ثقافة السرد

عفوا لقد نفذ رصيدك

بقلم: ضُحى أحمد الباسوسي

بداخل غرفته صغيرة الحجم استلقى على سريره سانداً ظهره تجاه الحائط ممسكأً بهاتفه النقال مُحركاً إصبعه على شاشته بشكل دائري، عشوائي ومُريب. مررتُ بجواره مرة فلم ينتبه إلي، مررتُ مرة أخرى بحجة أنني أبحث عن غرض لي ضائع بداخل غرفته ولكنه لم يلحظني، ربما لم يشعر بي. راقبته من بعيد، ُذهلت لملامح وجه التائه، ظللتُ أُراقبه من بعيد تارة، وبالقرب منه مرات عديدة، شروده أيقظ الفضول بداخلي، لم أره يوماً حائراً أو غارقاً في أفكاره هكذا. اعتراني القلق والتوتر، ترى بماذا يفكر، وما الذي يشغل باله؟”.
أقتربت منه، ربتُ على كتفه بكل دفء وهدوء، نظر إلي بإندهاش، كانت عيناه تلتمعان، وكأن روحه هي التي كانت تبكي وليست عيناه، فوجئت به ينظر إلي طويلاً، كأن عيناه تُحدثُني، تلومني على شىء ما لا أعرفه. ملأ الصمت المكان، توقف إصبعه عن الحراك، ألقي بهاتفه بعيداً، جذبني تجاهه برفق، أحتضنني بكل هدوء وقوة. كانت هذه هي أول مرة أراه فيها عاجزاً عن الكلام. بدأت أشعر بدفء دمعه الذي ينثال على جسدي لكن بصمت. احتضنته بقوة، سألته “ماذا بك؟! أتشكو من شىء ما؟ هل تشعر بأي ألم؟ ما الذي يُتعبك يا بني لهذه الدرجة؟!.” ااااه يا أمي أنا مُتعب، مُرهق أريد أن يتوقف كل شىء، لم أعد أريد شىء من هذه الحياة، أريد فقط الراحة أمي..”أخبرني حبيبي ما الذي يُرهقك حد الإنتفاض هكذا؟، أنت لم تكن هذا الشخص من قبل..ما الذي تخبئه عني..ما الأمر الذي تحمله في صدرك ولا تبوح به؟..ماذا يُضعف روحك؟. ” احتضنيني بقوة يا أمي فأبنكِ صار ضعيفاً، هزيلاً من خُذلان الحياة له، قوتي قد أُنهكت، وطاقة حُبي قد استهلكت، لم أعد قادراً على المتابعة والإستمرار.. الجميع مرضى يا أمي وولدكِ تعب، فلقد استهلكته الحياة حتى أصبح لا يستطيع التعبير عما يشعر، أو إظهار ما يُحب لمن يُحب.. لم أعد أشعر بوجود أحداً حولي.. حتى محبوبتي قد أُرهِقت مني.. وها أنا ذا هنا بسبب ما تفعله الحياة بي..أظلمها معي.. هي لاتستحق هذا أمي.. هي لا تستحقني”.أهدأ يا طفلي لا تجعل زحمة أفكارك تأخذك بعيداً عني!. أنا هنا معك ولأجلك.. أنا لازلت هنا لأحميك من زحام وساوسك.. تتبع صوتي و الخيط الذي يربط بين قلبك وقلبي..”. . ليتني أعود طفلاً يا أمي…” عم الصمت المكان ثم بدأ يُتمتم..” أتعلمين ..دائماً ما كنتِ ترددين لي أن الحياة تعطينا فرصاً عديدة.. ولكنني أقول لكِ أنها أخذت من طفلكِ فرصاً كثيرة.. أخذت معها جزءاً من صلابتي، وروحي، جعلت مني إنساناً ربما يكون سبباً في سلب روح كل ذنبها أنها أحبتني بصدق، أنني أُحبها بالفعل يا أمي لكن بطريقتي! لماذا تُرهقنا الحياة حتى تجعلنا نُظهر وجه أخر غير وجهنا الذي اعتدنا عليه، أمي.. لما ليس الجميع مثلكِ، أمي؟!، لما أنا لا أُشبهك في حُبكِ هذا أُمي؟!”.أصدر هاتفه صوت استقبال الرسائل، ترك حضن أمه واحتضن كف يديه هاتفه النقال، لاحظت والدته تغير ملامح وجهه أثناء قراءته لتلك الرسالة النصية، فسألته ” هل أمورك بخير، أكل شىء على مايرام، بني؟!”.ردد بصوت منخفض وبإبتسامة منكسرة “بخير!..أنا إنسان بلا شعور، أو هكذا هي تقول! آنا بلا شعور، أمي؟! أحقاً أصبحت بارد، وأنني لا أبالي وأرى كل شىء بسطحية، دون أدنى اهتمام؟! هل أنا مخطىء يا أمي؟ هل أنا المُذنب، مُذنب لأن الحياة أخذت روح الطفل بداخلي وجعلتني هذا الشخص الذي تراه اليوم”. احتضن والدته بقوة، أخذ نفساً عميقاً وحبسه داخل رئتيه، أغمض عينيه المتعبتين وأزفر نفسه بكل بطىء وهدوء، لملم جسده أخذاً هيئة الطفل الصغير قائلاً “أنتِ ملجئي الوحيد.. أنتي تُحبينني رغم كل شىء، رغم برودي، إنفعالاتي، رغم قسوتي عليكِ أحياناً، وصوتي العالي، تُحبينني رغم غضبي وعصبيتي، تُحبينني رغم أنني لم أقل لك يوماً كلمة “أُحبك،” ، تُحبينني في كل حالاتي، لكن أتفعلين هذا فقط لمجرد أنكِ أمي؟!، لأن من واجبات الأم أن تتحمل ابنائها لأنها فقط أُمهم؟!، أي عدل هذا يجعلك تتحملين قسوتي وقسوة الحياة عليكِ، ورغم كل هذا مازلت تعطين الكثير والكثير. عطائكِ لا ينفذ وحُبكِ حُب أبدي ليس له وجود، بل لا يُمكنني أن أراه بداخل أي إنسان أخر، سواكِ أمي” . أنت مخطىء يا بني!” قالتها له وهي تُربت على رأسه مُستكملة حديثها ” لا وجود لسبب في الحُب، من يُحب لسبب فقط خسر، لأن الأسباب تزول مع مرور الوقت، أما الحُب فلا يزول أبداً. الحُب غير مشروط بكوني أُمك .. أنا أُحُبك يا بني لمجرد الحُب، الحُب صفة آلهية زرعها الله بداخل كل روح فينا، نحن قد خُلقنا من حُب الله. قد يأتي يوماً على هذا الحب الذي بداخلنا ويختبىء لبرهة، أو قد ينام ربما لساعة أو لسنين، لكنه لن ينطفىء، لأن مع كل فعل تفعله اتجاه من تُحب، أو كل كلمة ينطقها لسانك، يُبث القليل من الحُب، لكنك لا تدري، ربما لا تدري بها لأنها قد تظهر في أشياء بسيطة صغيرة، لكنها قد تحتل مكانة كبيرة عند أُناس أخرين. ربما تكون ضائعاً في الوقت الحالي، ولا تستطيع أن تُنهي تلك المتاهات التي تكمن داخلك، فأنت تركض لكن يبدو وكأنك لم تتحرك قط من مكانك، حتى ظننت الا يوجد أحد بجانبك, لا يوجد أحد يُمسك بيدك وسط هذه المتاهات، حتى الإشارات تعتقد أنها خذلتك. في الطريق تواجه الكثير من الصعاب، وكل شيء تواجههُ سواء فُزت فيه أم لم تفز، يترك ندبةً شديدة العُمق بداخلك. يبدو أن كلمة “تخطي“ بعيدة المنال بالنسبة لك. فأنت تمشي، وكل قطعة من روحك تقف عند كل ندبةً لتبكي عليها، تكادُ تفقد نفسك، تفقد عقلك، لأنك لا تقوى على جمع شتات روحك التي تبعثرت في شوارع و حواري داخلك المدفون بالأتربة و الرماد. أصبح كل شىء بالنسبة إليك يشبه بعضه بعضاً، يبدو أنك تنتهي بمرور الظروف. فلقد ظللت تَجمع الأحجار ولا أحد يدري لما أنت تقوم بجمعها، كنت تَجمعهم و تضع الحجر فوق الحجر، ربما أردت بذلك أن تبني جدار يفصل بينك وبين ماذا، لا تعرف أي انفصال بالتحديد ما تريده، أو ما تريد الأنفصال عنه، أهو انفصال عن العالم الذى وقعت فيه، أم الأصدقاء الذين كانوا قد أتموا بالفعل بناء الجدار الخاص بهم، انفصال عن عالم لم تعد ترغب بالعيش فيه، أم هو انفصال يمنحك حياة جديدة دون أن تحمل أفكار خاصة تحميك من الأيام التي تأتي أو التي غادرت، غادرت ومعها الآلام الكبيرة والأحزان التي مكثت بدون أي داعي أو فائدة ؟.. لقد ظننت نفسك قويً، أنت قد تبدو قوي وصلب وبارد، كقطعة ثلج، لكن بمجرد إمساكك واحتضانك لي، أدركت كمّ الضعف والهشاشة التي تملكها حد الذوبان.. فلا تقل أنك بلا شعور أو بلا حُب، أنت تعرف كيف تُظهر هذا الحُب الذي بداخلك ولكن بطريقتك، ومن لا يشعر بك وبما تظهره فأعلم أنه لا يُحبك، وأنه فقط كان يُريدك لبعض من الوقت وحين ينتهي هذا الوقت، يأتي ويلومك أنك لم تحبه يوماً، أو ربما لم تشعر به حتى. لكن نصيحتي حاول أن تُيقظ هذا الحب بداخلك، و أن تشعر بمن يحاول أن يُوقظ هذا الحب الذي يريد أن يراه منك تجاهه، لأنه يفعل هذا فقط لأنه يُحبك بصدق، فلا تجعل إنطفاء نورك يؤثر على من يحاول أن يسترجع ضوئك بالفعل!”.سكت ولدِها لبرهةٍ مُفكراً فيما قالته والدته له، احتضنها بقوة تاركاً قُبلة على كفِ يدها الدافىء، وأمسك على الفور هاتفه النقال مُحركاً إصبعه عليه من جديد مُرسلاً إليها رسالة نصية “حبيبتي، أنتِ لم تَفهمي، مثلي لا يعرفُ الحُب سوى مَرةّ واحدة، مثلي كان يَخاف الحُب لأنه لا يُبقي لنفسه شيئاً حتى وإن لم يُظهر، مثلي يَجتاح وليس يحتاج، مثلي رغم كَثرة النساء لكنه لا يُريد سوى إمرأة واحدة يَنتصر بها على الحياة، إمرأة كالحياة يعيشُ بها ولها”.. ثم أكمل لها “صعب للغاية أن تُدركي حجم المأساة و مَرارة المُعاناة، النساء كُثر وأنت إمرأة لكن الفرق أني أَحببتُكِ أنتِ، ليس لأنك إمرأة أَعطت، فغيركِ أَعطي أكثر لكنني أَحببتُكِ لأنكِ أنتِ وكما أنتِ، وإن قلبي أرضٌ لا تُنبتُ إلا مرة واحدة، سماء لا تُمطرُ إلا مرة وأنتِ تلك المَرة”.خَتم رسالته لها “عزيزتي، إنه مُر للغاية أن يُحب المرء أكثر مما ينبغي، أن لا يُبقي مكاناً للفَقد وأن يَنسي أن الحياة أقذر من أن تُبالي بالصَادقين، إنه مُر أن يُعطي ويخاف من ألا يبقي له شيئاً، إنه مُر أن يَحتل القلب إنطفاءاً وعَتمة لا تُضاء، أما أنتِ فقد كنتِ هذا الضي، كنتِ ومازلت… حبيبتي!”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق