ثقافة النثر والقصيد

ينامُ الجميعُ ولا ترقدُ الذكرياتْ

محمد الأمين سعيدي

في العيونِ نرى زمنا

يتساءلُ عن ظلِّه في المكانِ

وعن لونه في مرايا الغد المنتنهْ

في العيون نرى مدنا

تتساءل عن أهلها الغائبينَ

وعن شجر خائفٍ من سماءٍ بلا مطرٍ

وبقاعٍ بلا أزمنهْ

الصباحاتُ مثقلةٌ كخطى القادمينَ من الجرحِ

باردةٌ كرصيفٍ يوضِّبُ أغراضه ساعةَ الحربِ

ساخنةٌ كدمِ الشهداءِ

والصباحاتُ لمْ تنتبهْ لفناءٍ قريبٍ

ولمْ تبصر الرومَ عندَ الحناجرِ

لمْ تقترفْ خطأ لنفاجئَ بسمتها بالدماءِ

نتمشَّى قليلا على وجعٍ في المدينةِ

نعبرهُ شارعا شارعًا

صرخةً صرخةً

فنرى جثثا تتقاسمُ أمجادَها

وتفتِّشُ عنْ موطئٍ للهجوعِ

وعنْ قطعة من ترابٍ تواري بقايا الجسدْ

ونرى الأحمرَ العربيَّ

يلوِّنُ وجهَ الجهاتِ

ويطعمُ جوعَ المعاناةِ هذا الدمَ المتَّقِدْ

تنامُ الرؤى

ينامُ النهارُ، البيوتُ، البناياتُ،

جوعُ اليتامى، عويلُ الفجيعةِ

شمسُ الظهيرةِ، شوقُ الفتاة إلى رجلٍ يعشق البندقيَّةَ،

حرُّ الصبابةِ

ليلُ فراقٍ يؤجِّل دمعته للصباحِ،

وشعبٌ يفتِّحُ أبوابَهُ لصهيلِ الرصاصِ،

وينسجُ من نزْفهِ كفنا دافئا للحياةْ

ينامُ الجميعُ ولا ترقدُ الذكرياتْ

في النهايةِ

لمْ ينسَ صوتَ الجراحِ سوى الريح

لمْ تلتفتْ أبدا للوراءِ

ولمْ تلتحفْ بخوارِ الأنينِ

ولمْ تعرفِ الوالجينَ إلى الموتِ في يدهم بؤسهمْ

لمْ تراقبْ سوى وقعِ أقدامها في سماءٍ رماديةٍ مضجِرهْ

في النهايةِ

لم يبقَ غير صدى كلماتٍ تضجُّ

وتجهشُ بالإنتصارِ

أمامِ غدٍ مفعمٍ بانكساراتنا المضمرهْ




*شاعر جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق