ثقافة السرد

عم بخيت والسمك الكبير

بقلم: على حزين

عم بخيت في العقد الخامس من عمره .. نحيف العود , لا بالطويل البائن , ولا بالقصير . يرتدي جلباباً بلدياً , فضفاضاً , صافية بلون السماء , وطاقيته فوق رأسه , وشاله علي كتفه دائماً هاشاً , باشاً .. في وجه الناس جميعاً , سهلاً , سمحاً , مرحاً , بسيطاً , عشري , ومتواضع جداً , أهلي ومنفتح على الآخرين , والهم لا يعرف له طريق , أو الحزن , هكذا عهدته , مذ عرفته .. وهذا هو الانطباع الذي يتركه بداخلك ـ من أول وهلة ـ وفي نفس من يراه .. من يدنو منه , ومن يكلمه يشعر وكأنه يعرفه من زمنٍ بعيد ..

ما من مرة ذهبت فيها للإدارة , التي بجوار المحطة , إلا ووجدته يضحك مع الكبير , والصغير.. والرئيس , والمرؤوس .. فهو يحب الضحك , والانبساط , مثل عنينه .. وربما تعداهما إلى اللهو البريء , والهزار مع الموظفين الذين يحسدونه على ذالك , ويعدونه ترفيهاً , وترويحاً عن النفس ليخفف عنهم ساعات العمل الطويلة …..

عمله في الإدارة فراش.. وقائم بالكانتين (البوفيه) .. ليس هذا فحسب .. بل له في كل شئ .. دفاتر تحضير .. ورق الإجازات , والمأموريات .. الخ ..”..

شاطر جداً.. وشهم , وابن بلد .. فهلوي .. وصاحب صاحبه .. الكل يحبه.. ولا يرفض له طلب , قدمه هي أول رجل تدب ــ كل صباح ــ في الإدارة .. يفتح .. ينظف المكاتب .. يكنس .. يمسح ثم يجلس بعدما يكون قد وضع غلاية الماء علي النار.. يستقبل الوافدين , والموظفين .. بابتسامته المعهودة , والتي لا تغيب عن وجهه البشوش أبداً.. بنظراته الممعنة .. الفاحصة .. يتفقد الجميع .. ومن لم يحضر يسأل عنه .. وإذا رأى أحداً .. مهتما , أو محزوناً .. أو مضايق , أو حتى صامت لا يدعه يصمت .. يكلمه حتى يضحك .. وذلك بروح الدعابة .. والمرح ..

ــ ما لك ..؟ّ! .. المرأة ضربتك النهاردة ولا إيه .. ؟؟!.

ينظر اليه .. مبتسم في وجهه.. وربما ألقي له بكل ما يحمله في جوفه .. من هموم الحياة .. وضغوطها , ونغصها .. ويفضفض له عن مشاكله التي لا تنتهي إلا بانتهاء العالم ..

ينهض عم بخيت ليعد الشاي .. وهو يلوح بيده.. وفي وجهه ابتسامته الجميلة .. وهو يردد :

ــ ملعون أبو الدنيا.. ولا يهمك , روق واشرب الشاي .. ما فيش حد وآخد منها حاجه ..!..

وعندما يكون الزحام على أشده , في أخر الشهر , والكل منهمك , ومشغول بقبض راتبه تراه .. لا يكف عن التصفيق .. وتعليقاته اللازعة .. ومشاكسته الطريفة .. تسمعه بين الفينة , والفينة .. يرفع عقيرة صوته , بكلمه واحده لا أكثر.. والتي تكاد تكون شعاره له .. أو من إختراعه .. والكل قد حفظها منه , عن ظهر قلب ..

ــ أوعى السمك الصاحي .. السمك الكبير ..!!!.

عم بخيت .. رجل مزارع .. فلاح معه أرض .. يقوم على زراعتها .. بعد إنتهاء ساعات العمل الرسمية .. أحياناً أراه يحمل فأسه خلف دراجته .. والمقطف .. وهو يغني فوق الجسر الحربي .. بصوت يسمعه من يمر بجواره :

ــ يا بحر يا أبو البحور موجك لعب بي .. عشمتني بالسمك ونزلت له المياي … دوبني موجك ليه ليه .. على البحر ورماني .. واللي بدور عليه .. سايبني وحداني …..

ذات مره , ذهبت إليه لآخذ راتبي الشهري .. فقد كلفته أن يأخذه من الصراف .. فهو محل ثقة من الجميع .. فأرشدتني زوجته القديمة علي مكانه في الحقل .. ( يقال بأنه تزوج بامرأة أخرى لتنجب له الولد .. وهي حامل في شهورها الآولى ) .. فذهبت إليه في الحقل .. فرأيته مترباً , وعفرت التبن تملأه .. وهو يدرس القمح .. وقفت للحظة فوق رأسه .. وهو لا يشعر بوجودي .. مرتدياً سرواله الطويل الأبيض .. والسديري فوق فانلته الصوف بني , قد امتلأت بزرات التبن .. والطاقية على رأسه .. والعمامة البيضاء مفرودة على كتفيه .. أعطيته صوتي لينتبه اليّ :

ـــ يا عم بخيت .. ؟! .. يا عم بخيت .. ؟!

أنتبه .. التفت نحوي .. وإبتسامته المعتادة .. تعلو وجهه .. مندهشاً

ــ أهلاً يا شيخ (.. .. .. ).

نهض , وهو ينفض يديه في سرواله , والسديرى المغبر .. مد يده , سلم علي .. ورحب .. أخذني من يدي .. وفوق سور الحقل جلسنا نتحدث .. تضحكنا سوياً برهة .. ثم أخذت راتبي .. وشكرته .. وانصرفت ..

عم بخيت.. رجل عجيب .. لديه قدره فائقة , في حفظ ما يقرب من عشرة ألاف عامل .. يأتون إلي الإدارة ــ من كل بلاد الله ــ وبديهته حاضره دائماً .. ذكائه متوقد.. وفطرته سليمة .. والكل يحبه .. فهو شهم .. وإبن نكته .. خفيف الظل .. والدم ..

أذكر في بداية تعييني .. ذهبت إلي الإدارة القديمة .. فلما رآني .. أخذ يكلمني .. ويضحكني .. وكأنه يعرفني من زمن فات .. رفع الكلفة .. وتخطى الحدود .. والرسميات .. ولآني كنت لا أعرفه بعد .. غضبت وقتها .. وثرت في وجهه .. فتركني وانصرف .. دون أن ينبت ببنت شفه .. غير أنه أخذ يضحك .. وهو يضرب كف بكف .. فعجبت لصنيعه .. ودهشت لما حدث .. فسألت عنه .. فأخبروني عنه , وأوقفوني علي حاله .. فرأيتني أتقرب منه .. كلما جئت إلي الإدارة .. لآكلمه .. وأمازحه.. بعدما تأسفت له .. علي ما بدر مني .. وقلت له :..

ــ سامحني يا عم بخيت , واللي ما يعرفك يجهلك …؟1

ومن حينها صرنا أصدقاء .. وأصبحت واحداً من الذين يحفظ إسمهم جيداً.. ويضحك معهم .. والذين إذا ما قابلوه في الشارع .. يسألوه عن السمك , وأخباره .. وهل هو كبير , وأم صغير .. وهذا الرمز يعد من إبتكاره .. للرواتب .. والبدلات .. التي نتقاضها.. والتي لا يعلمه إلا كل من ذهب إلي الإدارة , ليقبض راتبه الشهري وسمع عم بخيت , وهو يرفع صوته في تصفيق حاد

ــ أوعي السمك الصاحي .. السمك الكبير ..؟؟!

” فالسمك الكبير يعني الراتب .. وأما السمك الصغير فيعني بها البدلات , والعلاوات وغيره “

البارحة ذهبت إلى الإدارة الجديدة .. لأُقدم بيان حالة .. وأقبض البدلات المتأخرة المستحقة ليّ ..

لمحته .. وهو يدخل الإدارة .. وبيده ورقة شاي كبيرة .. فناديت عليه .. لآسأله عن أخبار السمك فالتفت بوجهه البشوش .. ضاحكاً .. وقال بصوت عالٍ :

ــ يا مسهل .. لسه ما فيش حاجه جاتت حتى ألان …!

تجاوزنا السلم سوياً .. ومكتب الصراف .. ثم جلست علي احد المكاتب .. في الغرفة المتاخمة لمكتب الصراف , الذي لم يأتي بعد , والساعة تخطت العاشرة صباحاً .. لاحظته وهو يضع الشاي فوق النار .. وهو ينشد لـــ “ياسين التهامي ” فهو متيم به .. وبقصائد المدح , والذكر .. وكان يتمايل برأسه يمنيناً .. وشمالاً مصفقاً بيديه السمراوين تارة .. واخرى يطوح بهما في الهواء .. وكأنه في حضرة .. أو حلقة ذكر ..

ــ يامدد يامدد يامدد .. يا عم يا فرغل يا مدد .. يا سيدي أبا العالمين المدد .. أبا القاسم مدد

وهو في حالة وجد , وهيام تام .. فأخذت أضحك في سري .. وأنا متجاهله تماماً .. لكني كنت اتابعه بأذني , وعيني أحياناً .. حتى يستمر في الأنشاد إلى أخر ألقصيدة .. وراحت عيناي تستسلم لتعسيلة خفيفة , فالمروحة فوق راسي .. والجو حار.. وكنت متعباً.. ومرهق , وفجأة , توقف عن الغناء , والتصفيق , والمدح .. وقد ألتفت زافراً , زأغراً إلىّ .. بنبرةٍ حادةٍ .. وهو يصب الشاي في الآكواب , الزجاجية التي أمامه.. وقد أبتسم في وجهي

ــ ما دام مش قد الحاجة بتعملوها ليه ….؟!!!

فهمت قصده .. واكتفيت برد الأبتسامة عليه .. واسترخيت علي المقعد .. ووضعت يدي علي خدي .. وأخذت أفكر فيما سأفعله بعدما أعود إلي المنزل .. وهو يتابع القول :

ــ انت هتنام هنا ولا إيه !!

ــ أصلي المكان بعيد يا عم بخيت , والدنيا شمس , والواحد منا ما بيصدق يجي ..!

هز رأسه وهو يعبر الممر .. متبختراً في مشيته.. ليقدم الشاي للموظفين الذين حضروا .. وهو يقول بصوته الجهوري .. المتميز بالكنة الصعيدية ..

ـــ هات بطانية لعمك الشيخ يا ولد … !

ضحكت مع من ضحكوا .. وعندما جاء الصراف .. أخذت مستحقاتي المالية.. وانصرفت .. تاركاً خلفي الإدارة .. وعم بخيت وهو منهمكاً في إعداد الشاي .. والإنشاد الديني .. وقصائد المدح التي يحفظها عن ظهر قلب .. فأشرت إليه بيدي من بعيد ــ مبتسماً ــ أن سلام ــ فأشار هو بيده فوق رأسه ـ مبتسماً ــ لي ــ أن سلام ــ …

*******************

على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر

من مجموعتي الثالثة ” حفيف السنابل “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق