالرغم من أنه أعلن رسميًا عن تكافؤ الفرص بين جميع الهنود… ولكن في بعض الأحيان لا تختفي عادات الأجداد في أي بلد بين عشية وضحاها، لا يطبق القانون بالشكل السليم و لا تتغير قوة السلطة أو المال. هذه العناصر تجعل من هذه الرواية كوكتيلًا ملونًا ورائعًا للغاية حيث يجد المرء شخصيات من جميع الطوائف والطبقات. يجد القارئ في رواية فيكاس سواروب العديد من الجوانب المظلمة للمجتمع الهندي : ألعاب السلطة، مكر السياسية، الطبقات المختلفة، الحيلة، السرقة، الكذب على الآخرين الذين يحاولون البقاء على قيد الحياة في هذه الفوضى العارمة. يصف فيكاس سواروب بموهبة عظيمة هذا البلد الذي يعرفه عن ظهر قلب. يقدم للقارئ تحقيقا بارعا وذكيا حيث يختلط الجانب الفكاهي بالواقعية القاتلة، والمواقف المضحكة بالكثير من التقلبات المجتمعية.

تسافر الرواية بالقارئ في جميع أنحاء الهند: دلهي، كلكتا، بومباي، مدراس، بيناريس، جايسالمر، لتعود به مرة أخرى إلى ضواحي دلهي. يكتشف موضوعًا مهمًا بالتأكيد للمؤلف: العدالة بين طبقتين والفساد الحكومي؛ وجه السياسيين الفاسدين الذين يعتقدون أنفسهم فوق القانون، الفقراء الذين يتعين عليهم القتال من أجل البقاء على قيد الحياة والذين يجب عليهم أن يعيشوا الظلم دون أي تعويض، وكذلك مشكل الإرهاب والتوترات بين الهند وباكستان. ينتقل القارئ دائما من المنازل الفخمة إلى الأحياء الفقيرة ليكتشف خبايا الهند، تناقضاتها، أسراراها والفوضى التي تعم في الجانب المظلم والسفلي لهذا البلد.
خلق المؤلف الكثير من الأساليب وفقا للشخصيات (مذكرات للممثلة، وسجلات الهاتف للسياسي الفاسد) وبالطبع الصياغة اللغوية والمفردات التي كيفها مع كل هذه الشخصيات المختلفة عن بعضها البعض، لا من حيث الطبقة التي تنتمي اليها، أو الايديولوجية السياسية والدينية. تتعد خيوط الرواية وتتشابك فيما بينها، مما يخلق التشويق الذي كان يسعى اليه الكاتب وهو أن يجعل القارئ في حيرة من أمره، أمام الكم الهائل من المعطيات والخيوط الصغيرات ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسية الخطيرة. فمن خلال الرواية، يتعرف القارئ على الروابط بين كل من الشخصيات والمواقف التي لا تصدق في بعض الأحيان. إن تحول الأحداث، خاصة بالنسبة للممثلة الأكثر روعة في بوليوود ومظهرها على حد سواء، سيجعل القارئ يشعر بنوع من الفزع. ترفع الفصول الأخيرة من حدة التوتر، لحل لغز قاتل فيكي راي.

سيلاحظ القارئ أن هناك تدريج في تقديم الشخصيات، بحيث يقدم الكاتب شخصية بعد أخرى. يقدم شخصيات بمشاكلها وهموما و الكوارث الكبرى التي تدفعها إلى التفكير في جريمة القتل للخروج من هذه الكوارث. سيعيش القارئ في الرعب الهندي، في الأحياء الفقيرة، مع المتسولين الخارجين عن القانون، سيتعلم فن المراوغة، ويكتشف فساد النخب السياسية ومخططاتهم الإجرامية. ’’ جريمة قتل في حديقة هندية’’ هي في الحقيقة، انتقال من أعلى مستوى في الدولة الهندية إلى العالم السفلي حيث الظلام الحالك؛ حيث لا قيمة لحياة الفقراء، لا قيمة للمرأة ولا للحياة البشرية عامة. تتطرق الرواية أيضا إلى مشكل كره الأجانب والتطرف الديني. يعرض المؤلف بلده الفاسد، الشيء الذي يجعل لجميع الشخصيات سبب أو أكثر لارتكاب جريمة القتل.
’’جريمة قَتل في حديقة هندية’’ ليست مجرد رواية عادية، حيث الأحداث والواقع مستلهمة من الحياة الهندية اليومية. بل محاولة للتفكير في مفهموم الموت الذي تحول الى شيء عادي في مجتمع يموت فيه الكثير من الأشخاص يوميا دون أن يكترث لهم أحد. يموت العشرات يوميا في شوارع الهند بسبب الجوع والأمراض واللامبالاة التي يعيشونها بسبب السياسة الفاسدة والتدرج الطبقي المتوحش. فجريمة القتل أو الموت تختلف اختلافًا كبيرًا وفقًا لطائفة الضحية، لكن فيكاس سواروب يخيط روايته بالتدرج مستعملا الكثير من النغمات والأنماط السردية لتقريب القارئ من الجو المشحون الذي يعيشوه الهنود وابراز الفوارق بين الطبقات والديانات. ننتقل في هذه الرواية من جلسة روحانية إلى جريمة قتل سبقتها جرائم أخرى. لكن الجميل في كتابة فيكاس سواروب هو سعيه المستمر الى خلق لغة سردية نابضة بالحياة تتناوب بين المذكرات، و السيرة الذاتية، و المكالمات الهاتفية أو الخطابات الاستنكارية.

قراءة هذه الرواية من شأنها أن تغرق القارئ في الهند التي تنبض بالحياة وتهتز كل مرة على وقع جريمة قتل. كما أن الرواية تفضح عنف الشرطة وتتطرق لظاهرة الاغتصاب لمجرمين هاربين من العدالة بسبب الطائفة والأسلحة والسلطة والفساد السياسي. فالمجتمع الهندي بالرغم من الثروة الثقافية التي يتمتع بها، الا أنه منطقة ينتشر فيها الفساد والإرهاب بشكل كبير… بالرغم من كل هذا، يتمسك الكاتب بالقليل من الأمل، الذي يجلبه الحب الخالص والأشخاص الأبرياء.

كاتب وباحث متخصص في الأدب الأفغاني المعاصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق