ثقافة السرد

نينا والذّئاب البشريّة 2

مصباح (فوزي) رشيد

أكذب إن قلت لها إنّني أبحث عن إقامة علاقة جادّة معها ، ورغم ذلك أريدها حاضرة أمامي بكل رغبة وشوق ، ليس هو ذاك الحب الذي عشته ، ولكنه نوع من الفضول يدفعني لمعرفة المزيد عن هذه الفتاة التي أعجبتني كثيرا ، وأنا لست خبيرا في الجمال .
ركبت رأسي : ” لن أبرح المكان حتّى تأتي ” . وبقيت متشنّجا ، لكن ثابتا على نفس المبدأ، أعدُّ الدّقائق والثواني والأعشار … وفي الأخير هاهي قادمة ولاح خيالها من بعيد ؛
جاءت تهرول كأنها فازت في سباق ، وحاولت كتم أنفاسها المتسارعة وقد أحكمت قبضتها على حقيبة اليد حتّى لا تُفلت منها ، خوفا عليها وعلى ما فيها من أسرار ربما .
عندها أدركت أن أختها هي من أخبرتْها على مضض ، ولم تكن ترغب في حضورها ، وقعدت على مضد – كما يُقال – لمّا عرفت أنها ستأتي لا محالة ، وأنها في طريقها إلينا . فلم تجد أفضل من أن تحجز مكانة لها و لو في الخلف ، فالفرصة قد لا تتكرّر . ولا مجال للإيثار .
منعرجات الطريق تطوّق سلسلة الجبال كالعقد في رقبة نينا ، في أدنى الأرض مطعم ” لاكارافيلا ” الشّهير ، كالجوهرة المفقودة في الكورنيش الجميل ، والذي يعود له الفضل في تسمية المدينة بذات الاسم .
إخترنا نحن الأربعة الجلوس جنب النّافذة المطلّة على بحر المتوسّط ، نراقب الأمواج العاتية تصفع الصخور بكل قواها محدثة صخبا يشبه صوت الكمان الأجهر الغليظ ، ثم تنسحب تاركة وراءها رغاوي بيضاء كرغاوي الصّابون ، تتحول الرّغاوي شيئا فشيئا إلى ما يشبه ” الشّنينة ” أو اللّبن ؛
حين كنت طفلا صغيرا ، وكانت الحرف التقليدية هي السّائدة قبل أن تغزوها المعلّبات بأغذيتها الوخيمة ، تعوّدت على رؤية الحرائر يخضَضْن شكوى معلّقة ويصنعن من الحليب أو اللّبن ما يُسمّى ” شنينة ” و لايكْلِلْن ولايملُلْن طول النّهار من المواويل والخض .
جنب النّافذة المطلّة على أديم المتوسّط الأزرق ، يروي لنا البحر قصة وجوده ” السرمدي ” .
تقول لي نينا إنّها لأول مرّة تخرج مع رجل .
أنظر إلى تلك المزحة ! مثل هذا الكلام الذي لا ينطلي حتى على الصغار الرضّع ، وهي من كانت وراء الموعد و أوصلتنا إلى المكان الذي نحن الآن فيه .
هذا المكان الذي لا يبعد كثيرا عن الإقامة الجامعية ، مكان رائع بكل المقاييس ؛
لكل من يبحث عن الرومانسية وتحرير المشاعر الأسيرة وتمضية الأوقات الجميلة ، بغض النّظر عن الرّفيق .
سحر المشاهد لم يترك لنا فرصة للكلام ، لكن توتُّر الأمواج المتزايد ، وتلاشي زرقة البحر ، وأنوار المصابيح التي بدأت تطلع علينا من كل جانب كنبات الفطر ، ولباقة النّادل الواقف طول الوقت ، غير بعيد عنا ولسان حاله يقول ” بامكانكم الانصراف ” …وكان لا بد من وضع حدٍّ لهذه المشاعر الجيّاشة حتّى لا ننسى أنفسنا.
أردت أن اختمها بنوع من الهزل فقلت للبنت :
” نينا مدّي يدك ” مدت يدها ، وربما كانت تتمنى أن ترى فيها الحنّة ، مثل كل البنات .
وخاصّة الأمّهات ، كل الحق للأمّهات المكابدات في رؤية بناتهن مبتهجات وبزي العرائس .
لكن الذّئاب الفتّاكة لا تنصرف حتّى تترك بصماتها ملطّخة بفرائسها .
ردّت بصوتها الدافئ الحنون :
” هل تقرأ الكف ؟ ” أمسكت عن الضّحك كي أبدو جادّا فيما سأقوله لها :
” شوفي يابنت الحلال اسمك نينا صح ؟ “
قالت ” إيه “
استطردتُ : ” اسمك جميل وصاحبته حنونة وتحب الضحك والهزار. صح ”
أومأت برأسها أن ” نعم ”
” لديك إرادة تكسر الحجر . صح “
تمايحت قليلا كالسكران ولم تنبس ببنت شفة .
واصلتُ كلامي دون انقطاع : ” نينا رومانسية ، لديها روح المسؤولية ، تحب الخير للآخرين ، تكره النّفاق والكذب وتحب الصّراحة وتعمل بالنّصيحة ” قلت : ” .صح ” أخذت نفسا طويلا كأنّما تنفّست الصّعداء.
” شوفي يابنت الحلال الشخص الذي أمامك متزوّج وله أربعة أطفال والخامس إن شاء الله في الطّريق”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق