ثقافة السرد

هولاكو في إملشيل

فصل من رواية بقلم: معمر بختاوي

في الجنوب توجد إيملشيل، القرية الرابضة تحت سدرة المنتهى، تقدم عرائسها لرجال من آيت احديدو الأشاوس في قرع الدف والصيحات الحزينة. نساؤهم يلبسن الثلج ويغزلن الصوف كلما حام الحمام وحط فوق الغمام. يغنين أحيدوس، ويعبرن الوادي المقدس طائرات كالجنيات.. تتعرى عرائسهن في مواسم الحصاد أمام كامرات الأجانب، ويسبحن بلا ذنب أمام الزوار، وإذا تفتح الربيع نزلن إلى العين اللعينة، (تيسلي وتيسليت). اللعنة التي صبتها القبيلة على العاشقين اللذين أكلا من التفاحة المحرمة. (تسلي) و(تسليت) هبة من الله الواهب الوهاب، يهب لمن يشاء عروسة، ويجعل بعضهم عقيما. رؤوس رجال آيت حديدو الأمازيغ حليقة وكبيرة، وخدود النساء حمراء بفعل الخجل والبرد، وصباياهم لا تتنافس على الرجال، ولكن القناصة حولوا بنادقهم من الوحيش إلى فتيات آيت حديدو. خُذْ ما أنت قادر عليه، واختر لنفسك فما أنت بمخير، وما أنت بمسير. الخيمة منتصبة أمامك، والعدول في متناول العرسان المنغمسين في رائحة الحناء  والبرانس الصوفية الثقيلة.

يحمل الغريب كاميرا ويطوف بين الخيام كشاعر جاهلي. يبحث عن زبد البحر.. عن فيروز الشطآن. يبحث عن زهرة الجنة، التي جاء من أجلها الغواصُون والمكتشفون  والمستكشفون والكاشفون والكشافون، وجوابو الآفاق القريبة والبعيدة، والسحرة الكفرة المردة، وقارئو الكف والرمل والنجوم البعيدة والصدفات التي مرّ عليها ألف عام وعام، وأفاكو ألف ليلة وليلة العصاة الزناة.

زهرة الجنة لا يعرفها آيت احديدو، فهم يسمونها زهرة الأقحوان. هذا اختيارهم، لهم زهرتهم وله زهرته.

سليمة هي زهرة الجنة. هي زهرته، كعبته، قبلته، مغارته، مقبرته، مقصلته، حياته، مماته، هي دمه، لحمه، هي آخر النبض فيه وآخر السّحَر، هي أول النهار وآخر المساء، هي ما بين الروح والقلب، هي منطقة لا يصلها المرض، هي رحيق مختوم ختامه عوسج، هي حيث تكون الروح الخالصة.

وهو من هو، يكون من كان ومن يكون.. يتردد ما بين الشك واليقين، يجول بين الخيال  والعاطفة والشوق والحنين..لم يصل بعد إلى المبتغى.. هو يعرف من هو. ينفلت صوت من بين أصابعه العشرة، ما هو بصوته ولا بصوت عقله وقلبه ومهجته  وفؤاده ودمه.. يقول في نفسه: “عن أي شيء أبحث، عن شيء  قديم؟ أم عن شيء يعود إلى هذا الأديم؟ أم عن بحور من سديم؟ ويجيب نفسه في انفعال:

“أبحث عن زهرة الجنة.. عن جنتي .. عن سليمتي.”

وحين تنطفئ جمرة الموسم، تنكمش صبايا إميلشيل. تقرفص على ربوة كحمامات منتميات إلى الزمن الطباشيري، كأنهن نبتن من حجر وصبّار، أو خرجن من بيض عنقاء قبل اكتشاف النار، وقبل خروج الإنسان من المغارات. كان الغريب يقول: “هؤلاء الصبايا من طين أم من حجر؟ أم من صلصال مسنون؟” حتى  جاء أصحاب التلفزيون وأروه الطريق الصحيح لبنات إيملشيل.

حين يغادر الجميع الموسم، تجلس عذارى إيميلشيل تكسرن اللوز والثلج بأسنانهن وأظافرهن وأناملهن ورموشهن الطويلة، متضاحكات لأنهن بعد صبيات. كان يهابهن ويخشى على نفسه منهن، ويخشى عليهن منه. وعندما يكن حزينات نظراتهن تجلب المطر، ويُزلن السِّحْر عن المكان والشجر. تعجبه فيهن عقودهن الشبيهات ببيض العنقاء، ومناديلهن التي تشبه الليل، ووجوههن التي تشبه النهار.

وقبل أن تبرد جميع الجمرات، وتموت السحالي في المغارات، يعود البرد كما كان من قبل، ويَعمُر ضياء الأزمنة والأمكنة.. شعاع شمس تسحب رداءها قبل أن يصل هولاكو، ويمزق جميع الصبايا بأسنانه القاطعة حد الرمح، وجنوده يصيحون في الصبايا، وهن يرتعشن، يتصلبن، يتقطعن من الرعب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق