قراءات ودراسات

محمد دلة في ” مرثية الفارس الغريب ” يتجلى شعراً وموقفاً

بقلم: محمد علوش *

الشعر الحقيقي ينتصر باللغة على هزيمة الكائن مشكلا فضاء تراجيديا يركض في مراوغة المعنى وأشراك اللغة ، كونه يظهر الألم الإنساني الناشئ من احتكاك الإنسان بالكون ، حيث تبرز حالات انفجار مطلقة في الصيرورة والفكرة تحملها تعاويذ الكلمات التي تعمل جاهدة على إبراز ما يقال وما لا يقال ، كما هو الحال في المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر الفلسطيني محمد دلة ، والموسومة بـ ” مرثية الفارس الغريب ” .
إن تجربة محمد دلة تجربة شعرية ثرية تتميز بازدواجیة المأساة والصراع أو بما هو أكثر من ازدواجية ، فالنصوص موزعة شكلانياً ضمن ثلاثة ألوان من النص الشعري : قصيدة النثر وقصيدة تكسير البنية كما يحلو للشاعر محمد دلة تسمية قصيدة التفعيلة وقصيدة تكسير البنية واللغة كما يسمي قصيدة النثر ، وهذا جعل القصائد تتوزع على ثلاثة مسارات سردية على الأقل ، ووظف الشاعر من خلال هذه الحوارية مخزونه اللغوي والأسطوري ومشاعره الإنسانية والقومية والوطنية ليؤكد جدارته بصهيل القصيدة وجدارة الفلسطيني الإنسانية والمعرفية والفنية والحضارية والرسولية بهذا الوطن المحنى باللغة والأنبياء.
في مجموعته الشعرية الجديدة ” مرثية الفارس الغريب ” – والتي صدرت عن منشورات دار الرعاة للدراسات والنشر برام الله ومنشورات جسور ثقافية للنشر والتوزيع في عمان – يقدم الشاعر نصوصا تحمل راية الراوي وتحفل بالجمالية الشعرية المتأتية ليس فقط من الموسيقى الخارجية الناتجة عن الوزن والقافية أو تشابه الأنماط اللغوية ولكن من خلال طبقات المعنى التي تتأتى من التعمق في الكلمات ودلالاتها وإحالاتها الأسطورية والدينية والعلاماتية والاشارية التي يشي بها السياق.
معظم الألفاظ ذات المعنى ( تمييزاً عن الألفاظ الوظيفية ) تمتلك ذواكر عميقة يتم توظيفها في النصوص للحوار والتعددية والأسطرة.
يقول الشاعر في قصيدة ( تأخرت يا نجمتي في الهديل ) أولى قصائد المجموعة :
” لماذا تأخرت يا نجمتي في الهديل
وبكر بالهم طيني وعشبي
لماذا سفحت المواعيد قبل صياح النبيذ
وباللت بالخل كسرة قلبي
لماذا وقصفة زوفا تعربد أنفاسها
تراود عيني وهدبي
وبحر من الملح يكفي لأكسر ساق الدروب
ويكفي لندبي ” ( ص 13 ) .
الرسالة الأولى التي يبعث بها النص هي شكوى عاشق من تأخر الحبيبة التي كنى بالنجمة عنها ضمن بكائية تعبر عن عشق شفيف وحزن عميق حفه تأخرها وغيابها ، ولكن لو قشرنا هذا المعنى وتعمقنا أكثر في النص لوجدنا الشاعر يتحدث عن نجمة الهديل والزوفا وكسر ساق الدروب وصياح النبيذ وسفحت المواعيد ضمن صورة لو أعيد تجميعها اعتماداً على الأسماء في النص – والتي كما يرى هاليدي تحمل صلب الموضوع وتحدد حقله – لحصلنا على قناع المسيح الذي شاهد الرعاة المجوس نجمته فبحثوا عنه ونسمع المسيح في العشاء الأخير يقول لبطرس ستنكرني قبل صياح الديك ثلاثاً ونشاهد رجال بيلاطس وهم يرشون الخل على عطش المسيح من خلال قصفة زوفا ويكسرون ساقه بعد صلبه ، فماذا أراد الشاعر من هذا الاستدعاء لمشهد صلب المسيح ، أأراد أن يقول أن الفلسطيني يصلب كل يوم قابضاً على صليبه باتجاه تحقيق حقوقه ؟
ولماذا بحر من الملح أهو المنفى واللجوء أم هو طريق العودة التي يكسر الفلسطيني ساقها كي لا تهجره مرة أخرى ؟
إذن نحن إزاء نص مختلف ، نص مترف بالأنماط اللغوية من نداء والأمر والإلتماس والاستفهام ، من خبر وإنشاء ، نص يعرف كيف يوظف روحه المشرعة على كل مكنونات اللغة نبضاً للقصيدة ، ليحاكي نجمته الشاردة التي تتأخر عنه في الهديل :
” يا صاحبي في البئر في كلّ حزن
فيكفي عبورك دمعتي كي يتبدد هالي وبني
ويحضر موتي المعلق في عروة النفي
في عربات تيهي وغبني
أقلني يا الليل من ليل
راود خطاك إليّ بسرد البنفسج والياسمين
وهب لي براكين صبرك
لأراقص فجرك فوق صهيل النهار
وفوق رنين السنين .. ” ( ص 8 ) .

ولا شك أن قصة يوسف عالقة في ذهن الشاعر فهو يستحضرها بين الحين والآخر ما بين استخدام خارجي كما نرى في النص السابق أو يفجرها من الداخل كما نرى في قصيدة ” ليت الحلم أعمى ” حيث يقدم يوسف ثائراً على سردية الحكاية ، مفجراً في ذاته معاناة الروح الإنسانية حين تكون أسيرة الحتميات .
” خذوا الجهات الست
واحترفوا النبوءة
سنبلة واحدة
ترمم خصر المرأة
وتمحو عن أكمامها يمام البرهان ” ( ص 99 )
قصائد محمد دلة تغتني وتمتاز بالقصدية ” وبجمالية المؤسطر والخيالي ” فالكلمات لا تتجاور لديه قاموسياً فقط ، وإنما تجاورها يشكل إحالات لنصوص أخرى أو أساطير أو أحداث تاريخية أو خيالات وحكايات وأسماء يبتكرها لتعبر عن غربته الوجودية والنصية ، فمثلاً رماد العزلة قد يحيل إلى رواية ماركيز ( مائة عام من العزلة ) ولكن هل يكفي رماد العزلة للتوصل إلى ذلك ، أم أن موضوعة القصيدة التي تعكس غربة الشاعر عن كل واقع مشيء ومسلع وتوقه لواقع أكثر إنسانية وعدلاً وجمالاً :
” ينكسر العام باباً يتكوم في عينيه رماد العزلة
ينفجر مثقلاً بخطايا الركض في مومياء الوقت
الجموع الخارجة للتو من مستنقعات الهوام
تنتشي بكرمة أحزانها
بأفراحها المضمدة بأقواس الفجاءة والخوف
تكتحل الشمس بقيودٍ ذهبيةٍ أخرى
لعلّها
لعلّها بقدرية أفلاكٍ أخر
تحطم هندسة عبوديتها
تنطلق بجديلتين من البرتقال
ومريولٍ مدرسيٍ خصب السهول والتلال
أسيرة حريتها المقفلة .. ” ( ص 16 – 17 )
يحاول الشاعر بكل ما أوتي من محاولات اللغة ومنازلة الشعر اختراق الزمان والمكان :
” صيف هذا العصر يسبقه الخريف
وتشرق الصلبان في ارض الجزيرة “
هذي القصيدة منشورة في العام 1990 في جريدة ( الاتحاد ) الحيفاوية والتي تتنبأ بالسماح للامبريالية المتخذة شكل حرب صليبية كاذبة بالعودة إلى الحجاز ، أي اختراق للزمان وللمكان ؟
أي نبوءة شعرية يشكلها هذا النص المارق ؟
نحن هنا أمام القصيدة / القصة التي ترويها بطلتها ليلى والتي تشكل رمزاً لكل امرأة عربية ، ولكن إلصاق الشعوبية بليلى كسر التأويل الأولي للنص باتجاه تأويل أكثر تعقيداً ، فالمرأة العربية الشرقية التي تحاول حقها تجد الرجل يجند النص الديني والموروث الاجتماعي وسلطة رأس المال وسلطة التخلف ليقصيها بعيداً ، ومن هنا جاء التهديد بالشعوبية وكأنها تقول : إن لم تصح من غيبوبتك فستكون كل الإحالات التي تطمئن إليها عرض للهدم حين تعلن ثورتها وسيخرج من : ” الوقت المحنط في برج بابل ” ، وسيخرج :
” اخرج من الساعات
وقتا ضائعا “
ويحاول الشاعر هنا في سرديته الشعرية أن ينبش الواقع العربي الغرائبي وحالة البؤس التي يحياها العربيّ في حله وفي ترحاله ، حيث جاءت القصيدة مفعمة بالصدق والعمق ، واستطاعت أن تعري الواقع وتصدح بالرفض والثورة من أجل التغيير ، حيث يقول :
” هذي أنا ليلى
يدايّ الخبز والنيل المبشر بالبنفسج
عيناي أول نجمة ضحكت إذ انبجس الهوى فرساً
وشقشق في حواريه التوهج
حبلى بألف مدينة كالقدس ” ( ص 24 )
” حبلى بألف مدينة كالقدس ” تأكيداً على مكانتها في خريطة النضال القومي والعربي الفلسطيني ، وتأكيداً على دور الشاعر النضالي والكفاحي باعتبار أن للمثقف دوراً طليعياً في مسيرة كفاح الشعب الفلسطيني ، حيث يواصل تسلسله الشعري بقصيدة متدفقة وعابقة بالمضامين والمعاني السامية ، تتجلى ليلى أيضاً كرمز لشعب يناضل من أجل حريته ومكانته المستحقة :
” أمطر ياسميناً
أفرش القارات أفراحاً وعوسج
روحي عصافير الرحيل
ورحلتي البحر المسيج
أنا من أنا ؟
ليلى على جسدي يمر الفاتحون إلى السراب
يخبئون الثأر في قاماتهم حقباً بليدة
ويزوجون عبيدهم شجري النحيل
ويخصفون سفاهةً ورقي على سوءاتهم كي أستقيل ” ( ص 24 – 25 )

ومنذ السطر الأول يهدي الشاعر ديوانه بطريقة ذكية إلى جلاد القصيدة ، فيقول :
” أهديك جلاد القصيدة أحرفي
لتدكّ مجدك
أنت الفناء وأحرفي ستعيش بعدك ” ( ص 5 )
ومن هذا الإهداء يتبين لنا معالم المجوعة وحمولتها المشحونة بالرفض والغضب والمجابهة ، حيث تقدم نفسها بنفسها دون مقدمات ودون مواربة ، وبدون عربات تجر النصوص جراً .
ومن جهة أخرى فان النصوص قد أخلصت للعنوان ” مرثية ” ، فالحزن لون النصوص في تجربة شاعرنا وتجلى الحزن في معظم نصوص مجموعته ” مرثية الفارس الغريب ” ، ولم تكن غاية الحزن إنبات اليأس في النفوس كما جرت العادة عند غالبية الشعراء العرب الذين قدّوا بكائياتهم على الأطلال ، بل من أجل رفع منسوب وعي القارئ بواقعه وكيّه بكل تلك الحمولة القاسية والمفجعة بغية انحيازه للجمال وأحلام البسطاء ، هو حزن يشكك بالواقع ليحتفي بالحياة ، حزن لا يشدك إلى قعر اليأس أبداً ، بل يفتح نوافذ لتهب منها رياح السعادة المحققة للتغيير الإيجابي .
هذا الحزن الراشح من صدر اللغة بوصفها تعبيراً عن الذات الجوالة بين الذات والموضوع ، بين الذات والمجتمع ، بين الذات والذات الحالمة بحقائق الكون والحياة ، الذات الرافضة لكل واقع حتى واقع اللغة نفسه ، هذا الحزن الحسن المدجج بإرادة التفاؤل هو العلاقة بين العنوان ونصوص الديوان .
وبالعودة للمتن نجد غرائبية في السرد ، وصورا شعرية مكثفة وعالية التكثيف ( ترقى للمقدس والمؤسطر والعجائبي ) ، حيث ينفتح النص على تحقق النبوءة ليضع القارئ في مسار الحكاية ويجعل الأحداث تتوالى وتتنامى ، محققاً عنصري التشويق والإثارة في النص الشعري .
في قصيدة ” لنا ما لنا في عام الرمادة ” يؤسطر الشاعر كل شيء ، ويستدعي كل الأساطير من أسطورة زرقاء اليمامة ، إلى أساطير الهنود الحمر ، ويستعرض نصوص الإنجيل ليبين وحشية هذه الامبريالية التي تذهب بكل شيء نحو التوحش ونحو محق إنسانية الإنسان :
” أعلن صومك ، وليأخذوا الطعام للحرب المدللة
انشر عريك ، وليدلقوا الثياب على عورة تمثال الحرية
تنفس العطش ، لهم أن يشربوا الفرات
تيمم بذاكرة الحجر، وليسدوا بوابة السماء بزيت الطائرات
نم على رصيف الأسلاك الشائكة ، ودعهم ينامون في مخدع الأنظمة
لهم أن يأكلوا أصابع الموسيقى ، ولك نشاز القنابل العنقودي
لهم أن يعلكوا جراحات الجلجلة ، ولك شبابيك الحزن في درب الآلام
لهم أن يعاقروا نطف الكاميرا ، وأنت فلتزرع دالية الظل في مجامر الذاكرة
لهم أن يرقصوا على جثة الغابة ، ولك طقوس الدفن
وحدهم :
حفدة المارينز في نيويورك ، نحمل إليهم
رغيف المجدلية ، فيصفعوننا برغيف الماجدونالد ” ( ص 66 – 67 )

إن اللغة الشعرية ، في هذه التجربة ، لغة تنضح بالإشارات والرموز فجاءت روافع القصيد عنده تخضع لما يمكن أن نصطلح عليه بفيض المعنى أو فيض الروح ، بحيث أن التجربة الروحية للقصيدة تفيض على البنية الضيقة للقصيد وتنفتح على فضاءٍ لغوي واسع وعميق ، والحساسية المرهفة والمفرطة التي تنبع من جرح وجودي لدى شاعرنا جعلته يندفع نحو الشعر معادلاً لغربته واغترابه .
وفي أحلك اللحظات يخلص الشاعر لإنسانيته ، ( ويعرف كيف يخلق من حزمه أفقا ) كما يؤكد محمود درويش ، وتعتبر قصيدة ( تباً أيصرخ واعهداه معتصم ) من أجمل قصائد الديوان كونها موضوعيا اختصرت حلم الشارع وبلورت طموحه النضالي ، وفنياً حملت همّ الحداثة الشعرية بأسلوب مبسط – لكنه يبتعد عن التسطح ، وهي حالة من التطهر بواسطة الفن ، تمثل حالة احتراف ذاتي فوري للتأثيرات النامية ، حالة ذهنية أكثر تعقيدا وثباتاً ، يندغم فيها الإحساس بالخسارة الفادحة بإحساس مسبق باكتشاف قيم هائلة ، انه التيقن بهذا الاكتشاف القديم / الجديد ، قديم نظراً لحالته المعرفية لدى الجمهور الإنساني ، وجدل التاريخ ، وجديد لأنه يشكل وضعية دافعية لمعاناة ويأس جعلت منه أعظم حافز للإبداع يسمو بالإنسان ، ويجعله يتخلى عن ذاتيته ويعيش للمصالح الإنسانية / الاجتماعية والوطنية السامية حيث يفتتح هذه القصيدة الغنائية والملحمية ، قائلاً :
” يا عهد يحميك منا خافقٌ ودم
الحق أنت وأنت النصر والشيم
صعدت من جرحنا طوفان ملحمةٍ
سّموت حيث يشاء الفخر والكرم
رسمت بالشمس للأحرار خارطة
حيفا تمائمها والقدس والعلم
هذه الإرادة في العينين ألمحها
في الوجه ، في القبضة الشماء تضّرم
هذه الطفولة من جذع المسيح ومن
زيتونةٍ سكبت من زيتها النعم
هذه الطفولة من وحي النبي نمت
ومن نزيف الضوء ما أوحت به الشيم
هذه الطفولة من عشتار سيرتها
من مريم النخل ، لا ضعفٌ ولا ندم ” ( ص 116 – 117 )
ويختم القصيدة / الملحمة والتي تجسد أيقونة عهد التميمي ، وحكاية الطفولة الفلسطينية المسحوقة والمعذبة :
” عهدٌ رسالتها في الناس واضحة ٌ
يدي تهز عروش الظلم فاقتحموا ” ( ص 120 )
ينوع الشاعر في أساليبه اللغوية بما يخدم فكرته وحالته النفسية لتخرج قصائده مؤتلفة ناضجة مؤثثة بالمعنى والصنعة الجيدة ، وكأنه خزاف أتقن صنعته حتى آخر التكوين ، ويتناص الشاعر مع نصوص وحالات ميثولوجية لا تطغى على نصوصه ، بل يوظفها لصالح رؤيته وصالح إعادة إنتاج الأسطورة.
محمد دلة يطلق مدارات أفكاره ، ويعلن احتكاك غرته بأيائل الشمس ، يسير بخطى ثابتة ممتلكا ناصية اللغة ، ويعرف بالضبط كيف يتعامل مع القصيدة شكلاً ومضموناً ، فينتشي بالشعر شاعراً متميزاً ومختلفاً بصوته الخاص .
لأشعاره نكهتها البكريّة والبريّة تؤسس لسيرة ٍ ومسيرةٍ شعرية سنحتفي بها في أعالي الشعر دائماً .. نحن هنا أمام شاعر يتجلى شعراً وموقفاً ، وتجربته الشعرية تحتاج إلى المزيد من القراءة والدراسية الاستقصائية للوقوف أمامها بما تكتنزه من سجايا ومسارات تميز محمد دلة عن غيره من شعراء فلسطين والعالم العربي في الأفق المعاش .

• شاعر وناقد فلسطيني

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق