قراءات ودراسات

المجتمع العربي الإسلامي بين لغة الانهزام وثقافة الالتزام

محمد الحمّار *

نحن لم نبتعد عن ديننا لأننا لا نُشهد أو لا نصلي أو لا نزكي أو لا نصوم أو لا نحج، بل لأننا لم نتعلم في العصر الحديث أنّ تلك الأركان مفاتيح لأبواب العلم، وهي على ذمتنا كلما انحرفنا عن سواء السبيل لكي نستوي من جديد، وكلما انفصلنا عن “العروة الوثقى” لكي نستمسك بها من جديد، وكلما أفسدْنا ما بعقيدة التوحيد لكي نصححها في القلب وفي العقل قبل أن نمارسها في العلم وفي العمل. وهذا الابتعاد المنهجي، إن صح التعبير، عن الدين.. يخدم دون أدنى شك لفائدة مزيد من التعثر في حركات الإنماء والتقدم في المجتمع العربي الإسلامي ككل، لأنه يطال أس الأسس: الخلفية النظرية للحركة والفعل، ومحورها عقيدة التوحيد. وإلى جانب الأس النظري، والخطوط العريضة لمنهجية عامة في التعامل مع ثنائي الدين والعلم عموما لصيانة عقيدة التوحيد، و الذي سبق أن عرضتُه (1)، فلنتأمل، مرة أخرى، في واحد من أخطر جوانب الواقع المعاش، الواقع اللغوي، لنرى، هذه المرة، إلى أيّ مدى نحن بعيدون عن الدين ومفسدون لعقيدة التوحيد، ثمّ لنحاول رسم خطوط ٍ للحلّ الملائم، تكون تواصلا لِتلك التي جاءت في أدبياتي النظرية، وبالتحديد أدق منها.

“إذا قال الرجل هلك الناسُ فهو أهلكَهم” (وأيضا “أهلكُهم”)؛ هذا حديث شريف صحيح (2) شد انتباهي لمّا استشهدَت به آنسة من بين أصدقائي على موقع فايسبوك. وهو في نظري دليل آخر على صلاحية المنهاج الألسني، الذي سأستعمله كأداة لا فقط للتوصل إلى مواطن الداء في الاعوجاج العقائدي، وإنما أيضا لاكتشاف الأدوية اللازمة له.

بالتأكيد، نحن نعلم أن علاقتنا باللغات عموما وبالعربية خصوصا ليست في وضع يؤهلنا للارتقاء الحضاري، لكننا نجهل أنّ التخلف اللغوي (3) له علاقة مفصلية بالتخلف العقائدي. نحن لا نعرف أنّه لمّا يكون أداؤنا اللغوي فاسدا على النحو الذي هو عليه اليوم، فإنّ ما فسد في اللغة دليل على وجود فساد في تناولنا لعقيدة التوحيد. وفي هذا السياق ألاحظ أننا مُخلون بالأداء اللغوي العام في ما لا يقل عن ثلاثة أبعاد.

أوّلا، وهو البُعد الرئيس، نحن نعتبر، اكتفاء بمظاهر الأمور، أنّ اللغة لغات، وليس لدينا في أدبياتنا ولا في ممارساتنا ما يدلّ ، في الحقيقة، على أنّ التوحيد ثابت علميا حتى في اللغة. إذ يقول نعوم تشومسكي إن اللغة واحدة وما تشعبها إلى لغات عديدة إلاّ من باب الخصوصية الثقافية والاجتماعية لمتكلمي كل لغة (4). كما يتمادى مؤسس الألسنيات المعاصرة ليؤكد على أنّ النحو أيضا واحد، ويسميه”النحو الكلي” (5).

فلو كنّا مستبطنين خير ما يكون الاستبطان لهذا المبدأ التوحيدي العلمي لَما كنا نتخاطب بالفصحى فقط لتفسير القرآن الكريم، ونتعامل بالفصيحة في الشعر والأدب فحسب، ونمرّ إلى العامية في تناول الشأن اليومي، ونتلعثم في التعبير عن مشاعر يُفترَض أن تكون من النبل بمكان على غرار التقوى والحب والكرامة والشهامة والانتصار. ولطالما تحول الإيمان إلى شركٍ و الحب إلى كرهٍ والكرامة إلى ذلٍّ والشهامة إلى جبنٍ والنصر إلى هزيمة. حينئذ، وللتكفير عن ذنوبنا والتنصل من المسؤولية الجماعية، ألسنا كلنا مورّطين في اللجوء إلى قولة ” هلك الناسُ؟

ثانيا، وهو باب التراث والموروث الديني على وجه الخصوص، وسُوء تعاملنا معه كما يبرز من خلال الأداء اللغوي الفاسد. فكل الألسنيين يعلمون أن للغة بعدين متكاملين بإزاء ثنائية الزمان والمكان: البعد الديكروني وهو بعدٌ يجسم التطور التاريخي والبنيوي للكلمة وللمعنى وللدال وللمدلول؛ والبعد السنكروني وهو بعدٌ يصف اللغة في زمنٍ ما وفي مكانٍ ما، من دون الحفر العميق والمعمق في التربة التاريخية. وماذا حصل لهذين البُعدين عند المتكلم العربي المسلم في ضوء جهله لمبدأ التوحيد اللغوي وفي غياب التعامل بمقتضاه أي التعامل مع اللغات على أنها واحدة أي خاضعة إلى قوانين كلية واحدة ومقاييس عقلية واحدة؟

ما حصل هو غرقُ المتكلم العربي المسلم في يمّ البعد التاريخي البنيوي الديكروني وعدم إعارته الأهمية اللازمة للتوازن بين البعدين والذي يتطلب إنقاذ البعد الوصفي السنكروني.(6)

وهل هنالك عامل غير عامل الموروث الديني وكل المشكلات المتسبب فيها سوء التعامل معه، لتعليل مغالاة المتكلم العربي المسلم بالبُعد التاريخي للغة؟ طبعا لا.

ثالثا، والتشبث بالتراث (النقطة الثانية) لأنه مشكلة لم تُحلّ بعدُ، وذلك بالنظر إلى ما يعوزنا في باب المبدأ التوحيدي (النقطة الأولى) يأخذنا إلى بُعد الثقة بالنفس. والملاحظ عند المتكلم العربي المسلم أنه ضعيف الثقة بالنفس في المجال اللغوي. وهو برهان على ضعف في الثقة بالنفس على كافة الأصعدة، لا سيما على صعيد العلاقة بالتراث، عقيدة وتاريخا وزمانا ومكانا.

و يظهر هذا الانخرام الذي أصيبت به ثقة المتكلم بنفسه، في الأداء اللغوي، في وجهين اثنين وقناة رابطة بينهما: وجه انكماشي تراثي، حيث ترى المتكلم يغالي في استعمال عبارات مثل”يا حسرتاه، كنّا الأفضل والأحسن” و”يلزمنا قرون لكي نعود إلى أمجادنا كما كنّا” و”نحن سننتصر على إسرائيل؟ ينبغي الانتظار مائة سنة قبل تحقيق ذلك”، وما يلزم من استشهاد في غير محله وبغير علم بآيات بينات من الذكر الحكيم؛ وفي المقابل وجه يبدو معاكسا إلا أنه يبدو كذلك لأنه هروب إلى الأمام، حيث تسمع عبارات مثل “أرأيت الأسبوع كيف مرّ؟ لقد مرّ وكأنه يومان فقط” و” يا أخي لم يعد المرء يجد لنفسه الوقت الكافي للتفرغ للمطالعة وللكتابة وللفسحة” و “إسرائيل هذه، يمكن القضاء عليها في ظرف عشر دقائق لا أكثر”، وآخر تقليعة لغوية في بلدي اليوم هي “احكي لي الحكاية من الآخر”؛ ويتمّ إرداف الكل بما يتيسّر من ألفاظ مستعارة من ترسانة اللغة الأجنبية، لتدعيم ذلك الهروب نحو المعاصَرة والحداثة.

أمّا القناة الرابطة بين هاذين الوجهين، و يا لها من قناة، فهي ممرّ لا فقط لكلمٍ من صنف اللغو أو الحشو، بل لأقوال مستندة إلى مواقف مختلّة ستولّد، كما سنرى لاحقا، سلوكيات معتلّة: “اسكت فقد يكون الجهاز كذا في وضع تنصّت لكلامك” و “ألا تعلم أنّ مثل هذا الكلام مآل صاحبه الوقوع في فخ المخابرات الأمريكية؟” و “انتظر يا خواجة حتى يأتيك الكلام من عند ابن ماجة” و”يا أخي لقد فسدت الدنيا ولم يعُد هنالك أمل” (رغم أنّ الإسلام قد نهى عن سب الدهر) و” كيف؟أنتَ ستنجز كذا وكذا، والحال أنه لم ينجزه العالم فلان والباحث علاّن من قبلك؟” و” أنت تهذي، ألَم نتّفق نحن العرب والمسلمين على أن لا نتّفق؟” و “لقد هوّدوا القدس وهدموا معالم ثقافتنا فيها” و”ألم تسمع أنهم قسّموا العراق؟”

هذا طبعا فضلا عمّا تتسم به اللغة من تأثير في مجرى الأحداث المستقبلية والمصير. فالشعور و الفكرة سابقان للكلمة، والكلمة سابقة للحدث. وفي والوضعيات الموصوفة أنفا نلاحظ، من ناحية السبق الفكري على الكلمة، أنّ لغتنا (المستعملة على أرض الواقع) تترجم فكرا وعقلية متخلفين. كما نلاحظ، من ناحية سبق الكلمة على المصير، أنّ هاته اللغة تكرس الانهزام و تميل إلى تحديد مصيرٍ مظلم، والعياذ بالله.

ومن ثمّة ندرك لماذا ليس لنا ثقافة الالتزام: ترى بعضنا يعدُ ويُخلف الوعد، أو يتحمّس لفكرة قبل أن يتجنبها بكل اعتداد، أو يعطيك انطباعا بأنه فاهم لموضوعٍ ما، مع أنه سيثبت سريعا أنه لم يفهم شيئا؛ ولن يعترف لا بمخالفة الوعد ولا بعدم تواضعه وبرفضه الإصغاء لغيره ولا باستعصاء الفهم.

وفي الحقيقة ما نعيشه من أزمات وجدانية ناتجة عن نكسات سياسية وعسكرية وغيرها من الهزائم، يدلّ على أنّ ثقافة الالتزام تعوزنا، وبالتالي على أنّ رياح الأحداث قد جرت بما لم تشته سفنُ متكلمي اللغة في المجتمع الكبير، لأنّ للريح سننٌ لم يدركها ولم يدرسها المشتهي، ما جعل شهوته الأصلية تتبدّل فتستقرّ في وضع واحد، تعيس: انتظار جري الريح في اتجاه واحد، اتجاه التيه والضلال. وهل من منهاج أفضل لتكريس تعدد الاتجاهات خيرٌ من قلب “شهوة السفن”، من وضع الازدراء من الذات والتقوقع في الهوان إلى وضع التحرر والتكشف على النور والأفق الرحب؟

يقول المثل الشعبي عندنا “كلمة عليها شيطان وكلمة عليها ملَك”. ولكي نفهم لماذا توقف مستعمل اللغة عن تموين الفكر المستقبلي بكلام تملؤه شحنة من الأمل المستدام، ولكي ندرك كيف يمكن أن يتمّ التحوّل من وضع يكون فيه المتكلم منتجا لـ”كلمة عليها شيطان” (الوضع السائد) إلى وضع يكون فيه منتجا لـ”كلمة عليها ملَك”، لا بدّ أن نقوم بزيارة استطلاع واستكشاف ثانية داخل “قناة النار” التي عثرنا فيها بعدُ على نماذج لغوية تنمّ عن عقلية مزدراة من الذات وتدل على إحباط في العزائم.

والزيارة الثانية سوف توصلنا إلى السلوكيات المعتلّة الناتجة عن تلك العقلية. وبادئ ذي بدء، واستئناسا بعلم اللغات، ينبغي الكشف عن الكيفية التي تشكلت بها تلكم السلوكيات. إنّ “قناة النار” اسم أستعيره ليدلّ على مُسمّى، أو مدلول، افتراضي. وهذا المدلول عبارة على ركن في الوعي/اللاوعي تُطبخ فيه غرائب المواقف والسلوكيات اليومية التي تتحكم بها حركة المتكلم المسلم. ويحصل تشكل وإعداد ونمذجة تلك السلوكيات، في اعتقادي، حسب وتيرة الحركة اللغوية لدى هذا المتكلم وحسب سرعته في التحول من صنف من الأداء إلى صنف آخر، وكذلك حسب موجبات حركته وسرعته؛ وذلك بالنظر إلى مبدأ التوازن (المفقود حاليا، كما رأينا أنفا) بين البعدين، السنكروني (الوصفي؛ أين يُحبذ التعامل الفوري مع اللغة وفكرها) والديكروني (التاريخي، البنيوي؛ أين يسكن التراث والموروث).

سيتحدد إذن تقييم الأداء اللغوي/الفكري لمستعمل اللغة من أمة المسلمين عموما ومن العرب خصوصا بمقتضى نجاعة هذا المستعمل في تنقله من السنكروني إلى الديكروني ومن الديكروني إلى السنكروني، بمقتضى توغلاته وموجبات توغلاته في عمق السنكروني أو في عمق الديكروني، وبمقتضى تملكه للمهارات التي ستسمح له ببلوغ التوازن بين البعدين.

فلننظر إلى صاحبٍ لك، يتعهد بمساندة مشروعك الفكري من تلقاء نفسه قبل أن يأفل من تلقاء نفسه لكي يعود إليك بعد أشهر معتذرا ومتعذرا ومعللا ومعتلاّ؛ إنه من الصنف الذي يقفز بطفرة واحدة بين السنكروني و الديكروني ليعتزل الحياة في هذه البئر الأخيرة. أو لنشاهد صورة الرفيق الذي يعِدُ بمرافقتك في رحلة تدوم يومين إلى الشاطئ كذا أو إلى جزيرة كذا للمتعة وإزالة إرهاق سنة بحالها من العمل والكدّ، ولكنه في النهاية يختار اعتزال الراحة والمتعة وذلك بتبجيل الحل السنكروني الذي يفرض عليه نفسه من جهة لم تكن لا في بالك ولا في باله هو؛ لمّا صادف أن تقابلَ مع شخص حصل بينه وبينه كلام من الصنف السنكروني السحري.ثم وافق شنّ طبقة، فطلّق وصاله بحكاية كانت تربطه بك، قبل أن ينطلق نحو الحرية، حرية مزيفة.

فلماذا الانكماش في الماضي أو ما يقابله من زعمٍ للاندراج في الحداثة عوضا عن مجابهة الداء والعمل على تخصيص الدواء له؟ وبدء العلاج يكون بالامتناع عن تيئيس الناس لكي لا يكون لهم على من يوئسهم حجة ولكي يتجنب هذا الأخير غضب الله: “وقال (الخطابي) في النهاية من فتحها (كلمة “أهلكَهم”) كانت فعلا ماضيا ، ومعناه أن الذين يوئسون الناس من رحمة الله يقولون : هلك الناس أي : استوجبوا النار بسوء أعمالهم، فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا الله تعالى أو هو الذي لما قال لهم وآيسهم حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي فهو الذي أوقعهم في الهلاك” (7).

كما أنّ بدء العلاج يتمّ بتجنّب الإفراط في الثقة واعتبار الشخص الذي يوئس الناس نفسه خيرٌ من هؤلاء الذين هو مُوئسهم، بينما “وأما الضم (ضم كلمة “أهلكُهم”) “فمعناه أنه إذا قال لهم ذلك فهو أهلكُهم أي أكثرهم هلاكا ، وهو الرجل يولع بعيب الناس ويرى له عليهم فضلا.”(8)

ومهما يكن من أمر، ومهما كانت الأدوية الملائمة لإزالة الأعراض (اللغوية) لداءٍ (عُقدي وفكري) اسمه الإذعان لصورةٍ إنسانية فاسدة لعقيدة إلهية حقة، وهي عقيدة التوحيد، ينبغي أن يكون هنالك إطار منهجي يحدث فيه وبفضله حسن توظيف تلك الأدوية لكي يكون هنالك نسبة محترمة من حظوظ النجاح في مهمة العلاج.

وفي هذا السياق أقترح أن “نتكلم الإسلام”. أن “أتكلم الإسلام” يعني، كما أوردتُ في المقدمة، أن أعتبر أركان الإسلام الخمسة لا فقط طقوسا تُمارس طبقا للإيمان وإنما أيضا سبلا لتصحيح عقيدة التوحيد، بواسطة العلم، إن فسدت في عقولنا؛ ناهيك لمّا ثبت، كما بينّا أنفا، أنّ فساد العقيدة في العقول وفي السلوك حاصل. (9)

والمعنى العام والمبدئي لـ “أتكلم الإسلام” أن أمارس العبادة المندمجة و الشاملة كأني أتكلم اللغة أي أن أستأنس بكل تقنيات تطوير تعلّم اللغة، التي يوفرها علم العلوم، الألسنيات، لكي أطوّر الأداء أثناء العبادة.

ومنه سيسمح منهاج “أتكلم الإسلام” بتيسير استخراج بنية أو بنى من صميم الأنشطة العقلية والتواصلية التي تتضمنها عملية التكلّم، لنقل التطوير والتوليد والتحويل من بوتقة اللغوي/الديني التجريبي، إلى الحقل الواقعي، المادي والرمزي، بمختلف نشاطات الإنسان فيه. وأعني بذلك أنه سيكون من الممكن تصميم مشاريع عملٍ بالاستناد إلى تلكم البنى، وبالتوازي مع الاستناد إلى مختلف العلوم المتناظرة لمختلف النشاطات. وذلك بواسطة استنساخ نماذج تلكم البنى المستخرجة مبدئيا من علم العلوم، الألسنيات. في الختام أحوصل ما سبق من كلام:

*إن كانت لنا مشكلة مع الدين فهي راجعة، لا لضعف في ممارسة الطقوس الإسلامية، بل إلى سوء توظيف عقيدة التوحيد في الحياة عموما.

* إن كانت لنا مشكلة مع اللغة عموما ومع العربية خصوصا فقد تأكد أنها مرتبطة ارتباطا عضويا بمسألة اختلال الصلات العقلية بين الذات وعقيدة التوحيد، ما يجعل المشكلة تفرض نفسها قسرا (وفي غياب الحكمة والبحث العلمي) على أنها مشكلة لغة بالإضافة إلى تقديم نفسها قسرا على أنها مشكلة دين.

* إن كانت لنا مشكلة مع التراث والموروث الديني فمن المستحسن ومن الأسرع أن نعالجها، لا بتفكيك التراث، بل بتوخي الصرامة في تحديد هذا الأخير من خلال الأداء الفكري/اللغوي ثم وصله بالوعي من خلال نفس الجهاز اللغوي.

*إنّ ما يسميه بعضهم مشكلة دين وبعضهم الآخر مشكلة لغة إنما هو مشكلة علم ومنهاج علمي وكيفية تدعيم كليهما بالإيمان.

فبالعلم نفهم أن افتراض فساد مناولتنا لعقيدة التوحيد بارز في الظاهرة اللغوية، لذا فالأجدى صيانة العقيدة من ذلك الفساد ومن كل فساد محتمل، بواسطة الرعاية العلمية عموما واللغوية على وجه الخصوص. وثنائي الرعاية اللغوية والرعاية الدينية التعبدية الممارساتية مكمّل بعضه البعض ومدعم بعضه لبعض، زيادة على كونه محفزا للتخطيط لصغار كما لكبار المشاريع الإنسانية في كافة المجالات.

في نهاية المطاف، لا يسعني إلاّ أن أدعو بالهداية لذوي الإيمان والعلم من أمتنا الأبية بأن يراعوا تحولات العصر وما تحتوي عليه من تطورات في المناهج والأساليب المؤدية إلى غاية السبيل: تصحيح التعامل مع عقيدة التوحيد ابتغاء المرور من طور الجمود إلى طور الحركة و الارتقاء.


*معلم اللغتين الفرنسية والانكليزية، خبير التعليم العالمي، تونس، باعث فكرة “الاجتهاد الثالث” و”أتكلم إسلام”

الهوامش:

(1) محمد الحمّار، “الأسس النظرية للفهم الميداني للإسلام”، منشورة في عديد المواقع. بينتُ في الدراسة أنه يمكن إدراك التوحيد بواسطة الإيمان أو بواسطة العلم، والأفضل للمؤمن أن يدركه بكليهما.

(2) جاء الحديث وتفسيره على موقع ‘إسلام واب”

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=589&idto=589&bk_no=43&ID=451

(3) محاولتي “مقاومة التخلف اللغوي بوابة لانفتاح الحداثة على الإسلام” (أيضا “مقاومة التخلف اللغوي مدخل الحداثة إلى الإسلام”)، منشورة في عدة مواقع وفي صحيفة “العرب الأسبوعي”.

(4) و (5) حاوره ‘قي سومون” في كتاب “المفكرون الحقيقيون لعصرنا هذا” (بالفرنسية)، منشورات ‘فرانس لوازير’، 1989، من ص 127 إلى ص 136.

(6) ومن الكوارث التي تسبب فيها هذا التقوقع نكر الانقسامات الدموية الحاصلة منذ عقود بين الأشقاء؛ محمد الحمّار، دراسة “هكذا يتخلص المجتمع العربي الإسلامي من الصراعات الدموية”.

(7) و(8) المرجع عدد2.

(9) في الحقيقة كل الأفكار المتعلقة بـ”أتكلم إسلام” (أسميها أيضا “الإسلاميات اللغوية التطبيقية”) تعود إلى أس علمي، والله أعلم. وأولى الأعمال التي أنجزتها في هذا الصدد هي دراسة أكاديمية : “الألسنيات لإحياء الكفاءة في فهم الإسلام والحياة: كيف يرتقي المسلمون من طور الجمود إلى طور الحركة”، نشرت في مجلة “المستقبل العربي”، العدد 373، مارس/آذار2010، ص 93.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق