ثقافة السرد

نينا والذّئاب البشريّة (5)

مصباح (فوزي) رشيد

أنا الآن بين أمرين أحلاهما مر ؛
إمّا أن أتشجّع وانسحب من المشهد الأخير قبل فوات الأوان ، وأنجو بنفسي ، وتتحمّل هي كل الآثار النفسيّة المترتّبة عن هذا الانسحاب .
أو أكمل مشواري معها وما تبقّى لي منه .
قصّة غريبة؛ بطلتها بنت ضائعة ترتجي قلبا يحضُنَها . و ما من قلبين في جوف واحد – أو كما جاء في الحديث – . عندها يتحتّم عليّ تقبّل كل الآثار الوخيمة التي قد تنجم عن الانجرار وراء لعبة العاشقين ” المشبوهة ” ، هذه التي ستفقدني ثقة الزوجة والأبناء وتبعدني عنهم .
وما ذنب الزّوجة المغبونة والأبناء الأبرياء في كل ما يحصل و يتعرّض له الآباء ؟.
أصبحت أرى نفسي عبارة عن مهرّج أو دمية ” قرقوز ” ، تعبث بمصيرها ( نينا ) ومن معها خلف السِّتار .
لست مغفّلا إلى هذا الحد ، ولن أقبل بالدّور الذي يريدونه لي .
خرجنا نتفسّح ، عروسان في شوارع المدينة ، لا يخصّنا سوى فرقة موسيقيّة تتبعنا ، ونحن نرقص على إيقاع إحدى أجمل أغانيها ، وجلسنا جنب نافورة ، ” نافورة العشّاق ( تريفي ) في روما ” ، فقامت تردّد بعض ما تحفظه من أغاني بكل اللّغات ، الشرقية والغربية وحـتّى الهندية ، ممّا كانت تردّده كل ليلة حين تحلم بفارس أحلامها قد جاءها ليخلّصها من عذاب كانت فيه ، ” نينا يا نينا .. حبّيناكِ حبّينا ” ، ثم فجأة في الطريق ، توقّف شخص غريب بعربيّة نظيفة ، فتمسّكتْ بي : ” أرجوك لا تنظر إليه ” .
لكن صاحب العربية ألحّ في طلبها ولم يغادر مكانه .
لم تجد ( نينا ) بدّا من الذهاب إليه ، ودار حوار طويل بينهما وبقيتُ أنا ” ملاكها الحارس ” أراقب المشهد من بعيد وأردّد الصلاة تلو الصّلاة خشية أن يصيبها مكروه .
اِطْمَأَنْتُ أن ليس هناك ما يبعث على الخوف والقلق ، حين رأيت الشّخص الغريب كالطفل الوديع يسلّمها قصاصة أخرجها من جيبه ، فدسّتها البنت في حقيبة يدها محاولة إخفائها عنّي . عادت متفائلة من بعد خوف استفزّها ، كأن لم يكن هناك شيء يحملها على الفزع ؛
” ما قصّتكِ مع كل هذه القصاصات يا بنت الحلال ( نينا ) ؟اا ” – قلتها في نفسي ولم أبدها لها .
لم تعد ( نينا ) بتلك البراءة كما كنت أتصوّرها ، بعدما حاولت إيهامي بقصص اختلقتها لتبعد عن نفسها كل التّهم .
يبدو أن البنت تعمل على استدراجي إلى مربّع النّهاية الخطير لتحقّق ماتصبو إليه وتفوز في الأخير ، ولا يهمّها إن وقعتُ ، أنا السّاذج والفريسة السّهلة ، في شباك ألاعيبها، وهذا ما كنت أخافه وأحذر منه .
راحت تغريني بجملة من الوعود ؛ أنّها خيّاطة ماهرة وتتقن فن التطريز والحياكة وتعدني بفتح صالون بيع مربح لأنواع ” قنادر ” القفطان والقطيفة الغاليّة … قاطعتها ” متهكّما ” :
” متى هذا يا نينا ؟ ” .
ردّت بسرعة بديهة خارقة :” بعد عودتنا من شهر عسل نكون قد قضيناه في تونس “.
إذن هذا هو مرادُكِ منذ البداية يا ” لَلاَّ ” ؛
لا يعنيكِ سوى البحث عن سعادتِكِ وفرحتِكِ ، حتى ولو كان ذلك على حساب بؤس وشقاوة أسرة بكاملها . ” ربِحْتَ وترِبتْ يداك يا سي رشيد ” – هههه –
وماذا بعدها ؟ وما رأيكم أنتم أيّها السّادة ؛ أستمرُّ في لعب دور الكومبارس . أو أكتفي بنفسي ، فلا يهمّني قربها ولا يؤلمني بعدها ؟
شخصيّا لم أعد أعرف شيئا . غير أن الدنيا ممتلئة بالكذب والنّفاق – كما قال أحدهم –

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق