ثقافة السرد

نينا والذّئاب البشريّة (4)

مصباح (فوزي) رشيد

غلبني الشعور بالوحدة ، فابتعدت قليلا عن باب العمارة وألقيت ظهري على الحائط، أستعيد أنفاسي وما تبقّى لي من رباطة جأش، ورحت أشغل نفسي بالمكان ومن في الرّصيف والطّريق، بعدما تناءت التي كانت أُنسَا لي وبقيت وحدي بلا رفيق .
انتظرت طويلا، علّني أحصل على إشارة من البنت أو يُؤذن لي بالدّخول، حتّى نفذ الصّبر منّي ولم يعد بإمكاني تقبّل ما أنا فيه ، فلم أتمالك نفسي، ورجعت إلى العمارة وقرعت الباب بشدّة ، فانفرج الباب قليلا و بدا لي شبح رجل ، ليس هو بالشيخ الكبير ولا بالشاب الصّغير، تأكّدت من خلال ملامح وجهه ، ومظهره المحترم الذي يدلّ على أن الرّجل مدلّل يعيش في بحبوحة ، وازداد يقيني حين طلب منّي دون تردّد أن أتبعه ، ولم يسألني حتّى عن اسمي ولا عن سبب حضوري وقرع الباب بتلك الشدّة . أنّه “هو”، صاحبنا الذي قدمنا من أجله .
تبدو العمارة للنّاظر إليها من الخارج أنّها قابلة للسّكن ، وهي في الدّاخل لا تتوفّر على أدنى الشروط ، الفنيّة والصحيّة . وأمّا عن السّلالم الخشبية المؤدّية إلى أعلى البناية فحدّث ولاحرج ، جد مهترئة ولم تعد تتحمل المزيد ؛ كيف لشخص مثل ” سي منير الشّهم ” ، بتلك المواصفات التي ذكرتها ( نينا) ، أن يسكن في عمارة قديمة معرّضة للسّقوط ؟؟. خطر على بالي المثل الشّائع لدينا : ” يا لَمْزَوَّقْ من بَرَّة واشْ حَوَالَكْ من داخل ” .
لم نذهب إلى يمين أو شمال ولم صعد إلى أعلى ، فقد كان الرّجل حريصا على أن لا التفت إلى أيّة جهة ، وأدخلني في قبو ، أين وجدت نفسي في مكان شبه خالٍ إلاّ من البنت الحسناء ( نينا ) أو بعض المعدّات وآلات الألمنيوم ، تبيّن لي فيما بعد أنّ لصاحبنا علاقة بتجارة الألمنيوم ؛ أكاد أجزم للتو أن صديقنا ” القوّاد المحترف ” ، يمارس تجارة ” الرّقيق الأبيض ” .
هذا ما استخلصته على الأقل في تلك اللّحظة .
تظاهرتْ ( نينا ) كأنّها لأوّل مرّة تحدّثه عنّي : ” أعرّفك بصديقي رشيد .. رشيد هذا هو سي منير اللّي قلتلك عليه ” .
رحبّ بي في بداية الأمر ، ثمّ أدخل يده في جيبه الدّاخلي وأخرج بطاقة زيارة تحمل الاسم والعنوان و نوعية الحرفة ” نجارة الألومنيوم ” ورقم الهاتف وقال لي بالفرنسيّة : ” إذا كنت بحاجة إلى أي شيء ، فلا تتردّد في الاتصال بي على الرّقم المذكور ” .
أخذتها منه شاكرا أيّاه على حفاوة الاستقبال ، وعدت إلى مكاني أنتظر ما سيسفر عنه اللّقاء .
أمثال هؤلاء ” الكلاب ” تجدهم في كل مكان ، وسطاء في بيع وشراء الجنس بين الشريكين ؛ بائعات هوى الجنس و” المستذئبين ” من الذين يشغلون مناصب حسّاسة في الدّولة ، وكل من يسير على خطاهم من إداريين وأساتذة يفتقدون إلى الأخلاق والضّمير… معظمهم يستغلّون مناصبهم الحسّاسة ويمارسون أنواع التحرّش والإرهاصات لأجل تلبية غرائزهم الحيوانيّة .
في المقابل يحصل هؤلاء ” الكلاب ” الوسطاء ، من أمثال ” سي منير ” وغيره ، من اسيادهم المستذئبين على خدمات و مشاريع ، حقيقيّة وأخرى وهمية ، يجنون منها أرباحا خياليّة .
كم من عفيفة بنت أصول صعدت إلى الجامعة لتزاول تعليمها العالي طمعا في مستقبل أفضل ، أسقطوها دون إرادتها في شباك الهوى وممارسة الجنس .
ما ذنب ( نينا ) العفيفة الحسناء وأمثالها من الطالبات اللاّتي يعانين من أنواع التحرّش والإغراءات في صمت ، من قبل مسؤولين كبار ، وإداريين في مختلف القطاعات، و أساتذة ومعلّمين … عبثوا بعذريّتهن وشرفهن وهن في عمر الزّهور . وأخريات خرجن يبحثن عن لقمة العيش فغدين في مستنقع الرّذيلة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق