ثقافة المقال

بــوح مر !؟

د.مصطـــفى غلـــمان*

1 – تنبهت متأخرا إلى أن كل الكائنات تعيش حالة نفور قوية تجاه آثار الصدمات التي تخلفها كل تصريحات الحكومات المتعاقبة الغبية التي تسير على جراحاتنا بخطى سلحفاة البحر وهي تئن تحت وطأة الجوع وقيود شبكات الطحالب والطفيليات.
فالذي قاله الوزير سلف السالف عن خدام الدولة يمكن أن يقوم بإتلاف كل أجهزة العقل البشري، من ارتفاع ضغط الدم إلى تصلب شرايين القلب. والذي تبعه بعد الغضبة الملكية المشهودة عندما اكتشفنا سرا من أسرار الدولة العميقة حول متاهة احتجاجات الريف وقبلها طحن المواطن الحسيمي بأمر من صاحب الحوت . والسالف الذي تبرأ من فساد عشب الملعب الغارق وما جاء في رواية ( الكراطة) بعد اختلاف لصوص المال العام وظهور المسروق، إلى المفلس الراهني الذي يجهل قراءة نص مكتوب تحت الأمر!
أيها السادة، دعونا نقوم بتقييم زمن يضيع بين مشاق الحياة وانتظارية مليئة بحفر غمرت دهرا من النقاش الفارغ في كل شيء. من علاقاتنا المشوشة بالتاريخ والجغرافيا وتقطيع أوصال الوطن، إلى ارتفاع أسعار الفاصوليا والعدس والخضراوات وفواتير الماء والكهرباء والكازوال وضريبة الدخل، إلى اجترارات بوليميك متكرر يمسح العقل من كل ما هو استراتيجي وحاسم في هذه البلاد السعيدة!
ماذا نوفر لكل لحظة نعيشها لعالمنا القادم؟
مجرد اختزال نظري بسيط لتقييمات من المفروض أن تثار على رؤوسنا جميعا ..
2 – أنا من جيل ستينيات القرن الماضي. تشربت تقاليد المجتمع المحافظ. شأني شأن أقراني ممن جايلوني. ولجنا المسيد، فكان محطة أولية للانضمام للمدرسة التي كانت تشهد فورات عميقة في قابليات تشكل العقل الذي بدا وكأنه ينهض من رماده السحيق.
لم يكن الشك عندنا سوى قطعة من مناهج النظرية الجاحظية المبنية على قاعدة من الشك إلى النقد ومن التجريب إلى المعاينة. وبعده قرأنا وناقشنا الشك الديكارتي الذي ينتهج ثلاثة أبواب للوصول إلى اليقينيات الثابتة : إثبات وجود النفس وإثبات وجود الله وإثبات وجود العالم الخارجي.
ونظمنا خلال الدراسة الجامعية حلقات للنقاش في مقارنات الشك عند المعلم الغزالي والفيلسوف ديكارت، ولم نغفل طبعا ما ترسخ في قراءتنا الشجية من الاقتراب من منهج طه حسين والعقاد في كل ذلك.
لم نغفل مساءلة ذواتنا عما ورثناه من التقاليد، كما الحواس والعقليات. وكنا نعلم جيدا أن النظر في الخلق / المادة أكبر قوة لتبصر الماوراء، وأن الإحجام عن فعل ذلك هروب إلى المجهول.
لهذا كنت دائما أنتقل بالتجريب الفكري والتريث في فهم المآلات والتأمل في معرفة الخلاصات وتاريخ الإنسانية، متحصنا بالمعنى القيمي والانطولوجي للوجود، من حيث هو إدراك للجوهر وتحقيق لعدالة الخلق والتخلق.
لن أنسى أبدا ما حييت الحكمة الخالدة لأبي حامد الغزالي التي دثرتني برداء المحبة وألهمتني الصواب والرهبة من المستقبل . تقول الحكمة ( فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر في العمى والضلال).
الآن، بعد خمسة عقود ونيف، وقد كان ما فيها من نزق البحث عن الذات، وعن قواصم الدهر وانكسارات الحياة، وعن أسئلة القلق الكينوني للمثقف ودوره في المجتمع المهضوم هويته المنقوع في طست الخنوع والتآكل، لا أبرح هذا اليقين السمي والمجد الزكي إلا ومت على مذهبيته ونلت رضى ومحبة الله به.
فمن كان يريد أن يقصر الطريق إلى قطعية اليقين الذي تغمس بمسار طويل مرير من النحث في الصخر والقعر، ومن السفر المتعب والشاق في بيداء المغامرة والتشرد، فليختر أن يرد عقله جوانح الشوق إلى مبرة العرفان، وأن يشحذ النفس بنياط الخشوع ووجاء الترقي ووحشة الروح عند اغترابه.
3 – معنى أن أكون يساريا ليس بالتأكيد مخالفة وجود الخالق. وليس إيماني بمبادئ وقيم اليسار التأفف من قناعاتي الدينية وتوجهاتي الثقافية.
اليسارية حتما لا تدعو لمثل هذه الأفكار السخف ولا تولي اهتماما لعقائد مناضليها، بقدر ما تربط علاقاتها الأيديولوجية وشرطيتها التدليلية من قطائع التغيير والإصلاح وإعادة تأسيس المجتمع انطلاقا من حوافز التمدن والحداثة عبر جسر قيم المساواة والكرامة والحرية.
هناك نزعات جديدة ليست من مجتمعنا المغربي في شيء، أضحت تقيم شرائعها الإسقاطية عبر تحويل فكر اليسار إلى تكية للتدجين والغوغائية ودحض نظرية الاعتقاد بالشريعة الإسلامية والهجوم على رموزها وشخوصها وتاريخها وتراثها.
أنا يساري حركي معتقل سابق، أومن بفكر اليسار كدعامة للعقلانية والتنوير والفكر الحر . لكني أرفض رفضا باتا ومطلقا أن يهان ديني أو نبيي.
حريتي : (ما وهبني الله من مكنة التصرُّف لاستيفاء حقّي وأداء واجبي دون تعسف أو اعتداء).
وما عدا ذلك فنتف من تأويلات المقروء، ولعل العقل ينظر إلى الواجب فيجده أقرب إلى الفعل منه إلى الجهل المركب.
أعاذنا الله من كل جهل جهيل ومستجهل مجهول وجاهل جهلا وجهالة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق