قراءات ودراسات

رواية الجزار.. وتوليفة من أفلام الرعب العالمية

محمد المطارقي

لم يسبق لي أن قرأت له من قبل..لكن الفضول دفعني لأن أقرأ تلك الرواية التي استطاعت أن تأخذ بتلابيب ابني المراهق..والذي ربما لم تكن قراءة الروايات وخزعبلات الأدباء تشغله ..فهو كالعديد من الشباب تجتذبه عوالم أخري وثيقة الصلة بالسوشيال ميديا بكل ماتحمله هذه العوالم من وسائل جذب وإمتاع.
هي من تلك الروايات سريعة الهضم. الجاذبة للقارئ البسيط..والتي يمكن تناولها في غضون وجبة واحدة..
والرواية كما هو معلن علي غلافها بلغت طبعاتها أكثر من عشرين طبعة برغم سعرها الذي يغلب علي ظني أنه مرتفع. قلت في نفسي يا الهي..الي هذا الحد..!!
لا أعرف ما الذي جعلني أتذكر نجيب محفوظ…والعديد من المبدعين الذين أفنوا أعمارهم في محراب الرواية.. !
حسن الجندي يتگأ علي لغة أقرب إلي التقريرية ..والخبر الصحفي. الرواية الجيدة عموما تستشعر مدي الجهد المبذول وراء الصفحات من حيث اللغة؛ الأسلوب..الأحداث..الفكرة..الشخصيات بصراعاتها المحتدمة وتناقضاتها..فضلا عن طريقة العرض والتناول..
رواية الجزار لكاتبها حسن الجندي هي موجهة ـ غالبا ـ لفئة الشباب (المراهقين)
فهم الشريحة الأكثر احتفاءا بها .. وهي مستمدة في أجوائها المخيفة بتلك النوعية من الأفلام الأجنبية المثيرة للرهبة والرعب وآكلي لحوم البشر..بيد أن هذه النوعية من الأفلام قد يكون لها مايبررها فهي تهيأ المشاهد نفسيا لتقبل ماسيحدث برغم عدم منطقيتها.. هي أشبه بالكوابيس والتهويمات العجيبة ..وغالبا تحدث في أماكن مناسبة لحالة التلقي وتهيأة أجواء للترقب والقلق.
(الجزار) توليفة رديئة من أفلام الرعب العالمية، واستكمالا لسلسلة أفلام الانتقام الشهيرة المأخوذة عن رواية “الكونت دي مونت كريستو”.. للكسندر “دوما”. كأمير الانتقام.. و دائرة الانتقام وأمير الدهاء والمرأة الحديدية..واللص والكلاب والتي تذكرنا أيضا بقصة السفاح الشهير “محمود أمين سليمان” في خمسينيات القرن العشرين والذي كان حديث الصحافة اليومي ..وتحولت قصته لرواية وفيلم سينمائي…
وهي نوعية من القصص والأفلام التي يقع فيها البطل تحت وطأة الظلم والقهر ليتحول بعدها بفعل تلك الضغوط من شخصية طيبة مسالمة..هادئة الي إعصار مدمر ينتقم من كل الذين أساءوا اليه، وقتلوا فيه الجانب المضيء المتمثل لكل جوانب الخير .
والمؤلف يوظف كل الحيل النفسية ولا أقول الفنية التي تبرر فعل الانتقام .فالشخصية المحورية في الرواية( آدم ) ذلك الشاب الطموح..المسالم العاشق لزوجته وابنته..المجتهد في عمله ..يتحول الي مجرم ينزف مقتا وبغضا ويسيل غضبا يثير الذعر والرعب في قلوب من أجرموا في حقه . فهو لا يكتفي بقتلهم والتخلص منهم بل هو يستخدم أقسي درجات الانتقام بسلب أجزاء حية من آجسادهم وطهيها وتناول لحومهم أمامهم كنوع من التشفي والتلذذ بالانتقام.
والذي يثير الدهشة والاستغراب أن هذه الشخصيات التي أجرمت في حقه أصبحوا هم أنفسهم ضحايا لشخصية أصيبت بالسادية . فظهروا بصورة بائسة تثير الشفقة والتعاطف برغم سجلهم الحافل بالإجرام والقسوة والظلم باعتبارهم رموزا لجهاز أمن الدولة. وما أدراك ما أمن الدولة !!..هم الذين يستخدمون آليات مخططة وممنهجة تخدم ملفاتهم الأمنية ..انهم يمارسون كل وسائل القهر والتعذيب لانتزاع اعترافات أو الوصول الي دلائل تحفظ سلطتهم وتحصن مناصبهم.. بدعوي الأمن العام والحفاظ علي أمن واستقرار الوطن. وهكذا يستفيد الكاتب من المخزون النفسي عند القارئ فيقوم باستغلاله بل واستفزازه ليصنع منه طرف صراع يدفع به (أى بالقاريء) لأن يقبل بل ويتلذذ منتشيا بهذه الصور البشعة من الانتقام. فهو على كل الاحوال سيجد نفسه منحازا الى الجانب المقهور، مدفوعا برغبة جامحة فى الدفاع عنه. فالبطل فى البداية يتم تعذيبه في محاولة رخيصة ليعترف بجريمة إرهابية لم يرتكبها.. وهم يعلمون ذلك جيدا ..ثم يتم اغتصاب زوجته الجميلة المسكينة..مريضة القلب لتخرج روحها وهي تحاول الدفاع عن شرفها ثم يتخلصون من جثتها ويرمون بها داخل جوال فوق تل من القمامة. كما يتم هتك عرضه هو نفسه باستخدام عصا يتم وضعها في مؤخرته بواسطة أحد المخبرين.. لحظات رهيبة..شديدة القسوة استطاع الكاتب أن يشحن بها قلب القارئ ويوغر صدره ليتقبل بعد ذلك ماسوف تقوم به الشخصية / الضحية من انتقام. ولعل انتقام البطل كان أكثر بشاعة..فهو لم يكن ليكتفي بالانتقام في صورته التقليدية المعروفة من محاولات الاغتيال والقتل..بل بلغت حالة الغضب والغليان به أن كان يقوم بتخديرهم بالمورفين ويستقطع أجزاء حية من أجسادهم والتهامها بتلذذ بعد طهيها واضافة خليط من التوابل اليها.
الرواية بسيطة..وهي تسلم نفسها بسهولة للقارئ العادي..
..ثمة استطراد واجترار لصفحات كاملة (قص ولصق) حين لجأ الكاتب الي محاولة الفلاش باك أو الاسترجاع أكثر من مرة دون أن يكلف نفسه عناء اضافة تعبيرات أخري جديدة تخدم المشهد وتوضح مايدور من صراع نفسى (منولوج داخلى).. كأنما يسعي لتسويد عددا معينا من الصفحات.
الرواية تفتقر الي اللغة الفنية التي يستدل بها علي قدرة الكاتب وبراعته في السرد والتوصيف..كما أن المعالجة تحمل قدرا من السذاجة . اذ كيف لجهاز في حجم أمن الدولة يظهر بهذه الصورة القميئة ويقف عاجزا أمام شخصية “آدم” ويبوء بالفشل الذريع ليتم الانتقام من جلاديه بهذه الصورة المزرية.
الرواية كاشفة لأسرارها وشخصياتها وأحداثها بشكل فج..ولا تمنح فرصة للقارئ لأن يعمل خياله..وإنما التركيز الآكبر كان يصب في طريقة الانتقام واظهار الشخصية الرئيسية بمظهر الشبح..ليؤكد علي كون الرواية تنتمي إلي أدب الرعب بما تحمله من كابوسية و بوليسية الأحداث.. ولعل هذا هو السر وراء انجذاب الشباب لهذا اللون من الكتابة.

محمد عبد الظاهر المطارقي
مصر ـ المحلة الكبرى 2019

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق