الموقع

أدبيات ثورة فبراير 2011م. الشعبية. . اليمنية

د.أمين أحمد ثابت

أخذ الربيع العربي طريقه وصولا إلى اليمن ، وعلمت محمولات مضمونه التاريخية بالحاجة والضرورة الاجتماعية للتحرر الشعبي من طبيعة النظام العربي الحاكم وجوهره المرتد إلى سيطرة الفرد المطلقة على المجتمع وحياته ومستقبله ، وتحديدا إذا ما كان هذا الارتداد موسما بإنهاء الدولة واستبدالها بسلطة الحكم المطلقة للفرد الحاكم وأسرته الجينية – وهو ارتداد إلى عهود سابقة إلى ما قبل تأسس الدولة البسيطة الحديثة – وثاني سمة لذلك الارتداد إذا ما كان مطبوعا ذلك الحكم بالفساد الشامل ، وإشاعة فعل الإفساد الامتدادي إلى المجتمع ، بحيث يكون هذا الأخير صورة منسجمة مع الأول ، ولكونه كذلك فإنه يصبح منتجا تاريخيا لإعادة إنتاج ذات سلطة الحكم جوهرا ، ويساعد على استمرار ذات الحاكم في قبضته على سلطة الحكم ، بل ويمنح صكا تاريخيا شعبيا لقبول التوريث – وهو ما لوحظ عند الحكام العرب بتجهيز أبناءهم لتورث الحكم في ظل طابع نظام سياسي – اجتماعي علم بالنظام الجمهوري ، أما الوجه الآخر لذلك المحمول ألمضموني التاريخي للربيع العربي ، والذي يقف وراء ما ذكر سابقا ، يقوم على حقيقة نزعة التغيير للنظام السياسي والواقع الاجتماعي إلى ما هو متساوق مع طابع العصر – كحاجة ملحة لنيل العدالة الاجتماعية –  والمتمثلة هذه النزعة بالتحول إلى المجتمع المدني والدولة المدنية الحديثة المركبة . من هنا نلاحظ ان الحراك الشعبي الثائر – في بلدان الربيع العربي – لا يختلف كثيرا بين بلد وآخر من حيث المطالب والنزعات ، بل حتى في موصفات السلوكية اليومية – الشعبية للثورة .

وحتى الآن لم تهتم – إن لم نقل لم تدرك – النخب العربية المشاركة في الحراك الثوري الشعبي إذا ما كانت هذه الثورات قد أفرزت ثقافتها الخاصة – النوعية الجديدة – أم لا ، حيث يبرز جليا اختلاط الأمر عليها بين التسجيلية اليومية لإيقاعية أحداث الثورة الشعبية كمتنوع مجموعي جديد للسلوك الاجتماعي – الطابع المستنهض المغاير للعبودية الطوعية السابقة التي علمت بها الشعوب العربية المعاصرة – وبين التجليات العاطفية والانفعالية لمعبرات الوعي العاطفي الشعبي والنخبوي في مسألة الثورة ، والحقيقة أن هذه الثورات الحراكية المجتمعية الشعبية حتى الآن لم تعلم لنفسها ثقافة تعبر عنها ، والثقافة هنا بمعنى الرؤية والنهج  ومنتجات الوعي المنطقي والعلمي المحركة للمسار الاجتماعي – بشكل متزن ومعقلنا – بما يقود إلى تحقيق ما قامت من أجله هذه الثورات العربية . وعلى سبيل المثال ثورة فبراير اليمنية 2011م. ، يجمع اليمنيون بصورة شاملة حول مسألة بناء الدولة المدنية ، ولكن الجميع لم يفكر في كيفية اقتلاع جوهر نظام الحكم التاريخي القديم لما قبل نشوء الدولة عبر حامله الاجتماعي حتى يتم التمكن من البدء أو الشروع في بناء مداميك التحويل إلى الدولة المدنية الحديثة ( المركبة ) ، ولذا لم يفكر أحد بأن سقوط رأس الحكم لا يعني سقوط النظام ، وتغيير جهاز حكم بآخر لا يعني انتهاء لجوهر النظام القديم ، وبالتالي تصبح الثورة التي قامت لا تعي شيئا حول لماذا قامت ومن أجل ماذا ! سوى تلك المجموعة من الشعارات التي تناقلتها ألسن وكتابات بعض الحالمين من النخبة السياسية والأدبية العربية ، كموضة مصطلحات تأثريه – نقليه ، ومن جانب آخر كمخرجات راديكالية تغييريه أساسها ردود فعل ضد التعسف الذي طالهم لفترات طويلة من قبل هذه الأنظمة الاستبدادية ، خاصة لؤلئك الذين لم يقبلوا بيع أنفسهم للحكام ، أو تم تجاهلهم لأزمان طويلة من عصابات الحكم السياسي .

وعودة لثورة فبراير الشعبية – اليمنية ، يجمع اليمنيون على أن الثورة الشعبية سلمية ، ومع ذلك هناك الكثير من الأطراف والتكوينات المختلفة من مكونات الثورة تدعو للشرعية الثورية بالسلاح ، وهو أمر صارخ التناقض مع ذلك الإجماع حول مبدأ سلمية الثورة التي لا تقبل بأي شكل من الأشكال بمثل هذه الشرعية المروج لها ، كما ويجمع اليمنيون على مبدأ الشراكة المجتمعية في الثورة وبناء التحول ، ونجد الكثير من الأطراف والمكونات المختلفة من مكونات الثورة مازالت تمارس بشكل مادي – يومي على الصعيدين السلوكي والقراراتي فعل الإقصاء لكل طرف أو مكون للطرف الآخر ، فمثلا المجموعة الإسلامية – السياسية في الثورة ( الإصلاح ) لا يقبل إلا أن يكون مسيطرا واقعيا على مسار الثورة وقرارات الانتقال ، ومن جانب آخر يطالب ويصارع الحداثيون على فعل السيطرة بكون أن التوجه هو معبر في نهجهم – وكلهم يجمعون على الشراكة ! ، ويذهب عدد من الحالمين من النخب الثورية المتجاهلة سابقا لنيل فرصة الاستثمار التعويضي عن الفترات السابقة التي فرض عليها البيات الشتوي والصيفي معا ، وأيضا تلك الانتهازية التي اعتادت التعيش على مراحل الانتقال ، وذلك بفتح ملفات الكتب التي أغلقتها من أزمان طويلة ماضية – ومنها الالكترونية – لصناعة التهجئة الشعبية لفهم معنى الدولة المدنية ونهجها الفيدرالي والكون فيدرالي أو الاتحادي ، وصور التقسيم الإداري لنظام المحليات في الحكم وماهو الانسب أيكون على أساس جغرافي طبيعي أو سكاني أو تخطيطي أو سياسي أو تنموي ، وإلى كم إقليم يمكن أن يقسم الوطن ، وهذا غير لؤلئك الاستباقيين في تفسيخ معطيات المعلومات الإخبارية اليومية لاستعراض قدراتهم كمنظرين للثورة ومصالحها – وهم لا علاقة أخلاقية لهم أو قيمية أو معرفية تربطهم بحقيقة حدث ثورة الحراك الشعبي ، بينما يقوم مشروع الحداثة بمدلوله الأولي على ثلاثة مبادئ أساسية تمثل صلب مدخل التحول قبل كل شيء ، وهم : الديمقراطية ، التنمية والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات وليس الدخول والامتلاك والانتماء القروي أو القبلي الضيق ، وهي مبايء سنتناولها لاحقا بالتفصيل ، ومن ثم سندخل إلى بناء المؤسسات الفكرية للتحول إلى النظام التاريخي الجديد المنشود والدولة المدنية الحديثة ( المركبة ) المنشودة . . وذلك في كتابات قادمة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق