ثقافة المقال

العولمة الرأسمالية تجزئة الموحد، وتشظية المجزأ ((ألأديبات)) نموذجا

حميد الحريزي*

في لجة التنظير والتدبير للقوى المأزومة التي تتزعم العالم اليوم، بعد انهيار القطب المضاد أو ما  سمي  ب((المعسكر الاشتراكي)) وهيمنة المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. كان الصراع  أثناء الحرب الباردة كما  أطلقوا عليها، رغم  إن لهيب نيرانها شمل  قارات بأكملها وراح ضحيتها مئات الآلاف من البشر ناهيك عن الخسائر التي لا تعوض في الثروات ، والأضرار الفادحة التي ألحقت بالبيئة ، نقول إن الصراع كان يدور بين القوى الاشتراكية وفي مقدمتها الأحزاب  والحركات الشيوعية باعتبارها طليعة للطبقة العاملة وحلفائها من المفكرين والمثقفين الثورين كما  ترى، وقوى الرأسمال العالمي باعتبارها راعية مصالح  أصحاب رؤوس الأموال ومن حالفهم.. بمعنى إن  سمات  الطبقات والأفراد والأبطال في كل المعسكرين واضحة  وجلية، يحاول كل  طرف من طرفي الصراع أن يبرز رموزه ويصنع حولهم هالة من التبجيل  والتهويل إلى حد التقديس  باعتبارهم أبطال أسطوريين  يجب أن يتمثلهم الجميع. . ولكن بعد انهيار ((المعسكر الاشتراكي)) وانفراد المعسكر الرأسمالي  بقيادة العالم ،بانت ملامح وصورة بطل  الرأسمال القبيحة والمقرفة والإجرامية الاستغلالية عبر ممارساته  سواء في بلدان المركز  أو خارجه واعتماده أخس الأساليب وأكثرها همجية من اجل الهيمنة على ثروات ومقدرات الشعوب المستضعفة ، ناهيك عن القهر  والحرمان الذي تعاني منه الطبقات الكادحة في  بلدان الرأسمال المتقدمة نفسها  كأمريكا  وانكلترا وفرنسا  …الخ،  سقطت أخر الأقنعة الديمقراطية التي كانت  تتخفى ورائها الرأسمالية  باعتبارها مخلصة العالم من   ظلم واستبداد  الأنظمة الشيوعية ، تطلب الأمر هنا  أن  تصنع وعيا مزيفا جديدا عبر آلتها الإعلامية والدعائية ومعاهد ها الإستراتيجية الجبارة المختصة في علم النفس وعلم الاجتماع ، هذا الوعي  المصنع  يسعى لتخليق أقطاب  وهمية متناقضة   تستطيع أن تخفي التناقض والصراع الحقيقي المحرك لمجريات  الأحداث في العالم إلا وهو  صراع الطبقات الاجتماعية المتناقضة  في المصالح والإرادات  والأفكار باعتباره المحرك الرئيس للصراع  في المجتمعات الطبقية….. فاخذ رحم الرأسمال  يولد مسوخا فكرية  تطبل لها وسائلها الإعلامية باعتبارها فتحا جديدا  في العلم والمعرفة والأدب بمختلف مستوياتها  ، ومنها ما  أنتجته  مصانعها الايدولوجية حول  نهاية التاريخ لفوكاياما الذي نظر  لتأبيد  قوى الرأسمال العالمي باعتباره خاتم الصراع بين القوى ومنهيا  ل((أسطورة )) الصراع الطبقي  الماركسية…..

كذلك  خرج من رحم هذه المؤسسات الكونية  مفهوم صراع الثقافات وصراع الأديان   مظهرا  إن حقيقة الصراع إنما هو صراع أفكار واديان وعادات وتقاليد وليس صراع طبقات  صراع بين مُستَغِل  ومُستَغَل …. العقل الكوني استطاع  إن  يشظي  الطبقات الاجتماعية والمنظمات المهنية والديمقراطية  فتم تخليق صراعا وهميا بين الرجل والمرأة  مظهرا إياه وكأنه صراع  ولدته جينات وراثية  وليس هو وليد تشكيلية اجتماعية اقتصادية تحمل في بنيتها جرثومة  هيمنة الأقوى على الأضعف فارضة ثقافة الغاب  بعيدا عن  الواقع الإنساني الذي  يرفض مثل هذه الهيمنة أو التفرقة … وهنا سوقت الكثير من المفاهيم  والمصطلحات  والثقافات التي تعزز التشظي الاجتماعي على أساس جنسي  أو عرقي أو ديني أو طائفي أو قومي ،باعتباره قدرا محتوما وصفة وراثية  جينة لا يمكن التخلص منها …. فأججت نيران الصراعات  على  هذا الأساس  ،   فانقسمت وتشظت  بلدان  عديدة وخصوص   ما كانت تعرف  بالمعسكر الاشتراكي إلى دويلات صغيرة  انضوى بعضا منها تحت جناح  المنتصر ((الديمقراطي)) الأكبر  الرأسمالي بعد إن كان عدوها اللدود  ، في المقابل  سعت الطبقة الرأسمالية وعقلها الكوني  إلى توحيد ودمج  العديد من  كارتلاته وممالكه الاقتصادية الاحتكارية لتشكل إمبراطورية  عظمى وقوى قهر كبرى للاستغلال والهيمنة  على ثروات الشعوب في شرق  العالم وغربه ، أي دمج وتوحيد أسواق الرأسمال  وتشظي المجتمعات والدول والشعوب  ، مثل هذا  التقسيم والشرذمة  حدثت في  بلدان  الجنوب  والعالم  الثاني والثالث حيث التناحرات  القومية والدينية والعرقية تنخر في بنية مجتمعاتها ، وهنا يعيد الرأسمال العالمي مشهد صراع العبيد في ساحات الإمبراطورية الرومانية  ومتعة الأباطرة والملوك بمرآى  الصراع الدموي بين  عبد وآخر حد الموت لا لشيء سوى  إمتاع الإمبراطور وحاشيته  وإشغال العبيد في صراع جانبي  يؤبد استغلالهم ، هذا التقسيم  المستند على هذه الصناعة  الرأسمالية وهي  في أوج أزمتها تكرست في المجال الثقافي والأدبي  بشكل خاص  فجاءت مسميات ((الأدب النسوي)) باعتباره أدب  خاص  منفصل عن الأدب  العام  ومتنافر معه  تحت دعوى الانتصار  للمرأة  لمهمشة  والمقهورة… انتشرت هذه الثقافة في مجتمعات مستهلكة مخترقة  بقيم  عالم الرأسمال  ومنتجات مصانعه الفكرية الايدولوجية ومنها بلداننا العربية ، فتمكنت هذه الجرثومة (( الحداثية )) من غزو عقول وأدمغة الأدباء والكتاب والمثقفين في العالم الثالث ومنها بلداننا العربية  وبضمنها العراق  ضمن نظرية  ((الفوضى الخلاقة))… فتم الانجرار وراء هذه الكذبة  الكبرى المراد بها  تزييف الوعي وإبعاد  الأنظار عن  حقيقة   ومسميات أطراف النزاع في هذه البلدان لتنغمس المجتمعات في صراعات ثانوية ، لتغرق في النتيجة في  وحل صراعاتها الجانبية، متناسية أو جاهلة أسبابها ومسبباتها باعتبارها   إفرازات موضوعية وحتمية  للتفاوت الطبقي وواقع الاستغلال  الذي تمارسه الطبقات المالكة  ضد الطبقات المحرومة…. وإظهار الرجل  كذئب مفترس مسعور  يتربص بالمرأة  لافتراسها  فانطلت هذه الكذبة على  العديد من  العقول   التابعة لبهرج الرأسمال واستلطاف قيحه وإفرازاته السامة ، في حين تصدت له بعض العقول الواعية والنيرة من كلا الجنسين وهنا  استذكر قولا   مشهورا لإحدى المثقفات المناضلات في مصر  عندما  طرح عليها سؤال حول رأيها في تخصيص باصات  نقل خاصة  للرجال وأخرى للنساء في ظل أزمة النقل في مصر وتعرض النساء للمضايقة نتيجة ذلك  فأجابت بما معناه  أنها ترفض هذا العزل  المخجل ،لأنها تريد أن ترى  في الرجل  الأخ والأب  والزوج والحبيب والزميل  المستعد دوما لمساعدتها  ويبادلها الحب والاحترام والود وليس الذئب المتوثب لافتراسها وأهانتها …..

أراد الرأسمال العالمي المأزوم  أن يكون الصراع بين المسيحي والمسلم  واليهودي والمسيحي  والازيدي والصابئ ، والكردي والعربي  والفرنسي  والأمريكي  وبين الرجل والمرأة والأسود والأبيض … وليس بين  المُنتِج  اليَّدوي  والجسدي والفكري  وبين صاحب  رأس المال واستغلاله  البشع  لطاقات المنتجين من شغيلة اليد والفكر ، هذا الاستغلال  المولد لكل أزمات الإنسان   وسلوكياته ومفاهيمه المتخلفة ليظل مستعبدا  مستغلا على الدوام……

عمد أيضا  إلى تسفيه  الفلسفة  مولدة التساؤل والتأمل ،وكل أنواع الالتزام  والمبدئية باعتبارها  مقيد ة لحرية الإبداع  والحرية الفردية، مموها فلسفته المضللة هذه …. وما موت المؤلف  في المجال إلا دبي((الرواية)) خصوصا   محاولة  لإخفاء وجه  مولد  الانقسام والصراع والفتن العرقية والطائفية  لكونه  وجه الرأسمال والاستغلال البشع الذي يجب أن لا يستدل عليه احد ولا يسأل عن جذوره وسماته احد ، كما جرى قتل واختفاء البطل قي الرواية ((الحديثة)) في فرنسا خصوصا…..وقد نسج على منواله عدد من الأدباء   في بلداننا ومنها العراق  ، مدعين  موت  البطل النموذج في الصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي الدائر في رحم المجتمع ، فإذا كان الكاتب الغربي  انطلت عليه لعبة   التضليل تحت تأثير  أقنعة الرأسمال المتخفي وراء الكواليس لقباحة  وجهه ومظهره وهو  يحرك آلة الاستغلال والخراب وامتصاص دماء الكادحين المنتجين ، فلا عذر  للأديب أو المثقف والكاتب في بلدان العالم الثاني والثالث  إي في بلدان  المحيط الرأسمالي لان   هذه المجتمعات تخوض صراعا ضروسا ضد  الهيمنة الرأسمالية  والساحة مليئة بالإبطال  الايجابيين  والرموز  الثائرة المضحية من اجل الحرية والانعتاق  لشعوبها ولبلدانها مما يستوجب  إن يكون  البطل هنا ظاهرا حيا  فاعلا  محبوبا  مُهابا من قبل أحرار  البلد ومناضليه وعموم كادحيه….. وفي هذا الشأن خاصة  تدخلت  مخابرات قوى المركز الرأسمالي  وصنعت ((أبطالا)) وهميين ركبوا موجات التحرير والتغيير ، وساندتهم  بمختلف الطرق والوسائل لتصنع منهم حكاما مستبدين ، كأصحاب سمو وجلالة   والقائد الضرورة  والزعيم الأوحد …الخ، قاتلة بذلك البطل الشعبي ، مغيبة المناضل الحقيقي في سجون  ومعتقلات ومنافي  أنظمتها القمعية التابعة، ولأجل شرعنة هذا النهج الخطير ،   عمل مفكريها ومنظريها لترويج نظرية  موت  البطل وموت المؤلف  في النتاج الأدبي والفكري ، سعيا إلى محو أي اثر لهذا المناضل والمقاوم والبطل   الوطني من الذاكرة الشعبية  في هذه البلدان المحتلة من قبل  المستعمر الخارجي أو من قبل   المحتل ((الوطني)) التابع…….. أما الآن وقد  استنفذت هذه اللعب  الغاية منها  وتصاعد الغضب الشعبي للجماهير المقهورة ضدها  ، وهنا ظهرت فرصة  كبيرة لبروز  مناضلين وأبطال شعبيين حقيقيين  من اجل حرية ورفاه  وانعتاق الشعوب ،ووعي الطبقات المقهورة لمصالحها وإمكانية توحدها رجالا وتساءا وقوميات واديان مختلفة خلف مطالبها الوطنية والطبقية ، استشرت ظاهرة موت (( البطل)) ، وما رافقها من دعوات التشظي والشرذمة تحت مختلف الذرائع ، كعمل احترازي استباقي لقتل وواد أي وليد وطني واعي  يناهض قوى الاحتلال والاستغلال ، ولنا في  مجريات وواقع  ظاهرة ما سمي ب ((الربيع العربي)) مثال  ودليل واضح على  ما نقول …….

البحث في هذا الأمر يطول ويتشعب وهو بحاجة إلى دراسات  مطولة ومعمقة لكشف وسائل   خداع الرأسمال العالمي المأزوم في عصر عولمته المتوحشة…. ولكننا نركز اليوم على ظاهرة تشظفي  منظمات المجتمع المدني والمنظمات المهنية على أساس جنسي  وأبرزها ما حصل في المجال الأدبي حيث ابتدع  البعض بدعة   منظمة  ((الأديبات)) إي تقسيم  الانتماء للأدب على أساس جنسي   وهو أمر  جاء كنتيجة  طبيعية لما أسموه ونظروا له سابقا بما يسمى الأدب النسوي !!! وكأن تاء التأنيث((الساكنة))،  ونون النسوة  عرق جديد أو طبقة  خاصة وعقل  خارج نطاق الواقع الإنساني المعاش… مما يعني تقسيم المهن وحتى الهوايات على أساس الجنس  كان  تكون هناك  منظمة المهندسات والفلاحات  والمعلمات  والطبيبات، والعاملات…. الخ وبالتالي يجب أن تتشظى منظماتهم المهنية  والديمقراطية على أساس  الجنس ثم على أساس  عرقي وطائفي وقومي … الخ وبذلك بتشرذم المجتمع وتضيع  هويات مكوناته الطبقية والمهنية وفق هذه  التجزئة والانشطارات  الذاتية التي لا تتوقف  عند حد……..

الطامة الكبرى إن العديد من  مثقفينا وأدباءنا ومفكرينا  انطلت عليهم  اللعبة وآخذو  يروجون بحماس كبير  لمثل هذه الأطروحات وهذه التقسيمات ليكونوا في مقدمة  مستوعبي مفاهيم الحداثة وما بعدها وبذلك يدفعون عن أنفسهم تهمة التخلف  والتحجر وعدم فهم روح العصر  التي يقذفهم بها خدم   الرأسمال ومنظريه ومريديه.. دون أن  يتفكروا هذه الروح روح من ؟؟ وهذا العصر عصر من ؟؟ ومن  يتسيده وما ذا يريد؟؟؟؟؟؟

إن اغلب  فعاليات ومهرجانات ((الأديبات)) ينظمها ويديرها ويشرف عليها هم الرجال كدليل إثبات على عجز النساء عن تدبر أمورهن ، و للأسف  نشهد بينهم  من هم  الأكثر  امتهانا لكرامة المرأة وعدم  احترامها ،  ليظهر بمظهر حامل لواء تحرير المرأة وراعي نتاجها الأدبي والثقافي… ولاشك إن هذا النهج أتى منسجما مع بعض توجهات قوى الدين السياسي الداعي إلى ثقافة عزل الرجل عن المرأة في كل مجالات الحياة ……. مع احترامنا وتقديرنا العالي لخصوصية  المرأة  وما وقع ويقع عليها من  ظلم وتهميش وإقصاء مضاعف في مثل  هذه المجتمعات والثقافات المتخلفة ولكن الحل لا يأتي من العزلة والانعزال والفصل الجنسي أو العرقي بل بالوقوف معا رجالا وتساءا في  ساحة واحدة وخندق واحد  للنضال  من اجل الحرية والانعتاق ومحاربة قوى  الجهل والظلم والظلام والتخلف ، وخصوصا  في مجال الثقافة والأدب بمختلف أجناسه ومستوياته وأنواعه…..

نتمنى على كل مفكرينا وكتابنا أن  يتفكروا ويفلسفوا ويتعقبوا جذور ودوافع مثل هذه  الدعوات  وهذه الأساليب  التشظوية  الخطيرة التي  سينتج عنها المزيد من التخلف والاستلاب والقهر والصراع في حين  تزداد حصون ومناعة (( العقل الكوني)) للرأسمال العالمي ليؤبد  واقع استغلاله ويطيل من عمر هيمنته على الإنسان ومقدراته وبسلب حريته في كل  أرجاء المعمورة …….. لا فرق بين اسود وابيض وقومية وأخرى  وجنس وأخر ، فهو ينتصر لطبقته المستغلة النهمة للمال والجاه والسلطة توحدها أهدافها الاستغلالية ، وتعمل جاهدة وبكل الوسائل لتجزئة وانشطار النقيض تحت مختلف الذرائع…………



*كاتب من العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق