ثقافة المقال

حج وقاذورات

صفاء عبد السلام فرحات

حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا ذلك الركن الخامس من أركان الإسلام الذي يقوم فيه الحاج بعمل مناسك من نوع خاص يتجرد فيها من متاع الدنيا, يبذل فيها من الجهد والتعب ما يبذل طامعا في أن يرجع من تلك الرحلة المباركة متجردا من كل ذنوبه نظيفا منها كيوم ولدته أمه..لكن ما يلفت نظري أثناء قيام الحجاج بعمل مناسك الحج وخاصة أثناء الوقوف بعرفات ثم النزول إلى المشعر الحرام هو كمية الفضلات والمهملات المهولة التي يلقيها الحجاج في تلك الأماكن المقدسة وطرقاتها, ولا يقتصر الأمر على إلقاء المهملات فقط إنما يحاول البعض التخلص من بقايا الطعام برميها في طريق العامة مما يضطر الحجاج إلى السير على كميات ليست بالقليلة من الأطعمة مما يتعارض مع تعاليم الإسلام فقد أُمرنا كمسلمين بالنظافة وكف الأذى عن الطريق فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم” الإيمان بضع وسبعون جزءا أفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق” وبالرغم من الأعداد الغفيرة التي تنتشر في هذا المكان في وقت قصير والتي يصعب عليها كجموع السيطرة على الموقف فقد حثنا الإسلام أيضا على أن نبدأ بأنفسنا ولا ننصاع للعامة من الذين يعيشون حياة القطيع فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم “لا تكونوا إمعة, تقولون إن أحسن الناس أحسنا, وإن ظلموا ظلمنا, ولكن وطنوا أنفسكم, إن أحسن الناس أحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا” لذلك فإن أعداد الحجاج التي تعد بالملايين لا تعيق الأفراد في الإلتزام بتعاليم الدين والإيمان فالواحد صورة مصغرة من الكل إذا التزموا.
إن ماهية هذه الرحلة المقدسة لا تقتصر على الأداء الروتيني لبعض الشعائر كل عام فأول ما يتعلمه المرء المسلم من الحج هو النظافة؛ فالحاج الذي يذهب إلى ربه لأداء فريضة من أعظم العبادات, وأجرها من أعظم الأجور, في أيام من أجلِّ وأعظم أيام العام, وفي أحب بلاد الله إلى الله وجب عليه الحفاظ على الترابط القوي بين أداءه للركن الخامس من أركان الإسلام وبين بقية أركان الإسلام والإيمان صغيرها وكبيرها ليس فقط خلال تواجده بالأراضي المقدسة ولكن بعد رجوعه واستئنافه لحياته العملية والاجتماعية فيصبح نظيفا في كل أفعاله.
إلا أن هذا التطبيق المنظومي متشابك الأركان لتعاليم الإسلام لا يقتصر فقط على من يقومون بأداء الركن الخامس من أركانه؛ فمن لم يذهب لأداء فريضة الحج ليس بمستثنى من هذا الإلزام إذ أنه لا ينبغي للمسلمين أداء الفرائض والأركان أيا كانت بطريقة يفصلون فيها بين أداء الركن وبين الفلسفة القائم عليها هذا الأداء؛ فالدين عبادات ومعاملات, أفراد ومجتمعات, ولعل هذا التقصير وتلك اللامبالاة من قبل المسلمين هو ما ساهم في وجود حالة من التخلف والتفكك بين المسلمين وصنع هوة عميقة بين ماهية الاسلام وبين طريقة تطبيق المسلمين له, ليس هذا فقط وإنما جعل بعض المسلمون من أنفسهم فتنة لغير المسلمين بتشويه صورة الإسلام فأصبح المسلمون في اعتقادهم أناس همجيون لا يعتدون بقيمة الوقت ولا قيمة النظافة ولا العلم ولا الأخلاق, بل إنهم أيضا إرهابيون لا يسلم العالم من أذاهم.
إن كل تلك العقبات التي تواجه المسلمين إنما تبدأ من عدم اكتراثهم بأن ما يرونه أمورا حياتية ليس لها علاقة بالدين, فالقيام بنظافة المكان لا يقل أهمية عن اتقان العمل أو حسن المعاملة مع الآخر وغيرها من المعاملات التي هي في ذاتها عبادات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق