ثقافة المقال

سر بنقيضه

بقلم إيناس السلاّمي

لماذا نبذل كل هذا الجهد في البحث عن سر السعادة، ونتوهم أنها شيء بعيد المنال صعب الوصول لا يفوز به إلا القليل، في حين أنها قريبة منا قـُرب أنفاسنا، تلوح أمامنا مـدّ أبصارنا، إننا نقابل السعادة يوميا في طريقنا ولكن لا نلتفت إليها، بل شعرنا كثيراً بها ولكن لم نتعرف عليها. صورت لنا الدراما صورة كاذبة للسعادة، حيث أظهرتها في امتلاك الأموال الطائلة والمنازل الفارهة والراحة الدائمة، وإرضاء الشهوات دون قيود، صورتها أنها الاستمتاع بكل ملذات الدنيا ولا شيء غير ذلك. للسعادة مفاهيم كثيرة وأشكال عديدة تختلف من شخص لآخر؛ ولكن في النهاية هي شعور إيجابي نسعى جميعا لتحقيقه في حياتنا المليئة بالأشغال المسؤوليات والطموحات، وسط كل هذه الأعمال يكمن سر السعادة والذي لن تراه إلا إذا نظرت بعين جديدة، فيظهر أمامك كهالات النور في نفق مظلم، تكمن السعادة في الجهد والمشقة والإنجاز، في تحقيق الأهداف والغايات.
ماذا تنتظر مني أن أكتب فوق صورة فنجان القهوة؟ صباحكم سعادة؟ نعم قد يكون سعيداً ولكن من المؤكد أنه شاق ومتعب..
نبدأ صباحنا بالقيام من فراشنا الدافئ لنبدأ اليوم الدراسي الطويل أو دوام العمل الروتيني أو للقيام بأعمال أُخْرَى تتطلب طاقة وعطاء مثل إدارة البيت والاعتناء بالأطفال وما شابه، هذا هو حال الدنيا لقد جُبلت علي المشقة وهذا هو سر السعادة بها، جرب ألا تفعل شيء ليومين أو ثلاثة، لا تدرس لا تعمل لا تفكر لا تتواصل، ستصيبك الكآبة بلا شك لأنك خالفت طبيعة الحياة.
الراحة مهمة ومطلوبة، ولكنها تحلو بعد الأعمال الشاقة والانجازات المتتالية، تحلو لأن بعدها أعمال أخري وأهداف جديدة، تحلو لأنها ليست طويلة، تخرج من دوامة الأعمال لتستريح كالذي يجلس علي كرسي بعد ركض لساعات ليلتقط أنفاسه ثم يعود للعمل والابتسامة تعلو وجهه من سعادة الانجاز.
….
أتعلمون.. إنه حقاً سر، لأنه مدفون بنقيضه، لقد دُفنت السعادة في المشقة فلم يذقها إلا من كـدَّ واجتهد وصبر، فأصبح الجميع يبحثون عنها وهي بين أيديهم، إن السعادة حالة مصاحبة لنا خلال الرحلة وليس بعدها فقط، خلال المذاكرة وليس بعد النجاح فقط، خلال العمل وليس بعد الترقي، كذلك هي خلال الصلاة وليس بعدها، خلال الطواف بالكعبة وليس بعده، خلال الإنفاق وإخراج أموالك وليس بعد أن يرزقك الله بدلا منها. السعادة ليست في الراحة وإرضاء شهواتنا من ملذات الدنيا؛ إنما السعادة في مقاومة النوم لقيام الليل، في مقاومة حب المال لإخراج الصدقات، في الاستيقاظ باكرا لتحصيل العلم، في إتقان العمل والصبر عليه، قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- “حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره”.
ها قد علمنا سر سعادتنا، لنفتح خِططنا من جديد ونتمسك بأهدافنا ونتعلق بالأحلام التي نظنها مستحيلة ونبذل الجهد ما استطعنا، انظر بعين جديدة ستجد أنك سعيد جداً بتعبك وسهرك الليالي وألمَ رأسك و أوراقك المبعثرة و استراحتك القصيرة ونومك القليل وطموحاتك الجميلة؛ التي تأتيك في خضم عملك كنسمات هواء رقيقة فتسرح بخيالك و ترى نفسك مُحققها فترتفع عزيمتك ويشتد أزرك

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق