قراءات ودراسات

جماليات الفوضى في رواية الإسكندرية 2050 لصبحي فحماوي – 1

أ.د. سوسن ناجى

بعيداً عن الأيديولوجيات ، وأنماط الكتابة السائدة- منذ القرن الماضى، فى كتابة الرواية- تطرح رواية الإسكندرية (2050) صبحى فحماوي” أسئلة؟ على أمل الوصول إلى تقنياتها الخاصة بها فى الكتابة – كجنس أدبى جديد، أصبح له قوانينه المختلفة تماماً عن القوانين الجمالية المستقرة للرواية، والمتعارف عليها فى حقول السرد ؟! أضف إلى رغبة المؤلف فى إضافة آفاق جديدة للرواية .. مع التوطيد لأنساق عصرية مع العلوم الجديدة ؟!
والرواية تفجر عدداً من الأسئلة تكمن أفكارها فى ” إشكالية القفز فوق الخيال للتحليق فى عوالم خيالية فى الزمان وفى المكان، أضف إلى توظيف التقنيات العلمية الحديثة، فى استنبات الإنسان الجديد، والهدف هو فهم هذا الواقع والتصالح معه أضف إلى الدمج بين الحضارات ، والتصالح مع الآخر !
والروائي هنا يقدم نصاً مغايراً يفرض على القارئ أن يغير طريقة تلقيه النص، حيث تبدو الرواية كغابة، نص موحش، يبتلغ ويفترس أشياء متباينة، حيث يتغذى من حياة العديد من الأشكال والأجناس، والعلوم والفنون والثقافات والحضارات، فما يميز هذا النص هو اجتياحه الذاكرة وإذابة الفواصل بين الفنون والثقافات والمجتمعات، من أجل إدماجها معاً فى نص يتوالد ويسير فى اتجاه مناطق وعوالم مجهولة مبنية على نسق بلورى متعددة الزوايا ، فيبدو من كافة الجهات مضيئا ومعلنا عبر مناظير متعددة، وجماليات هذه التقنية تصب فى مصلحة المتلقى الذى يستطيع بدوره قراءتها من أى زاوية، بل إنه يبدأ قراءته إياها من أى صفحة وسوف ينتهى- لدائرية البناء- عند البداية !
ويأتى عنوان الرواية ( الإسكندرية 2050) عنوانا دالا موحياً بل عتبة سيميائية لقراءة النص الروائى حيث يوحى ” بالتجاوز والتخطى للفضاء المكانى والزمانى فى آن- وهذا ما يحملنا بوصفنا متلقين ، على البحث فى النص المرجأ الغائب ، حسب مقولة ” جاك دريدا” والبحث فيما ورائيات النص” بما تنطوى عليه فصوله، الثمانى والثلاثين، والتى تشكل ثمان وثلاثين لوحة، حيث كل لوحة تتوازى مع مثيلتها، وكلها تشكل عتبات وأوجه للمدينة ذات الثمان والثلاثين وجهاً، وكلها تنطوى على دلالات سيميائية ودلالية تتفتح بالقراءة المتكررة وتصبح عنوانات تختزل وجهات نظر معينة، يمكن الوصول إليها بالقراءة والتمحيص حيث جاءت معظم تسمياتها من الواقع البيئى والحضارى والتاريخى للمجتمع المصرى المحلى من جهة، ومن التراث العربى القديم من جهة أخرى، وهذا يعطى للرواية نكهة الشمولية”.
عتبات النص

“ترى هل تنجح عملية التحضير هذه ، فيسيطر الحيوان الأخضر على هذا الكون الحيوانى المتوحش؟ هل تشاهد مرحلة انتقالية جديدة، بعد الإنسان الأول، الذى تحضر فانتقل إلى مرحلة الإنسان الثانى، وها هو بعد أن توحشت حضارته، ودمرت الأرض… تراه يتشكل بتكوينه الأخضر، فتشهد مرحلة الإنسان الثالث الأخضر”
يعد السؤال – هنا- عتبة نصية، وخيطا سيميائيا دالاً، فى قراءة هذا النص- فهو تارة محملاً بإيحاءات، وتارة أخرى محرضاً على التأويل على نحو يولد انطباعات لدى المتلقى تمهيداً للتواصل معه، ولفك ما قد يستغلق عليه، من شفرات افتراضية، قد توجهه، لبناء استراتيجية مسبقة لحشد آلياته تجاه المتن الروائى..
فالسؤال هنا- إذن- عتبة تمتلك جميع المفاتيح الممكنة لقراءة هذه الرواية، وما الرواية إلا إجابة واضحة على سؤال طرحه” مشهور شاهر الشهرى” على المارة فى الشوارع، بل على ركاب ترام الإسكندرية والميكروباص والحافلات : كيف نرى مستقبل الإسكندرية بعد عام 2050 .. ؟
وتأتى الرواية- إجمالاً- لترصد المفارقات بين حال إسكندرية قبل وبعد هذا التاريخ؟
ففى اللوحة الثانية( الزمن الأصفر) تبدو صورة الإسكندرية فى خريف عام 1966م – فى صدر الفصل- كصورة معشوقة وذلك فى زمنه البكر ، زمن الصبا ثم تتلوها – مباشرة- صورتها فى الزمن الصغر عام 2050 يقول :
” يا إلهى ما أبهاك أيتها البجعة البيضاء الجميلة، الطافية فوق بحر أزرق، أيتها الجنة المضجعة على رمال شاطئ من ذهب.. ما أنقاك وموج البحر يغسل قدميك .. أيتها الحبيبة المراوغة ، اللئيمة المغرورة، وأنت تتنكرين لى، وتديرين وجهك تيها وكبرياء، ولا تحلمين بى، رغم أنى أحبك .. نحن ملتقيان مفترقان، فأنت المقيمة هنا، راحلة بالقلب معى، وأنا الراحل عنك “.
ثم يأتى نفس البطل ” مشهور شاهر الشهرى” – فى الصفحة التالية- ليعبر عن عبوره المائة- عام 2050- ووصوله إلى الزمن الصفر- يقول:
” مائة عام وعام من العمر المبدد، كأنك دخلت هذا العالم من باب وخرجت من الباب الآخر ! لم تكن تدرك أنك ستعيش ، حتى تصل إلى هذا الزمن الأخضر! كانوا يقولون سيأتى على الناس زمن أصفر، تهب فيه رياح صفراء، تصبغ الكون كله باللون الصفر، فتصير فيه الشوارع صفراء، والبيوت صفراء، والوجوه صفراء، ويهجم أهل يأجوج ومأجوج، صفر اللون، فيحولون كل شئ إلى اللون الصفر، كل هذا تفهمته، ولو فى عالم الخيال ، وأما أن يكون حفيدك رائداً لزمن أخضر حقيقى، فهذا هو ما لم يخطر لك على بال؟”.
” ها هى الطائرة الهيدروجينية (إيرباص 636) تقلك من دبى، فتشاهد من شباكها الصغير بحاراً زرقاء، وصحارى شاحبة ، وفى الجو غيوما بيضاء متسارعة، وأبخرة تغطى الفضاء من حولها، .. تقترب بك من الإسكندرية” .. هذه الطائرة الهيدروجينية المرفهة ، المصنوعة من الورق الخفيف المقوى بنفس صلابة المعادن، تحت سركون ذرة الكربون المتواجدة فى الحديد الصلب …”
يتخلل وصف هذه الطائرة سطور تسترجع إسكندرية عام 1966- فى الصبا- يقول :
“ها هى شواطئ المعمورة، وقصر المنتزه- تظهر على شاشتك .. وقد كانت أيام صباك متباعدة ، تفصل بينها أراض زراعية .. وها أنت تراها مزروعة بالمشاريع المعمارية، وملونة بالحدائق، وفرحة بالمتنزهات ، ومتلألئة بأبراجها البلورية الساحرة .. وعلى البعد ترى مساحات شاسعة من تشوهات سكنية، لبيوت صفيحية صدئة، متراصة، مترامية، يبدو أنها لبقايا الفلاحين والعمال المتآكلين المعجونين بنفايات مدينة العولمة … وكأنك أمام بانوراما معمارية متنافرة الصور”.
وإذا كانت الطائرة – هنا- هى وسيلته السردية لعبور الأزمنة، فهى أيضا أداته للعبور بالذاكرة
إلى أماكن الطفولة يقول :
” عام 1966 .. أول مرة تركب فيها طائرة، كانت من نوع (دى سئ) بمحركين .. تعرج بركابها السابحين المترجرجين. لم تكن تأبه لهزهزات الطائرة المقلعة من مطار قلنديا فى القدس، ولم تحلم أصلا بأن تركب طائرة ذات يوم، ولم تسمع من قبل إلا بتلك الطائرات التى كانت عائدة متهالكة من انتصارات الحرب العالمية الثانية، والتى لم يبق لديها شغل، فأهدوها لمن لا يخاف الله، فكانت تتسلى بقصف قوافل الفلسطينين المهجرين عام 1948، الحاملين أطفالهم بأسنانهم، وهم هاربون من حمم براكين الاحتلال الغاشم، الحاملين أطفالهم بأسنانهم، مثل القطط التى تنقل أطفالها بأسنانها من مكان الخطر وبين روائح القتلى المجندلين .. الطائرات تلاعبهم (الاستغماية) ، ثم تفاجئهم من خلف جبل ، وتتمرجل عليهم، فتقصفهم وهم هاربون فى الوديان “.
ويأتى السياق التالى محملاَ بلوحة عنوانها :” طائرة ألف ليلة وليلة” وفى اقتدار يتجاوز مشهور شاهر الشهرى” بواطن الخلل والنكسة إلى رسم صورة النقلة الحضارية للاسكندرية الجديدة 2050، وتتبنى الطائرة رسم وتدوين هذه النقلة، يقول:
“وبينما تهبط الطائرة الهيدروجينية الرباعية الأجنحة بكل خفة وهدوء فى مطار الإسكندرية الدولى الفسيح الذى تصميمه يشبه مدينة فضائية انفلتت من مجرة بعيده، فهبطت خلف مدينة الإسكندرية.. والذى يستوعب مرور مائة مليون مسافر سنوياً، فإنك تشاهد من عل عدداً كثيراً من الطائرات الورقية العملاقة، ولكن بصلابة الفولاذ ينتشر فى أرض مطار مترامى الأطراف “.
والروائى هنا يحاكى” التقنيات السينمائية، كالتزامن فى العرض بين زمنين، وهو ما يعرف بالمونتاج المتوازى، حيث تتقاسم صورتين (كادر واحد)، وهو ما يعرف بسينما اللقطة، وهذا أسلوب يتبعه الكاتب فى معظم فصول الرواية وذلك من خلال الاسترجاع، حيث تقوم التقنية الزمنية فى الرواية كلها على الاستشراف، لأنها تدور فى العام 2050 وهو فى كل مشهد يصفه، يكر راجعاً إلى الماضى، حيث يتوازى عرض الحدث المستقبلى مع الحدث الماضى”.

د. سوسن ناجى

والروائى هنا لا يقدم لنا سياقاً روائياً متصلا، بل هى لقطات متجاورة ترصد لنا فترات زمنية متباينة من العمر لكنها تقدم من خلال لوحات سردية تقريرية تارة ، وخطابية تارة أخرى، إضف الى خطاب هامش المجتمع والشوارع الخلفية، واقتحام عوالم افتراضية – سرديا – تحتاج أحيانا إلى لغة الحلم وأحيانا أخرى لغة التوثيق والعلم…
ويبدو السؤال- أيضا- كعلامة استراتيجية فارقة فى تساؤل الحفيد كنعان (النتاج الحقيقى للهندسة الوراثية) : ” لو نجحت تجربة هذا الجيل، فسوف يتهاوى الاستعمار فى العالم كله، ويتوقف نهب الثروات من أساسه ” ، بل حتى الحيوانات المفترسة ستصير خضراء مسالمة متعايشة مع غيرها من الحيوانات الأليفة ؟!
وفى المقابل يتساءل الجد مشهور- فى خوف-
” هل ينجح جيل كنعان الأخضر فى لى أذرعه شرور الإنسان ضد أخيه الإنسان؟ هل أنت فى حلم ؟ أم فى علم محقق “.
والسؤال هنا يدشن لقيمة الخيال الخيال العلمى- فى حياتنا- وهى قيمة استراتيجية تُعلى من قيمة الخير والحق والسلام خاصة حين يتحول ما هو غير محتمل إلى شئ ممكن حدوثه، مثل ما يرويه الأب ” مشهور” ، يقول: ” ترى هل يسير ” برهان” فى الاتجاه الصحيح، وتنجح مختبراته الخضراء فى نزع مخالب الإنسان؟ وهل يمكن نزع الشر من بنى آدم “.
ويجيب الابن” برهان” على هذه المخاوف، مبرهنا بأسباب اللجوء إلى هذه النقلة الوراثية- حضاريا- يقول : ” ولكننا نسعى لخلق عالم بلا تحديات، نريد جيلاً أخضر يعيش بلا خوف،
بصراحة نريد جنة على الأرض”. ” عالم الهندسة الوراثية يا أبى هو نوع من الجنون والعشق .. فقدماء علماء الفراعنة فكروا فى الهندسة الوراثية، وتوجوا أفكارهم بتمثال:
” أبو الهول العظيم” المتمثل فى دمج رأس إنسان مفكر فى جسد أسد هصور- ولكننا لا نريد دمج الإنسان مع الأسد، بل دمج الأسد مع النبات ، والإنسان مع النبات ، وكل حيوان مع نبات ، فيظهر لنا حيوان نباتى لا تعتمد حياته على غريزة الصراع من أجل البقاء، بل البقاء من أجل الحب”.
” والروائى هنا يقدم لنا دمجاً علميا، ولو أنه خياليا جداً، لكنه متخيل الحدوث، إبداعيا على الأقل، والهدف وفق ما يبدو من حركة الشخوص والأحداث بالكيفية التى قدمتها الرواية، هو محاربة الشر، وجعل عنصر الخير هو الأكثر وجودا فى الحياة”.
وكأن الهدف الذى يراه المهندس ” برهان هو تطهير السلالات بازاحة كل السلالات الموبوءة وإحلال جيل الخضر لتغيير وجه الأرض وتخليص الإنسانية من الشرور، ليحل الحب محل الكراهية، والأمن محل الشر والصراع .. يقول:
“عندما يسيطر الإنسان الأخضر على الكون، وتصير حيوانات العالم كلها خضراء، فلا تخرج أى فضلات! سيتحول عرق الناس والحيوانات الخضر إلى نتح وندى نقى، وستختفى المراحيض فى البيوت، وستتوقف المجارى عن الأنسياب، وتعود للأنهار بكارتها النقية، فتنساب رقراقة خيالية من أى سوء، ولن يتلوث الهواء بالغازات المدمرة للكون، وستعود حرارة الكرة الأرضية الى التوازن! هدفنا هو تغيير عقل الإنسان، وإخراج فكرة الصراع منه، فلا يعود يضمر الشر لأخيه الإنسان وسيتوقف اعتداء الوحوش والكائنات الحية على بعضها البعض، وستتوقف غزو الدول عن غزو الدول الأخرى، وقتل مواطنيها ونهب ثرواتها! سيسود السلام العالم كله “.
هكذا يتبنى الروائي – صبحى فحماوي- مشروعاً استراتيجياً – فى روايته- مبنيا على نزعة استشرافية؟! لكنها رؤية تعصف بكل الثوابت الإنسانية! لكونها تتكئ على التنبؤ، والانسلاخ عن المألوف، بل والعبور الى أفضية خيالية، والهدف هو الحلم، بخلق عالم بلا تحديات، عالم يسوده السلام والحب لا الصراع والكراهية، والرؤية هنا استراتيجية لكونها “مجرد محطة افتراضية تأويلية توجه المتلقى للعمل، وتساعده على بناء استراتيجية مسبقة لحشد آلياته لمواجهة المتن، ولا يمكنها ابداً أن تكون إنطباعاً عاماً بمعزل عن مكونات العالم الخيالى”.

*مصر – جامعة المنيا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق