حوارات المجلة

نساء في كنف الديكتاتورية ؟

ترجمـة : سعيـد بوخليـط*

I ـ حوار مع ديان دوكري، مؤلفة الكتاب: بعد تركيز “ديان دوكري” على المستبدين الفاشيين والشيوعيين، فترة القرن العشرين، انتقلت للاهتمام بالأقدار العاطفية، لنساء وعشيقات ستة ديكتاتوريين معاصرين، من خلال دراسة رائعة. بشكل استثنائي، تروي لنا لأول مرة تفاصيل ثانية عن استقصاء رائع، اهتدى بها من هافانا إلى الشرق الأوسط مرورا ببلغراد وبيونغ يونغ. نعم، من كان يظن قبل سنة، أن كتاب [Femmes de dictateur] لصاحبته “ديان دوكري”، سيحقق أفضل المبيعات لسنة 2011؟

من كان يعتقد، أن البحث في الخبايا العاطفية لهيتلر وموسوليني وسالازار ولينين وستالين وماو، سيستهوي مائة ألف قارئ فرنسي، دون ا ستحضار عشرات القراء ينتمون إلى بلدان مختلفة تستعد لإصدار هذا العمل ؟ حتى دوكري نفسها، لم تتوقع ذلك … ديان دوكري، مؤرخة في الثلاثينات من عمرها، والتي بقدر شخصيتها الرصينة، هي جذابة أيضا. السيدة، المتباهية حاليا بنجاحها، تصدر الجزء الثاني من دراستها : كاسترو، ميلوزيفيك، صدام حسين، الخميني، كيم يونغ إيل وبن لادن، يشكلون الأعلام الأساسية. أفهم، دون أن أدلي بحكم : المبدأ الثابت، الذي احترم في هذا المقام أكثر من ذي قبل عندما ساءلت الأرشيفات واستخلصت الشهادات عن الحياة العاطفية والجنسية لهؤلاء الديكتاتوريين. جانب، يبدو أنه مضطرب، أكثر مما نعتقد. تتزاحم حكايات مؤنسة، لكنها غالبا ثقيلة المعنى ومثيرة وأخاذة من بدايتها إلى نهايتها. كتاب “نسوة الديكتاتور” (منشورات بيران)، يتجاوز كونه مجرد دراسة تاريخية : إنه تشريح نموذجي في الآن نفسه، للسلطة السياسية وكذا القلب الإنساني. ثم تأكيد، صواب حكمة تعتبر “الحب أعمى”. حقيقة كابدها، حتى رجال الدين في إيران والطغاة الأكثر دموية.

1) س ـ كيف استطعتم دراسة هؤلاء النسوة، اللواتي عشن وقضين حياتهن مع ديكتاتوريين معاصرين ؟

ديان دوكري : وأنا أشتغل منذ سنوات على أرشيفات كثير من الديكتاتوريين، أدركت أن رجالا أمثال هيتلر وموسوليني أو ستالين، قضوا حياتهم في تأليف مراسلات عاشقه، بنفس حجم بعثهم لبرقيات سياسية ! حينما نوازي هذا الاكتشاف، باعتقاد مضمونه، أن الأنظمة الديكتاتورية تقوم أساسا على مبدأ الإغواء. لقد تبين لي، أنه توفرت مادة، لتأليف كتاب عن العلاقة المجهولة تماما بين الديكتاتوريين ونسائهم أو عشيقاتهم والمعجبين بهم. تمثل المعطى الجوهري، في وضع اليد على رسائل اعترافات كثيرة لم يسبق نشرها، بغاية إعطاء قيمة حقا تاريخية لهذا العمل.

2) س ـ بعد جزء أول، كرستموه ل “الأكثر تجبرا” اخترتم في هذه المرحلة الاهتمام بحميمية ستة ديكتاتوريين معاصرين. وفق أي معيار، أجريتم انتقاءكم ؟

ديان دوكري : اخترت ستة رجال، عرضوا للخطر أمن منطقة ما في العالم، إبان فترة من حكمهم. أيضا، تميز هؤلاء بكراهية للغرب، سواء لاعتبارات جيوبوليتيكية أو دينية. هكذا، ركزت خاصة على كاسترو وميلوزوفيك، مقارنة بالقذافي وأمين دادا. لقد بدا لي، من الأجدى التوغل في وصف حياتهم العاطفية، عوض صورة يقدمونها عن أنفسهم ـ صلبة، مرعبة ـ لا تسمح بمجال كي نفترض لديهم عاطفة ما. هكذا، كيف بوسعنا تخيل أن آيات الله الخميني، وجميعنا يعلم طبيعة التعامل الذي ادخره للإيرانيات، كان يغسل الأواني، ويقوم بعملية تنظيف مراحيض منزله، نيابة عن زوجته ! كيف، يمكننا استيعاب أن ثوريا عتيدا اسمه فيديل كاسترو يلعب بالسيارات الصغيرة في مكتبه حيث تتقاطر عشيقاته المغرمات ؟ باستحضار الحياة الحميمية لهؤلا الوحوش : سنكتشف أنهم في نهاية المطاف مجرد كائنات إنسانية، مثلي ومثلك.

يضايقنا، الوقوف على هذه الحقيقة، لأنها ستقوض الهناء الفكري، لمن يتمسكوا بأن ينزعوا عنهم كل جانب إنساني، كي يبرروا للجماهير انسياقهم وراء هؤلاء، لكنها الحقيقة. تاريخ الديكتاتوريين، ليس إلا قضية التيستوستيرون. فالتصرف كأب وزوج أو عاشق لرجال يمارسون السلطة المطلقة، يحمل إضاءة ثمينة حول شخصياتهم كرجال دولة.

3) س ـ هل يصعب رغم سقوط الديكتاتوريين، الالتقاء بالدوائر القريبة منهم، بمعنى أفراد جمعتهم بهم مشاعر الحب ؟

ديان دوكري : نعم، لأنه ينبغي التحقق من هويتهم. يوجد طبعا، أشخاص ظلوا مجهولين عند الجميع. بعضهم الثاني، انبثقوا بعد عملية تجميع لقطع مبعثرة. والبعض الثالث، تجلى بفضل الدعاية أو الدعاية المضادة، لأطراف أخرى أنكرت وجود العلاقة لأسباب سياسية! من أجل فحص كل هذا، كنت محتاجة لقضاء شهور عديدة، توجتها لقاءات في فضاءات أحيانا غريبة، ومع شخصيات لا تقل عنها غرابة : وزراء سقطوا، بانهيار أنظمتهم. معارضون لا زالوا يعيشون، تحت سطوة الخوف وبالتالي حاجتهم الدائمة إلى الحماية . مرتزقة، سابقين. دون نسيان، المعنيين الأساسيين، مثل عشيقة صدام حسين اليونانية، التي تسكن حاليا كوخا قذرا، في محيط سكني متواضع بالسويد.

4) س ـ بعض نساء الديكتاتوريين، مارسن فقط دور العاشقات، بينما أخريات فقد لعبن دورا مفصليا إلى جانب عاشقهم. ما هي بصفة عامة نسبة الإيديولوجيا والعاطفة في شغفهم ؟

ديان دوكري : كل حالة مختلفة. يستحيل إقامة تصنيف، ما دامت كل النماذج النسائية وجدت عندهم. هناك كلاب السلطة، كما الحال مع “ميرجانا ماركوفيك”، زوجة ميلوزوفيك. نساء لا يهتمن بالسياسة كزوجات الخميني وصدام حسين. ثم، آمات جنسية وشهيدات بشكل طوعي كما الوضع مع “أمل” آخر زوجة لبن لادن، التي يذكرنا حتما خضوعهاالأعمى، بآمراة أخرى اسمها “ماجدة غوبلز”.

يكمن القاسم المشترك بينهن، في استحالة التخلي عن الرجل المرتبطات به : الديكتاتور إما يطردك أو تموتين إلى جواره. انطلاقا من مختلف الوقائع التي اطلعت عليها. اكتشفت، أن امرأة واحدة فقط غادرت بإرادتها الخاصة، أقصد مارغريتا السرفاتي إحدى أولى عشيقات موسوليني، المنتمية إلى البورجوازية الكبيرة لمدينة فنيس. بل أيضا، هي من صنعت تكوينه الإيديولوجي ودفعته للاستيلاء على السلطة بعد الزحف على روما سنة 1922، بينما كان موسوليني مترددا ومتهيأ للهروب إلى سويسرا ! لكن سنة 1938 ولسخرية التاريخ، أجبرت على الرحيل، بسبب قوانين نظام، أقامت دعائمه بنفسها. لقد أضحت منبوذة في بلدها، بسبب أصلها اليهودي.

5) س ـ بعد اقتسامها الحياة مع الديكتاتور، هل يمكنها التراجع عن موقفها ؟

ديان دوكري : لا. ميرجانة ماركوفيك التي تعيش في موسكو، مقتنعة دائما أن زوجها كان وطنيا، تشبث بالدفاع عن وحدة بلده ضد هجومات ظالمة لقوى الغرب، توخت استئصال الماركسية من الأرض. أما “ماريتا لورينز” التي أجبرها كاسترو على الإجهاض، فلم تستطع قتله رغم أن الاستخبارات الأمريكية منحتها مليوني دولار، وكان في متناولها القيام بذلك. أخبرتني قائلة :(( أحببته جدا، ولازلت كذلك)) !

أيضا، “إيزابيل كوستوديو”، عاشقة أخرى لكاسترو، والتي ذكّرتها أنه سجن وقتل كثيرا من المعارضين، صرحت لي كذلك أنها غير نادمة : ((لقد وافقت على كل شيء)). فلا واحدة، منهن أرادت تقليب الصفحة. حتى، نجوى المرأة الأولى عند بن لادن، التي أصيبت بالعجز أمام عنف يزداد نموه بلا توقف لدى زوجها، وترى أولادها قد صاروا ((جثثا بعيون)). نجوى، يقتحمها حزن كبير، أن لا تحتفظ في رأسها، بصورة ذاك الرجل الطيب والوديع جدا، الذي تعرفت عليه وهما لا يزالان في عز شبابهما. كان يحب كثيرا صغار الظبي أو يحيط نفسه بالهدايا. بالنسبة لنجوى، سيظل دائما أسامة بن لادن اللطف والطيبوبة، المجسدان على وجه الأرض.

6) س ـ ألم يساوركم الإحساس، أنه أحيانا، يتصرف نساء الدول الديمقراطية بنفس أسلوب نساء الديكتاتوريين؟

ديان دوكري : أود القول نعم، لكن الجواب لا. لأنه لا يوجد اختلاف في الدرجة ولكن في الطبيعة، بين السلطة الديمقراطية والديكتاتورية. إذا تبينا بالتالي، حضور عناصر متماثلة في تصرفاتهن (الغيرة، فكر التضحية، النزوع إلى البذخ، التباهي بالفنون قصد تحويل الانتباه)، فليس هناك أي قياس مشترك. النتيجة كذلك، لأن حالتهن، لا تتعلق بسجينات ولا ضحايا، بل نساء يمتلكن حريتهن. إذن، بوسعهن التخلي عن أزواجهن !

7) س ـ من بين كل نساء الديكتاتور، من التي استهوتكم أكثر؟

ديان دوكري : إنها “سيليا سانشيز”، الأكثر وفاء وتماسكا وتفانيا من بين جميع العاشقات. تقول إحدى رسائلها، أن صراعها ضد “باتيستا” و “السي أي أي”وكذا الأمريكيين، حين مقارنته بمستوى كفاحها للاحتفاظ بحب فيدل وكوبا، سيبدو تسلية. كذلك، ساجدة حسين، والتي خلف سخريتها المتكلفة، قدمت دائما دليلا عن عزة نفس خارقة بسبب معاناتها كامرأة تعرضت للخداع والغدر. ذات يوم، أجرى لها طبيب جراحة، عملية تجميلية لإزالة شامة عن وجهها، لكنه نسي تخديرها. لما استدرك الأمر، أصابه الذعر. بيد، أن ساجدة أجابته بابتسامة فاترة: ((بوسعي، الإساءة إليكم بوحشية ! لكن حينما نرتبط بصدام، يمكننا تحمل كل شيء)).

8) س ـ من هي المرأة التي بدت لكم أكثر قسوة؟

ديان دوكري : إنها “جيانغ كينغ”، التي اتصفت بغيرة شرسة. ذات أمسية، كانت زوجة وزير ترتدي زيا زاهي الألوان وقلادة لؤلؤ، فاستمالت شيئا ما انتباه الرئيس ماو. الغيرة، دفعت “جيانغ كينغ” إلى اعتقالها وإصدار الحكم عليها وسط ساحة عمومية، وهي ترتدي كل الفساتين التي في حوزتها، وكذا عقد من كرات البينغ بونغ. بعد ذلك، أشبعت ضربا، وألقي بها داخل السجن إلى أن ماتت.

9) س ـ هل توجد امرأة بينهن، استعصى عليكم فهمها؟

ديان دوكري: لقد درستهن جميعا، مع حرصي على عدم السقوط في التأويل النفساني، قصد رصد مسارهن بنوع من الحياد، كي أستطيع فهمهن في هويتهن النسائية دون الحكم عليهن أبدا. هناك واحدة فقط، عجزت عن ضبط مسارها، إنها ماجدة غوبلز. شابة، تتدلى من عنقها نجمة داود، حينما انتحرت، بعد قتلها أطفالها، كما اكتشف على صدرها علامة ذهبية للحزب النازي.

II ـ فقرات من الكتاب :

* أفاغاردنر : تصفع منافستها على كاسترو.

يوم 27 فبراير 1959، أتيحت الفرصة لماريتا لورينز كي تتعرف بشكل حميمي أكثر على قائد كوبا. واقعة لم تخطر على بال أمها. إذن، وهي ثملة فوق جسر “م س برلين” أبانت الفتاة الشابة البالغة من العمر 19 سنة، عن جرأة، استمرت حتى تلك اللحظة مجهولة لديها : ((استدرجته بين زوارق الإنقاذ، بحجة تأمل التراصف المدهش لبنايات هافانا (…) تعانقنا، أخذ وجهي بين يديه، ثم قال لي : أحبك، يا سمائي )).

قبل، أن يرخي فيدل عناقه، اهتم بتدوين رقم هاتف شقتها بنيويورك، وقدم لها عشر إناءات من مثلج جوزة الهند. لقد أتم لها خيوط حلم بصيغة مختصرة لكنها لذيذة : ((ستصير ملكة كوبا)). كان هذا، أكثر من المفترض. خلال أقل من أسبوعين، أرسل فيدل طائرته صوب نيويورك : ((سأظل مترددة: لماذا اختارني بالضبط، مع العلم أن بإمكانه امتلاك كل النساء تحت قدميه ؟)). في مطار هافانا، انتظرها عشرون شخصا ببزة نظامية، ثم قادوها إلى الغرفة رقم 2406 في فندق هيلتون، التي صارت مشهورة.

استقبلت ماريتا لورينز، في الجناح الرئاسي، الذي غطاه ضباب كثيف بسبب دخان السيكار. تكسو الأرض رسائل وأوراق وأسطوانات، لكن خاصة وهو ما أدهشها، وجود مدرعات صغيرة لأطفال متخلى عنهم. أدركت ماريتا، على الفور السبب : ((لقد بقي فيدل طفلا كبيرا، يعشق اللعب بنماذج قديمة لسيارات أو دبابات هجومية)).

ماريتا المنبهرة، بما صادفته أمامها، استمرت في الانتظار لأكثر من ساعة، قبل أن يتفضل فيدل بلقائها (…). أخيرا أتى. أمسك يدها، ثم أدار اسطوانة للموسيقى الرومانسية. لم يتوقف النغم، إلا بعد مرور خمس ساعات، حينما لحق بهما راوول وهو يطرق الباب بقوة، صارخا أن أخاه يقصر بشكل لا يستهان به، في تسيير شؤون البلد. همس فيدل، في أذنها قبل خروجه : ((انتظريني هنا. لا تغادري هذه الغرفة. أحبك)).

انقضى اليوم، ولم يرجع. في الغد، وبعد أن تجمّلت ماريتا. ها هي تنتظر أيضا. فيدل، الذي استثمر دائما افتتان النساء به، أوكل إليها دور سكرتيرة شخصية. ساعات الانتظار الطويلة، تحولت إلى تصنيف انتقائي لمراسلاته، دون أن تكتم غضبها، حين تصلها رسائل نساء هائمات بفيدل. ذات يوم، احتجزت ماريتا رسالة موقعة باسم آنسة تدعى “أفا غاردنر”، مهنتها ممثلة هوليودية. الجميلة غاردنر، كانت قد سافرت إلى كوبا، فترة قليلة بعد نجاح الثورة، وأودعت حقائبها في الطابق الثاني من الفندق الوطني. إبان ذلك، الربيع من سنة 1959، نظم لقاء بهيلتون، وبدا فيدل أكثر من جذاب. اصطحب الأمريكية في جولة بمركز القيادة، قبل أن ينتقل معها إلى الشرفة، من أجل حفل كوكتيل. وقعت غاردنر، في سحر فيدل. تقول صديقتها “بيتي سبيكر” : ((حينما عادت، تكلمت عنه بإسهاب. لقد انبهرت كثيرا بفيدل، وقالت أنه يفيض بالأفكار الجميلة)).

لكن ماريتا، لم تتحمل تعلق هذه “المرأة المسنة” بفيدل. ذات صبيحة، وهي تتجول في بهو الفندق، شاهدت أمامها كائنا سكرانا يضغط بيده على كل أزرار المصعد. ما سيقع، مثير : ((ترنحت نحوي وخاطبتني : “إذن أنت هي الكلبة التي تعيش مع فيدل، وتحتفظ به لنفسها ؟” ثم صفعتني !)).

* أسامة بن لادن وزوجته نجوى : “توقفي عن التفكير” !

نجوى، المكتفية بأولادها الأربعة، تفتقد بشكل مؤلم إلى التسلية. لكنها، حينما لاحظت يوما، أن الشعْر الأشقر لأصغر أولادها يزداد طوله، وجدت في عرفه مناسبة ذهبية كي ترضي رغبتها، أن تكون لها طفلة :((دون تردد، بادرت إلى تشكيل ضفائر في شعْره، وأجرب فيه مختلف التسريحات الأنيقة كما الحال مع شعْر زوجي، حيث تسترسل ظفائر بأذناب)). يزداد السعي، ثم تتفاقم الأعراض : ((هكذا، اكتشفت نفسي أصمم وأخيط فساتين فتاة صغيرة، وأستعمل صغيري عمر، كعارض لقياس الملابس)).

بعدها، لم تعد تمتلك الرغبة كي تجعله يتخلى عن هذه الأزياء الرائعة. نجوى، استغرقها كليا الإحساس الجديد : ((ما هي إلا فترة قليلة، حتى تجمعت لديها خزانة ملابس فتاة)). تبرر تعلقها، موهمة نفسها، بأن عمر مجرد طفل صغير، ولن يحتفظ في ذاكرته بشيء. كل الأمور، تسير على ما يرام ما دام أسامة لا يعلم بذلك. غير أنه، بعد قضائه شهرا آخر في باكستان، عاد ثانية مقاتل بيشاور، إلى بيته دون سابق إخبار. دخل عمر إلى الغرفة، يحبو نحو أبيه، بشعْر طويل تزينه ظفائر ومرتديا فستان صبية : ((تشنج بطني، وتسمرت عينايا نحو زوجي، وأنا أحاول حدس ما سيقوله أو يفعله)). بتأن، جلس أسامة القرفصاء إلى جوار ابنه، ومرر أصابعه على كسوته والتصفيف الغريب لشعْره. يتأرجح ببصره، بين عمر وزوجته. بعد إفصاح أسامة عن إعجابه بمواهب الخياطة لدى زوجته، أصدر ردة فعل غير متوقعة : ((داعبت أصابعه الطويلة، الفستان الجميل لابننا، ثم خاطبه بهدوء : ((عمر، أنت ولد، وترتدي لباس فتاة؟)) ثم بلطف رتب بيده شعر عمر : ((شكل شعرك يحيل على فتاة، في حين، أنت ذكر)).

تسري الثواني كالساعات، داخل قلب امرأة لم تقدم قط حتى حدود تلك اللحظة على ارتكاب ما يغضب زوجها: ((فعلا، لقد كنت المرأة الأكثر إذعانا، التي يمكن تصورها))، هكذا، تقر نجوى، مع استعدادها لقبول العقاب. لكن، بعيدا على أن يرفع صوته، استوعب بن لادن الضعف النفسي الذي تعانيه زوجته، جراء غياباته المتكررة. بنبرة أكثر رخامة من السابق، يحاول أسامة رد زوجته إلى جادة الصواب : ((نجوى : عمر صبي، وعليك أن تلبسيه وفق هذا الأساس واقطعي شعره الطويل)). الخوف، قدم لها درسا. لذا، ستتصرف الآن بطريقة صائبة على الأقل، قدر مكوث أسامة في البيت. لكن، ما إن شد الرحيل ثانية وجهة باكستان، سيبدو شفاءها أكثر استعصاء من المتوقع، فعادت نجوى إلى ارتكاب الخطيئة. مرة أخرى، سترتكب عصيانا بخصوص اللباس : ((دخل زوجي بغثة، بحيث فاجأني وأنا أقيس فستانا ورديا صغيرا على عمر، الذي تدلى شعره في شكل ظفائر، وكانت عبارات الإعجاب تملأ المكان)). التجأ أسامة إلى الصمت، بينما يشع بريق تهديد من عينيه : ((هذه المرة، سيكون مجديا أن لا أصارع القدر قط))، تفسر نجوى بنوع من التبصر. ثم رتبت الفساتين الصغيرة داخل صندوق، في انتظار أن تنجب فتاة (…).

يحل القلق بدل الضجر. فمخاوف نجوى، كانت في محلها. لأن سفر أسامة فيما بعد إلى أفغانستان، سيجلب معه جروحا على امتداد كل جسده، وميز لقاؤهما الجديد نوع من الإغماء، مباشرة بعد إخبارها أنه تعلم قيادة طائرة مروحية. وبينما تتهيأ، كي تطرح عليه أسئلة ثانية، توجه إليها أسامة بأمره : ((نجوى، كفى تفكيرا)).

* صدام حسين، إلى جانب الشقراوات :

تتمسك ساجدة، بأن تكون في الواجهة. لقد، أوصت صديقاتها اللواتي يملكن حرية السفر، مثل “عليا السالبي”، زوجة قائد الطيران في جيش صدام، كي يقتنين لها مجموعة ملابس. لكن، بعض من انتدبتهن لمهمة الشراء، يشتكين. فساجدة، غير مستعجلة بتاتا، لتسديد التكاليف.

أخيرا، في يوم من الأيام، سمح الرئيس لزوجته بالسفر خارج العراق لأسابيع مصحوبة بخالتيها. ومنح كل واحدة من أفراد الجماعة المسافرة، مبلغ 10 آلف دولار، بهدف التسويق والتسلية. لأن ساجدة ب ((حاجبيها المرسومين والداكنين، بحيث يشبه شكلهما إشارة مدّ، لا تغفل أية حركة)) يلزمها المحافظة على عبادة الشخصية، كما هي موضوعها لدى نساء القصر، من خلال إظهار كبير للأزياء والمجوهرات، وكذا السخاء في منح هدايا لنديماتها، بشكل مستمر.

مع بداية سنة 1981، سافرت زوجة الرئيس العراقي إلى لندن، يرافقها عشرون من أهل القصر، وبالضبط وجهة المحلات الفاخرة لشارع Bond Street الزاخرة بمختلف أنواع ماركة “هيرمس”، بالتالي الإسراف في إنفاق آلاف الجنيهات الاسترلينية.

ساجدة، المتعطشة للبريق الزائف وإشباع غلوائها، ستسافر خلال الشهر الموالي بصحبة السفير العراقي، في الأمم المتحدة على متن بوينغ 747 جمبوجت شامخة، اقتناها قائد الطيران في جيش صدام، من الولايات المتحدة الأمريكية. سطح الطائرة، يغطيه بساط أخضر وأبيض، برموز رئاسية تقود نحو غرف منفصلة بأثاث عصري. جناح الرئيس، يزينه سرير ضخم وقاعة للاجتماعات ومكتب وحمام. إذن، تحلق ساجدة نحو نيويورك، وهذه المرة مع هيئة تضم ثلاثين مشتريا مهووسا، يرأسهم مفضلها في تلك الفترة، “حسين كمال التيكريتي”. انشغفت ساجدة، بمتجر فندق « Bloomingdale » وأنفقت هناك مبالغ مالية خيالية.

يبدو أن البعد، سيعيد تقريب الود بين الرئيس زوجته. هكذا، صارا يتبادلان كل يوم أحاديث هاتفية. ربما، يتقصى صدام من خلالها آثار “حسين كمال”، الذي سافر أساسا إلى نيويورك، كي يشتري سريا دخائر حربية لمواجهة إيران، فأبرم عقودا مع شركات وهمية من أجل تزويد العراق بالعتاد العسكري، رغما على الحصار الأمريكي. وإذا كانت ساجدة، غير مسؤولة عن هذه العمليات، فإنها إجمالا، تتصرف جيدا في الإكراميات، التي تقدمها الشركات التجارية الأمريكية تعبيرا عن الترحيب.

ما قد يتجلى، باعتباره ارتباطا تافها بلوازم البذخ، يجسد بالأحرى آلية نفسية للترفيه ونسيان، هجران زوجها لها. فخلال هذه الحقبة بالضبط، تسربت أول ضجة عن مغامرات صدام خارج إطار الزوجية، حين فضل عن ساجدة، زوجة وزير الإعلام والاتصال، لاعبة تينس شبقة.

عادت ساجدة إلى العراق، بيد أن محاولتها كي تصير ربة بيت مثل الأخريات، باءت بالفشل. كانت، قد قررت أن تزرع أمام محل إقامتها، بعض نباتات الطماطم، لكنها لم تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المكان، بحيث ألقت بالنبْتات الصغيرة، تحت خيوط شمس، لا تنعم بالظل. ذبلت حديقتها فورا، مع أنها أوكلت لستة من حراسها الشخصيين مهمة الاعتناء بسقيها. النتيجة، أرسلت ساجدة بهؤلاء الحراس البستانيين غير الأكفاء، إلى السجن لمدة عشرة أيام.

(…) بغداد 1969 : ((بدءا من اليوم، هي لي، ولا شخص يملك حق التطلع إليها باهتمام)). هكذا، خاطب صدام برزان الذي يرافقه.

أحدت الأخوان حسين، دخولا مدويا في حفلة راقصة، أقيمت عند “آروت الخياط”، المصمم الأرميني لأزياء نخبة بغداد. اتجه انتباه صدام على الفور، إلى مراهقة شقراء. إنها “باريسولا لامبسوس” المندفعة، والبالغة من العمر 16 سنة (…)، التي ركزت نظرها للوهلة الأولى على بذلته الزرقاء الحريرية، وقميصه الأبيض كلون الثلج، يميزهما شعر غامق جدا : ((أبدا، لم أصادف عينان بهذه الجاذبية، تلونهما سمرة ذهبية. إنهما يلمعان مثل معدن)). بدورها، ستتقاسم معه “باريسولا” اكتشافه، لكن بجرأة : ((وأنت، لديك عينان متوحشتان ونظرة جد باردة)). الشخص المقصود بالوصف هو صدام، لكنها لم تتعرف عليه. صدام، يبتسم. وقاحة، الفتاة الشابة، صاحبة العينين اللامعتين،أثارت إعجاب صدام، الذي بدأ الجميع يخشاه. أما “باريسولا” فلم يرعبها شيء، فقط أن أمها أخذت خبرا، بكونها قد رقصت مع غرباء(…). اقترب منها صدام، ثم شدها، فصرخت. تروي : ((لقد كنت في الآن ذاته خائفة ومستاءة)). صدام همس لها، مرخيا قبضته : ((عيناك جميلتان)). لكن الشقراء، ليست من صنف الممثلة الفرنسية ميشيل مورغان، فأجابته برباطة جأش، أنه عليه الرحيل.

إذن، لم يوقع بعد صدام، بغنيمته. خلال تلك الليلة، تناول الضيوف طعاما في غاية اللذة، إنه سمك الشبوط. في التقليد العربي، يعتبر الجزء الخلفي من رأس هذا السمك، القطعة الأكثر طراوة : ((هدية الصياد)). وتقديم هذه القطعة لكائن ما، يعني تشريفا لعنايته. اقتطع، صدام السمكة، ثم التفت ناحية الشقراء : ((افتحي فمك)). رمزية السلوك، أكثر من الكلمات، فاجأ الحضور بأكمله. لكن، “باريسولا” تنتشل ذاتها من تلك المرأة السهلة، فقامت غير مبالية بدعوته : ((أنتم لستم زوجي ولا خطيبي، ولست هنا كي أستمع إليكم)) أجابته بصمت جليدي. وحدها، قهقهة صدام، أجازت للضيوف عدم ابتلاع شوكة عرضا.

المتأنق العنيف، سيلاحق الفتاة الشابة إلى غاية الباب. الأخيرة، وجهت له تحذيرا ((إذا وجدتك أمي هنا، فستقتلك)).

ـ “أتركيها، تقتلني، لا أبالي)).

يبتسم من سخطه : ((لا تتزحزحي أبدا، أبقي كما أنت، أدخلي سريعا قبل أن أغير رأيي)).

نظرة خاطفة أخيرة إلى هذا المتمرد، ثم تجاوزت بسرعة درج المدخل.

(حين علم والد باريسولا بهذه العلاقة، أرسلها إلى لبنان. سنة بعد ذلك، عادت واستقرت نهائيا في بغداد، بحيث أصبحت عشيقة للرئيس).

(…) ثم ستندلع الحرب مع إيران. النساء غير العراقيات، لهن الاختيار بين الطلاق والتجنس. هذا، القانون الطارئ، أجبر باريسولا على المغادرة إلى اليونان. ولأنها تركت، وراءها ممتلكات عدة، ستباشر إجراءات لدى السفارة العراقية في أثينا بهدف استرجاعها : ((استدعيت إذن، من أجل إجراء مقابلة مع ضابطين ينتميان لجهاز المخابرات. قدما لها مالا، وأخبراها، أن صدام كلفهما، بترتيب أمور عودتها إلى بغداد)) يقول رئيس البروتوكول هيتم رشيد وهبي.

يومان بعد ذلك، وجدت نفسها ثانية على سرير صدام : ((تأتي ليالي، لا أنطق فيها ببنت شفة، بحيث أتركه كي يرتاح. حينما نكون معا، يتصرف صدام بعفوية،يصفق الأبواب بغضب أو يضع رأسه على ركبتي. فقط، أسأله إن كان يحتاج كأس ويسكي)).

أنزلها صدام في إقامة مرفهة داخل القصر، مع ابنتيها المراهقتان الفاتنتان حاليا : ((طيلة ستة أشهر، عاشت باريسولا حياة راغدة باعتبارها عشيقة رسمية للرئيس. سيارات، مجوهرات، ملابس جميلة. لم تنقصها سوى الحرية)). يؤكد هيتم رشيد. لكن، نتيجة وضعها هذا، ستواجه باريسولا عشيرة تكريت. فلا شئ أصعب في العراق من أن تكوني خليلة لصدام (…). إذا، حاولت نساء الرئيس، الاحتفاظ بأقصى درجات حذرهن تجاه باريسولا، فإنه في المقابل، يزورها رجال القبيلة باستمرار. منحة لا تخلو من مجازفات (…).

التوازن الهش مع أبناء ساجدة المضطربين، انهار في لحظة، جراء اعتراف أباحت به ابنتها إليزابيت. لقد اغتصبها عدي : ((أتريدين أن أقتله؟ أتريدين أن أقتله ؟)). شعرت باريسولا بالحيرة.

لعدة سنوات، بقيت ابنتها الصغيرة جامدة فوق كرسي، رافضة الذهاب إلى المدرسة. لم تكن هناك وردة حمراء، ولا أغطية سرير بيضاء، بل وجدت إليزابيت نفسها في غمرة حفل على متن سفينة لعدي، الذي اقتادها إلى زاوية مظلمة. إذن، ضرورة ضمان الأمن لأطفالها، قيد أيادي الأم الحزينة، التي ليست في استطاعتها غير تجاهل عدي. لكن الأخير، ليس بالشخص الذي يمنحك إمكانية الاستخفاف به. لذلك، صاح ذات يوم في وجهها : ((قولي لي فقط أي شيء)). ولأنها، تعتبره مجرد جلاد لابنتها، أجابته : ((أنت غير موجود أبدا بالنسبة إلي. وأنا، لا أتحدث إلا مع رجال (…) سأروي ما جرى لأبيك)). صدام، سيعاقب مرة أخرى، عدي بسبب تجاوزاته. سجنه فترة طويلة، كي يكون عبرة. عدي، استغل فترة اعتقاله، كي يرسم سيناريو انتقامه. هكذا، فترة قصيرة بعد إطلاق سراحه، شرع في تدبير مهمة عقابية داخل منزل باريسولا. حينما عادت من عملها، وجدت فريق خدمها، وقد تم تكديسهم بين أركان زاوية من الغرفة، بينما عدي في الجانب الآخر، يجلد الواشي.

مع بداية سنة 2001، شعرت بضرورة رحيلها (…). لكن لا يمكنها ترك العراق، دون أن ترى صدام للمرة الأخيرة.

((باري، لقد تغيرتي، خاطبها صدام.

أنت من تغير، حبيبي.

أرى كل شيء، أنت لست باري التي عرفتها في الماضي. نصحتك مرارا، بأن تظلين كما أنت ؟ )). تفحصته هي بنظرة.

لقد، تغير كلاهما. كما أن الوضعية، لم تعد نفسها. عما قريب، سيقصف الأمريكيون بغداد. عدي سيقتل وصدام سيعتقل. أما جماعة تيكريت فسيتم القضاء عليها إلى الأبد.

*ـ كيم يونغ إيل، وصغيرات بيونغ يونغ.

أمسيات الجنرال كيم، تبدأ دائما وفق المشهد ذاته، سيدة البلد الأولى، “كوينغ هي”” تأتي مع زوجها كيم، الذي يبادر بنفسه بأن يزيل لها معطفها، فينكشف جسدها، وقد صار ممتلئا نتيجة ولادتين. تجلس بعد ذلك إلى جانبه، ثم تتابع باهتمام مجريات الأمسية. المشهد أحيانا، مهين جدا : ((في قمة سكرهم، يبادر كل واحد من هؤلاء الموظفين إلى النط على فتاة. كيم يونغ، يغفل نظره تقريبا، عن كل ما يحدث في حفلاته ولا يطرح أسئلة)). تتذكر، واحدة من المدعوات.

إذا كان يونغ إيل، يضبط سلوكه حين حضور زوجته برفقته، فإنه لا يمتنع عن المشاركة في الأفراح العنيفة، عندما تفضل الانسحاب من فضاء فاجر كهذا. لذا، ما إن استقرت في فرنسا قصد إجراء عملية جراحية لاستئصال سرطان الثدي، حتى دشن زوجها انطلاقة ماراطون حقيقي للمجون بين جدران قصره.

أما داخل فضاء إحدى إقاماته، فيبلغ الحفل أوجه. خمس فتيات ينتمين إلى “جماعة اللذة”، يعملن على تسلية الموظفين الكبار المحيطين بالزعيم. فجأة، صدر الأمر، من الهيئة العليا : ((اخلعن ملابسكن !))، هكذا ينفذ الراقصات الأمر بخجل، ثم ينضاف تعديل يتمم القرار الاستبدادي : ((حتى اللباس الداخلي والسروال !)). هكذا، تشرع النساء الرشيقات، في الرقص على الرغم منهن. ثم، قد تذهب التسلية أبعد من هدا الحد .

كيم، في خضم بهجته، يوجه ويشرف على الأمر، يشير بأصبعه صوب معاونيه : ((أنت، أرقص معها !)) هذه القواعد ذات المنحى النزوي، صارمة مع ذلك : ((بإمكانكم أن ترقصوا معهن، دون لمسهن. فاللمس سرقة)).

التحلل على مستوى هرم النظام، يمثل بالفعل وسيلة لدى “كيم يونغ” من أجل مكافأة المرتبطين به وإلزامهم أكثر. بالتالي، تعتبر مجموعات اللذة، إحدى أكثر “المؤسسات” سرية في مكونات نظام كوريا الشمالية. ألفا فتاة، يخترن عند مغادرتهن المدرسة، عبر كل مدارس الفن بالعاصمة، شريطة أن يبلغن بالكاد 18 سنة، ولازلن عذراوات ولا يعانين من أي مرض.

حين يقع عليهن الترشيح، تصنف الفتيات الرشيقات إلى ثلاث مجموعات، هدفها تزيين تجمعات العربدة، التي تغمر قصور “كيم يونغ إيل” : 1 ـ فريق الإرضاء، الذي يوفر خدمات جنسية، 2 ـ فريق السعادة، المكلف بالتدليك وتسلية الموظفين، 3 ـ فريق الغناء والرقص.

لا توجد لدى كيم يونغ إيل، رفيقة معتمدة. بشكل عام، تجلس إلى جواره حوريتان أو ثلاث، مستعدات كي يوفرن له انبساطا مرتبا جدا. أما، زوجته “كويونغ هي”، فلأنها أحست سريعات بالتقزز من فسق زوجها، بدأت تبتعد شيئا فشيئا عن الأمسيات التهتكية، مفضلة البقاء في إقامة مرتفع “شانغ كوانغ”، التي أهديت إليها.

بانسحابها، برزت مجموعات اللذة، التي فضلت أساسا الالتقاء كل أربعاء وسبت، في الإقامة الرئيسية للحاكم. يستدعى الضيوف دائما، خلال التوقيت نفسه، أي السابعة ونصف مساء. يقدم لهم شرابا، في انتظار قدوم “كيم يونغ إيل” على الساعة الثامنة مساء. يجبرهم التقليد، على احتساء شرابهم بأقصى سرعة ممكنة. حين، حلول الساعة العاشرة ليلا، يكون الجميع ثملا بالمطلق.

يبتغي يونغ إيل خاصة، الظهور بهيأة أولمبية، ويتناول لذلك طعاما متميزا أكثر بخصائصه الذكورية. ذات يوم، وضع أمامه قضيب دب البحر. بادر، القائد العزيز إلى تقطيعه لجزيئات صغيرة على طاولته، داعيا ضيوفه إلى الوليمة، ثم شرع يسرد عليهم تعاليمه لتلك الليلة : ((هيا، تناولوا قضيب دب البحر، وأخبروني بعدها، كم مرة ستفعلون لما تعودون إلى زوجاتكم !)).

إحدى المشاركات الدائمات، تؤكد لنا : ((هذا النوع من الاحتفال، قد يستمر أسبوعا)). في اليوم الأول، يبدي الفتيات الشابات تقديرهن للقائد. تشكل المشهد الافتتاحي،رقصة هندية بلباس تقليدي يبرز السرة، ومرتديات سراويل واسعة. أساور تجلجل في الكعبين، وشال أ زرق باهت يلف أجسادهن : ((بينما تكسو وجه “كيم يونغ إيل” علامات العربدة، ويزداد المرح بين صفوف الحاضرين. يصعد فريق البهلوانية إلى الخشبة. صدور الفتيات، تغطيها بالكاد صدرية النهدين، ومجرد قطعة قماش حمراء، شفافة تقريبا، على مستوى أسفل أجسادهن. بغير سروال، يرفعن سيقاهن، ويكررن حركاتهن الشاذة، وهن يتلوين بقاماتهن)). أشباه الموتى السكارى، لا يطيقون على الأمر صبرا، فيسرعون صاعدين إلى خشبة المسرح من أجل : ((تمزيق القماش، ولمس القسم السري)) يونغ إيل، المتأجج كليا، يرفع نخْبه ويطلب من الجميلات المترنحات أمامه، إنشاد الأغنية الكورية الجنوبية، المعنونة ب : “أنا قبيح”.

في اليوم التالي، تتفاقم الوضعية. يشغل ثانية، الفريق البهلواني المسرح، وبلباس أيضا أكثر إثارة. قماط صغير، يكشف كليا عن صديرية النهدين، ثم سروال قصير بالنسبة للأطراف السفلى : ((رقصن مثل فاجرات، وقد أثنى عليهن كيم بخصوص عمق صدقهن)).

هناك تفسير، لهذا الفحش المباغث للألبسة، وكذا رقصات مجموعات اللذة. فقد عادت للتو إلى البلد، بعد شهر كامل من السفر إلى أوروبا، تكلف بمصارفها كيم يونغ إيل. الوجهة كانت : كباريه « Le lido » بباريس. يستعدن تصميم الرقصات، ويمارسن الأجواء عينها. يقدمن، بمناسبة عودتهن عرضا فنيا، يثير إعجابا يسلب لب راعيهم : ((يظهرن، وهن يخبأن قليلا أثداءهن بخيط يلمع. أما في القسم الأسفل، فيحجبن فقط المنطقة الجوهرية)).

كيم يونغ إيل، المسكون بهاجس عبادة الوطن سينادي على الراقصات وكذا مهندس لوحاتهن، ويصدر أمره، بأن يتم فورا تسجيل أعضاء الفرقة كوطنيين. إنه يثمن كليا هذا الرقص الأجنبي المتأتي من ضواحي باريس، بل قرر نفسه إقامة استعراض. طرح بفخر، مشروعه على وزيرة الخارجية الأمريكية “مارلين ألبريت” إبان زيارتها شهر أكتوبر 2000 : كيم يونغ إيل، شخصيا من سيضع فصول الحفل الكبير، حسب أسلوب “لاس فيغاس” الذي سيتم على شرفها، خلال تلك الليلة.

* أسماء الأسد : في السراء والضراء.

زوجة الرئيس السوري، السنية المذهب والمنحدرة من مدينة حمص، اخترقت بصعوبة، جماعة الأسرة العلوية. ولظروف الأزمة الحالية، فقد احتمت بنكران الحقيقة. أسماء الأسد، تستقبل بنفسها ضيوفها مرتدية في أغلب الأحيان سروال جينز وقميص تي شرت. يقطن، الثنائي الأسد، منزلا عصريا مضاء بنوافذ ضخمة وشفافة، تواجد بحي المالكي في دمشق. الأسطورة التي أشاعتها صحافة الشخصيات العمومية تردد أن الحراسة هناك شبه معدومة : ((لأن المحيطين بك، يتكلفون بهذا الأمر)). تؤكد أسماء الأسد، في حديث إلى مجلة ” »Vogue » شهر فبراير 2011. شهر بعد ذلك، اندلعت الثورة في سوريا. نظام حديدي لائكي، ينتمي إلى شرق أوسط يعيش غمرة إعادة التشكل. منذئذ، فإن السيدة الأولى الفاتنة جدا، قد صمتت غير آبهة بآلام مواطنيها . تلك التي لقبوها ب “الليدي ديانا” الشرق الأوسط، تتكفل بقمع مرعب، أودى بحياة 5000 سوري ((الرئيس، رئيس لكل سوريا، وليس مجرد جماعة السوريين، والسيدة الأولى تدعمه في مهمته))يعلن أخيرا مكتبه عبر بلاغ مقتضب، يعبر ضمنيا عن البعث الحزب الوحيد، المترهل بعد أربعين سنة من السيطرة على البلد.

أصدقاؤها يتساءلون. أهي سجينة النظام ؟ أليست مجرد وجه مبتسم لديكتاتورية لا ترحم ؟ أو تفضل الاحتماء بالإنكار : ((يتناوب وجهان عند أسماء، يحكي أندرو تابلير، صحافي أمريكي اشتغل إلى جانبها خلال السنوات الأخيرة : من جهة، وجه امرأة عصرية. لكن أسماء، يمكنها أيضا التخلي عن بعض مبادئها قصد وصولها إلى ما تريده)). وجهان، يرسمان فعلا، رافدي حياتها.

تبدأ الحياة الأولى، بمحاذاة نهر التيمز، حيث ولدت سنة 1975، وسط عائلة سورية هاجرت إلى لندن سنوات الخمسينات، أبوها “فواز الأخرس”، طبيب أمراض القلب، وأمها “سحر” ديبلوماسية في السفارة السورية.أسماء التي يلقبها زملاؤها داخل الفصل ب “إمّا” تتردد على “كينج كوليج” الشهير. لكن، فترة العطلة الصيفية، يرسلها والديها إلى بلدتها الأصلية حمص، عاصمة الثورة حاليا.

أسماء، المتألقة والطموحة، ابتدأت مسار محاماة الأعمال عند جان بيير مورغان، حيث اختصت في التعاملات المالية للمقاولات. مع نهاية أعوام التسعينات، كان تعيش وسط فضاء تعارض بألف مقام، مع المنظومة الصارمة التي حكمت باقي مواطنيها السوريين، الذين خرجوا من ثلاثين سنة، انتظموا طيلتها في صف الاتحاد السوفياتي سابقا.

مع ذلك، وبناء على السرية المطلقة، نسجت أسماء خيوط قصة حب مع طبيب عيون، التقته أثناء إحدى زياراتها الصيفية إلى دمشق، لكن بسبب الموت المفاجئ لأخيه باسل، الذي كان من المفروض أن يخلف أبيه حافظ الأسد على حكم سوريا، فقد نودي على بشار كي يتم تحضيره للمهمة العليا.

بالرغم من خجله وانعدام التجربة لديه، رقي الفتى الشاب بسرعة، شهر يونيو 2000، عن سن الخامسة والثلاثين، إلى منصب رئيس الجمهورية، عقب وفاة “أسد دمشق”. أسماء، كانت قد أخفت عن رئيسها في الشغل علاقتها مع”ابن الرئيس السوري”.

خلال فصل الخريف، قدمت استقالتها التي قوبلت على الفور، متنازلة أيضا عن مكافأة آخر السنة، ما دامت حياة أخرى تنتظر الفتاة الشابة، التي ستتزوج بشار شهر نوفمبر، من أجل السراء والضراء.

مرة ثانية، وفي إطار أقصى درجات السرية، لم يتم تسريب أية صورة لحفلة الزواج إلى الصحافة السورية.

أسرة الأسد، المنتمية إلى الأقلية العلوية المسيطرة على البلد، لم تستسغ قط هذا الارتباط بأسرة سنية، تجتر أغلبيتها حرقة استبعادها طيلة عقود. وكما، يحدث غالبا في العالم العربي، ستخرج من العتمة “أنيسة” أرملة حافظ الأسد. فلا مجال أبدا لأسماء كي تظفر بلقب السيدة الأولى. وريثة، لعشيرة مخلوف القوية، ستفعل الحماة كل ما بوسعها، كي تهمش زوجة الابن. وقد ساندها في سعيها بشرى الأخت الكبرى للرئيس الجديد، التي تريد بدورها استغلال مكانتها كي تسمع صوتها، مستفيدة داخل العشيرة من الدعم الثمين لزوجها الجنرال “آسف شوكت” المسؤول عن الجهاز المرعب “الاستخبارات العسكرية”، بحيث يحتاج إليه الرئيس الشاب، بغية توطيد سلطته في مواجهة الحرس القديم للحزب.

لكي، تتخلص أسماء من الطابع السري الصلب للعشيرة الأسروية، انتقلت

لا كتشاف شعب تعرفه قليلا. على امتداد ثلاث أشهر، زارت أكثر من 300 قرية، ثم مستشفيات ومدارس ومصانع: ((أبحث عن الكيفية التي أصير بها مفيدة)).

تعتبر، أسماء نعمة بالنسبة لبشار، لأنها ساهمت في تكريس صورة المصلح التي لازالت تنسب إليه. سنة 2002، ولد ابنها حافظ، الذي يمكنه في يوم من الأيام، خلافة والده على رأس الدولة الجمهورية لعائلة الأسد. اسمه، يستحضر ذاكرة جده، الذي عرف كيف يقمع جل معارضيه طيلة ثلاثين سنة، من حكمه الفردي لسوريا. يظهر الزوجان في مطاعم بدمشق أو حلب، وسط شعب رأى في هذا ((الطبيب الشاب الذي تعلم في أوروبا)) زعيما مختلفا عن باقي طغاة الشرق الأوسط. الغرب، أيضا آمن بنفس الفكرة. سنة 2002، حل بشار زوجته، ضيفين على ملكة قصر باكينغهام، وقبل ذلك استقبلهم جاك شيراك في قصر الإليزي.

غير مطروح بتاتا لدى أسماء تضييع وقتها لزيارة محلات هيرمس، فقد فضلت زوجة الرئيس موعدا، مع المدرسة العليا للتجارة : (( في تلك الحقبة، حتى الصحافة الإسرائيلية، أمطرتها مدحا)) يتذكر سفير سابق فرنسي بدمشق. لكن، وإن نقل الأخير، إلى وزارة الشؤون الخارجية السورية، معطيات الثناء كما أوردتها صحيفة “هاأريتس” عن أسماء، فقد حافظت الوجوه على قساوتها.

داخل العشيرة، تتناول زوجة الرئيس خبزا من الحنطة السوداء. ذات عشية عيد ميلاد، عانت أزمة عصبية، نتيجة سريان إشاعة. وزوجها، تجند لأولى معاركه بعد أن أشارت أصابع الاتهام إلى سوريا، بخصوص قضية اغتيال الحريري الوزير الأول اللبناني. العلاقات مع الغرب، ولا سيما فرنسا، أضحت في غاية الرداءة. حاتم النوصيبي رئيس شركة طوطال يتذكر، أنه انبهر بذكاء أسماء إبان أول لقاء جمعهما : (( لقد أوحيت لها بتلميح، لكن عند مستوى ثان، وبعد أن استوعبته فوريا، أجابت بنفس المنوال، إدراكها أن مجتمعنا يشتغل على المدى البعيد، وبالتالي لا ينبغي تحميل شركة طوطال، ما قد يترتب عن علاقات سيئة بين بلدينا)).

أخيرا، وعلى خطى الرئيس، استطاعت زوجته فرض نفسها على مجموع الإخوة والأخوات. هكذا أجيز لأسماء، التمتع بلقب السيدة الأولى، بينما أخت زوجها نفيت لفترة زمانية إلى أبو ظبي.

وبفضل ما نسجته من علاقات مع المنظمات غير الحكومية، اقتربت أسماء الأسد من أفراد شعبها، مستندة على أسطورتها التي تشكلت بالخارج، ومستمرة في ترديد دعوة الجميع إلى “مشاركة فعالة” : ((كل واحد يلزمه تحمل نصيبه من المسؤولية في مسيرة البلد)).

بشخصيتها الأنطوائية والحربائية ؟ فالمحامية السابقة في القضايا التجارية، لا تؤمن أبدا بما تفصح عنه : (( أشك، إن كانت تمتلك تأثيرا حقيقا على قرارات زوجها)) يؤكد أندرو طابلر.

لكن، هل ستتمسك أسماء إلى النهاية بسلطتها. أم الأمر مجرد تصنع؟

 

 

 

 

* كاتب وباحث ومترجم من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق