قراءات ودراسات

بنية الفضاء السردي في رواية “غدا يوم جديد” لعبد الحميد بن هدوقة

الأستاذة: نعيمة فرطاس

مقدمة: يعتبر الفضاء Espace من أهم المباحث في الدراسات النقدية الحديثة والمعاصرة، إذ يعتبر مكونا هاما في أي عمل، سواء كان نثريا أم شعريا، فلو أخذنا على سبيل المثال عملا سرديا، وليكن (رواية Roman)، فإنه لا يمكن لها أن تقوم إلاّ به، ففيه تنشأ الشخصيات وتتفاعل فيما بينها، إلاّ أن الأبحاث المطروحة حول هذا الموضوع لا تتفق حول مفهوم واحد حوله، ناهيك عن كثرة المصطلحات Termes الأخرى التي تقف بمواجهته، نذكر منها: المكان، الحيز، الفراغ، الموقع، البقعة…الخ.

لذلك يجب أن نقف عند كل مصطلح، قبل مباشرة عملية التحليل، وبخاصة أن المصطلحات السابقة متداولة الاستعمال في النقد الروائي، متقاربة مفهوما، إذ لم توضع لها حدود صارمة تمنعها من التداخل فيما بينها، ولنبدأ بـ (المكان) لأسبقيته في الاستعمال.

أجمعت المعاجم اللغوية على أن المكان هو (الموضع) (1)، فما المقصود به في النقد الروائي؟

يعرفه “منصور نعمان الديلمي” على أنه “نظام من العلاقات المكانية المتصف بحدين: الأول يتسم بالملموسية الواضحة وهو وعاء للشخصيات، أما الثاني …فيتمثل في كل جهات المكان، التي تشكل المستويات المختلفة والمكتسبة والمتفائلة مع الحد الأول له، من خلال فعالية الشخصيات والأبطال” (2).

في حين مجد أن “عبد المالك مرتاض” يؤكد على جغرافيته فحسب، حيث يقول: “المكان عندنا هو كل ما عني حيزا جغرافيا حقيقيا” (3)، بينما تعتبر سيزا قاسم أن “مكان الرواية ليس المكان الطبيعي” (4)، بل هو “خيالي له مقوماته الخاصة وأبعاده المميزة”(5).

وممن نادى أيضا بمصطلح (المكان)، غالب هلسا، من خلال ترجمته لكتاب غاستون باشلار، la poétique de l’espace، إلى جماليات المكان، هذا الأخير الذي قسمه إلى أنواع حسب الميول والرغبات، يقول: “المكان ينجذب إليه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا ذا أبعاد هندسية وحسب، فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيز” (6).ومن هنا تظهر أهمية المكان، فـ “لا شك أنه يمثل محورا أساسيا من المحاور التي تدور حولها نظرية الأدب، غير أنه في الآونة الأخيرة لم يعد يعتبر خلفية تقع فيها الأحداث الدرامية، كما لا يعتبر معادلا كنائيا للشخصية الروائية فقط، ولكن أصبح ينظر إليه على انه عنصر شكلي وتشكيلي من عناصر العمل الفني” (7).

ونجد د. عبد المالك مرتاض يطرح مصطلحا آخر له صلة قوية بهذا المبحث فيقول: “لقد خضنا في أمر هذا المفهوم وأطلقنا عليه مصطلح “الحيز” مقابلا للمصطلحين الفرنسي والانجليزي (espace, space)…

ولعل أهم ما يمكن إعادة ذكره هنا… أن مصطلح “الفضاء” من منظورنا على الأقل قاصر بالقياس، لأن الفضاء من الضرورة أن يكون معناه جاريا في الخواء والفراغ، بينما الحيز لدينا ينصرف استعماله إلى النتوء، والوزن والثقل والحجم والشكل… في حين أن المكان نريد أن نقفه في العمل الروائي، على مفهوم الحيز الجغرافي وحده” (8).

يتضح من خلال هذا القول أن الحيز أوسع من المكان، وأكثر تكاملا منه، بل إن عدة أمكنة تشكل في مجموعها ما يطلق عليه (الحيز)، غير أننا نجد أنفسنا مجبرين أن نتساءل، أين نضع الفضاء؟ باعتبار أن مرتاض يقر بوجوده، غير أنه يلغيه أثناء العرض، فلا هو مكان ولا هو حيز ولا هو محصلتهما معا ولا هو بين هذا وذاك.

أما جيرار جينيت Gérard Genette (1930) فيرى في كتابه صور Figure 2، بأن “اللغة غالبا ما تبدو بطبيعتها، أكثر اقتدارا على ترجمة العلاقات الفضائية، من أي نوع آخر من العلاقات… مما يجعلها تتوسل العلاقات الأولى رموزا واستعارات تعبر بها عن العلاقة الثانية” (9)، كما اعتبر أن “فضائية الكتابة الظاهرة رمزا لفضائية اللغة العميقة” (10)، والمقصود بـ (فضائية الكتابة) الناحية الشكلية، أي كيفية نظم المؤلف للكلمات، فالجمل، فالفقرات، فالنصوص وفق نسق معين، سواء من اليمين إلى اليسار كما هو الحال في اللغة العربية، أم من اليسار إلى اليمين كما الفرنسية، أم من أعلى إلى أسفل كما في لغات أخرى…الخ.

كما يتحدث أيضا عن (الفضاء المكاني) أو (الجغرافي) الذي يكون مسرحا لحركة الأحداث والشخصيات، وهو فضاء خيالي، حتى ولول أحسسنا للحظات بإمكانية تواجده، يقول جينيت: ” من بين ما يتكلم عنه الأدب عن مواضيع، يتكلم عن الفضاء، فهو يصف أماكن وإقامات ومناظر طبيعية” (11).

ويأتي ميخائيل باختين Mikhaïl Bakhtin بمصطلح (الكرونوتوب Chronotope)، وترجمته “الزمان، معتبرا إياه الترابط الوثيق البعيد عن التأمل المجرد للعلاقات الزمكانية في الأدب الروائي” (12).

وبهذا نستنتج أن “استعمال الفضاء الروائي يتعدى بكثير الإشارة إلى مكان ما، فهو يشكل جزءا من الكل داخل النص، رغم أنه يعطي لنفسه – قبل كل شيء- صفة الصورة المطابقة لنص خارجي يزعم أنه هو ممثله” (13).

الأفضية الرئيسية:

سنبدأ تحليلنا بالنظر إلى فضائين نعتقد أنهما مركزيان، وهما القرية والمدينة، بالإضافة إلى أفضية أخرى تتصل وتتعالق بهما، نستطيع اعتبارها جزءا مكملا للفضاء العام، الذي كان حافزا للشخصيات التي انتقلت عبر عدة أفضية، بعضها كان مفتوحا وبعضها الآخر كان مغلقا، ومن هنا كانت أبرز ثنائية ضدية ميزت تعامل الروائي مع هذا المشكل هي ثنائية (الانفتاح/الانغلاق)، مما يقف كدليل على أن بن هدوقة اعتمد إستراتيجية معينة ليقدم لنا هذا المكون السردي الحساس، لكن ما المقصود بالانفتاح والانغلاق كمصطلحين متعارضين عند حديثنا عن (الفضاء)؟

يرى “ج.بجولدشتاين J.P Goldstein ” أن “الفضائية spatialité تظهر درجات انفتاح مختلفة، وذلك بحسب تطور الحدث في الرواية… نجد فضاء محدودا مغلق عندما يكون الحدث والشخصيات معا لا يتعدون حدود إطار محدد مسبقا، كما هو الحال في الغرفة المغلقة بإحكام في قصة “الأطفال المرعبون” لجون كوكتو، أو الجزيرة الخيالية التي ترى تشييد مجتمع عنيف للأطفال في قصة “سعادة ملك الذباب” لـوليام قولدنغ، أو وهران المدينة المعزولة عن العالم في “الطاعون” لألبير كامي، أو الأروقة المتداخلة للكهف الذي زاره الجند الأربعة في “كانوا أربعة” لهنري بولاي” (14).

كما يتحدث بالمثل عن (الفضاء المفتوح (E. Ouvert)، ويطرح نماذج من مؤلفات عمدت إلى استخدام هذه التقنية، يقول: “كثير من القصص تستعمل الفضاء المفتوح، حيث يسمح بترك الشخصيات حرة في الذهاب والإياب والسفر، وحتى لبعضهم بالتسكع، فمن السهل أن نلاحظ في قصة مثل: الطوارئ لفرنسواز ساقان استعمال أماكن التجمع – أمسيات، عشاء في المطاعم، حفل – التي تسمح بالتقاء شخصين… وفي درجة قصوى للتفتح، كما هو الشأن في (مورافاجين Moravagine) لبليز سندرارس أين نجد الشخصيات الأولى (الأبطال) تنتقل من مصحة في سويسرا إلى برلين، موسكو، فارسوفا، لودز… هي حقيقة فضائية مبعثرة تخدم كثيرا الرحالة الذين لا يفرضون أي حدود لشراهتهم للمغامرات” (15).

الأفضية المفتوحة:

فضاء القرية:

إن القرية هي أول فضاء يقابلنا، سواء بالنسبة للقارئ أم بالنسبة للشخصية المركزية (مسعودة)، التي عاشت فيها معظم حياتها، منذ طفولتها حتى شبابها، ولذلك كانت تحلم دوما بالتغيير كباقي القرويين.

ولقد صورت لنا مسعودة هذا الفضاء بكل تلقائية، فجوه قاس يوحي بالكآبة والاختناق من منظورها، فهي (أي القرية) “ليست الربيع الخادع، ولا الخريف الشائع، إنها الشتاء والصيف” (16) فقط، “الربيع يمر كالحلم الصيف كان حادا، أشعته محرقة، الخريف كان الشيخ، أما الشتاء فكان أسود لا بيض فيه لشيء ما عدا الثلج” (17).

والأسود كما هو معروف، لون امتصاصي، يمتص كل الألوان (18)، والقرية كذلك امتصت بظلالها كل شيء جميل، فكان هذا اللون تعبيرا عن الرفض، وكذا الثورة على القدر أو ضدها حظها هي على الأقل، هذا الحظ الذي جعلها ابنة لهذه القرية التعيسة، التي فرضت سلطتها عليها، بل وأجبرتها أن تحمل بطاقة تعريف تذكرها دوما بقرويتها وإن حاولت أن تتمدن.

غير أن هذا ليس معناه أن كل الشخصيات كانت تنفر من هذا الفضاء، بل إن بعضها كان الملاذ الوحيد لها، كما هو الحال مع (عزوز)، هذا الفلاح المتيم بحب أرضه حد العشق، يقول الروائي واصفا شدة تعلقه بأرضه: “رائحة الأرض تملأ نفسه عطرا ونشاطا، كم يحب هذه الرائحة التي تتنفسها الأرض في أصحابها الندية، انه يعود لو احتضنها وأزال عنها كل البؤس الذي تشكو منه، لإهمال أصحابها لها” (19).

كما أن الأحداث لعبت دورا في تغيير وجه نظر بعض الشخصيات، فهذا (قدور) حينما ضاقت به السبل في المدينة، اتسع فضاء القرية لديه، فأحب في لحظة كل ما فيها، “لم تعد قاحلة، يخيم عليها غبار الحر وغيمه. أصبحت روضة، وفتيات الدشرة يلعبن فيه ويتحدثن عنه” (20).

وعموما تبقى الدشرة فضاء مفتوحا وخصبا، لأنها تضم بين جوانحها أفضية أخرى أهمها: المحطة والعين، والمقهى:

أ-المحطة:

المحطة في هذه الرواية هي الرابط بين القرية والمدينة، أو لنقل إنها العتبة، فخطيها يعني الانفصال التام عن الماضي، لكن هذا الفضاء سرعان ما يفقد وجهه وبريقه، ويعجز عن القيام بدوره، إذ إن حلم (مسعودة) بالانتقال إلى المدينة يتحطم، بعد حدوث النزاع بين (قدور) ورجل المحطة، فيتحول في هذه اللحظة إلى فضاء قاس يوحي بعد الاطمئنان، وبالعجز اتجاه قوة لا يمكن الوقوف ضدها، إنه المستعمر، فبدل أن تسافر (مسعودة) إلى المدينة وتحقق حلمها، تحول المحطة دون ذلك، لتكون بذلك “عنصرا تكوينيا أساسيا، وفاعلا حقيقيا، (…) بلغ إلى حد التحكم في الأحداث” (21).

ب-العين:

تقع العين في سفح الجبل الأحمر، يربطها بالقرية شريط ضيق متعرج لا يسمح بالسير فيه إلاّ تتابعا، مما يجعلها خاصة بالنساء أكثر مما هي خاصة بالرجال، فهي “كالحمام في المدينة، فيها تتبادل الأخبار والمعلومات بين نساء الدشرة، ويتعرفن على ما يجري في وطنهن الصغير، وفيها أيضا تتناقل الإشاعات، والغراميات والاتفاقيات” (22)، إذن فالعين ملاذ للفتيات يمارسن فيه حريتهن، بعيدا عن أعين أهل القرية، ومما زاده عزلة وتسترا تلك الأشجار الكثيفة المتشابكة، والتي تطوقه من كل جانب.

ج-المقهى:

يحتضن المقهى رجال القرية من كل الفئات والمستويات، فهو فضاء لتمضية الوقت وإهداره في تناول المشروبات ولعب الدومينو، ولذلك يمكن أن نظم أصواتنا إلى صوت (عزوز) في كونه فضاء خمول وعطالة، فبدل أن يقضي شباب القرية وقتهم في خدمة الأرض بمضمونه في تناقل الأخبار والإشاعات.

فضاء المدينة:

إن المدينة هي ثاني فضاء مركزي في الرواية، فهي فضاء مفتوح يجمع كل المتناقضات، يجتمع فيه الحلال والحرام، حتى صارا “زوجين شرعيين أو جارين بجانب كل مسجد كنيسة، بجانب الحارة خمارة، بجانب المدرسة دار للدعارة أو للتجارة” (23)، وهي كثيرة الحركة والزحام، الكل حر فيما يفعل، لا أحد يكترث للآخر، ولعل هذا هو السر الذي جعل القرويين يتهافتون على المجيء إليها، فكل ما فيها ساحر مثير للفتنة، بداية بضوئها الذي لا ينقطع، والذي يجعل الحياة نهارا بلا ليل إلى طرقها المعبدة الواسعة، غير أن هذا الفضاء الرحب الواسع كان بالنسبة لـ (باية) وحشا خاطفا، إذ خطف منها فلذة كبدها (مسعودة)، وزوجها أيضا، ولهذا فهي لا تعرف العاصمة، ولا تود أن تعرفها مهما سمعت عنها من مغريات.

الأفضية المغلقة:

إن الأفضية المغلقة هي بالأساس أفضية إقامة، لا يرتادها أي كان، بل هي خاصية بفئة معينة تسكنه وتمارس وتزاول فيه نشاطاتها المعتادة، علما أن هذه الإقامة نوعان؛ إقامة جبرية وتشمل (المركز والمحجر)، وإقامة اختيارية وتشمل (بيت الحاج أحمد، البيت القصباوي، شقة الحي الأوروبي، الزاوية).

وقد بدأ السارد بالحديث عن المركز مقدما إياه بمقطع وصفي طويل، يقول فيه، إن المركز “مكتب طويل، له نافذة مطلة على ردهة موالية للطريق العمومي، قاعة مبلطة بطلاء حمرته اشهبت من الأقدام والغبار، جدران وسخة لاسيما جدران النافذة، حيث آثار الأيادي تبدو بألوان الصمغ العربي، طاولة مكتب مستطيلة، قديمة بأرجل شهب زال الدهن عن أجزائها السفلى، طاولة أخرى أصغر في زاوية المكتب. مقعد خشبي مستطيل يستند إلى الجدار المقابل لمكتب العريف الأوربي” (24).

ونحن نقرأ هذا المقطع، نحس وكأن الروائي شحن كل وصف من أوصاف المكتب بطاقة ترميزية، فكل مكون من مكوناته رمز دال يختزن الكثير من الإيحاءات والدلالات؛ فشكله مستطيل مما يوحي بتطاول من فيه وغطرستهم، أما النافذة المطلة على الطريق العمومي، والتي احتلت موقعا استراتيجيا، فهي بمثابة برج مراقبة، إذا اتسخت الجدران المحيطة بها من الداخل، لكثرة التردد عليها، حتى بدت آثار الأيدي بلون الصمغ العربي، والذي يعكس في الوقت نفسه قذارتهم التي انعكست على البيئة المحيطة بهم، ثم ينتقل بعدها إلى وصف المظهر الداخلي، وأول ما يطالعنا به بن هدوقة هو البلاط، وفي ذلك إشارة إلى أن كل قروي يدخل إلى المركز، رأسه مطأطأة، لأنه في نظر الدرك الفرنسي متهم بل مجرم بالفطرة، وقد كان البلاط بلون أحمر، والأحمر كما هو معروف رمز للخطر، وإن “ما يطلى باللون الأحمر يبدو أكبر من حجمه الطبيعي… حيث إن هناك علاقة بين وضوح الرؤية وراحة العين” (25)، أما الطاولة فقديمة وبلون رمادي، هذا اللون الحيادي الذي يوحي ببرودة المشاعر وتصلبها، فهو “خلا من أي إثارة أو اتجاه نفسي… أشبه ما يكون بمنطقة منزوعة السلاح أو أرض خلاء لا صاحب لها” (26).

إضافة إلى ذلك، فإن بعض الألوان لم تعد طبيعية، بل زالت وحلت محلها الغبرة وخالطتها القذارة. وكل هذا يدل على قدم المكان، وطول المدة التي قضاها المستعمر في القرية وفي الجزائر بعامة.

فهذا الفضاء إذن، فضاء خانق، يشعر الداخل إليه بالرهبة والخوف، وهو نقطة انعطاف لتغيير المسار والوجهة، فإليه تنقل الشخصيات محل الشبهة (قدور مثلا) من فضاء الحرية (القرية) إلى فضاء الكبت والقهر أي (السجن)، وإغلاق أبوابه هذا الأخير معناه انعدام الأمل في الرجوع إلى الحياة الطبيعية الاعتيادية مهما كانت التهمة بسيطو أو تافهة.

أما (المحجر) فهو فضاء قاس ورهيب، فإليه ينقل نزلاء السجن ليذوقوا العذاب ألوانا، تقول (مسعودة) عنه: “سجن رهيب! من قضى فيه سنة، زالت عنه إنسانيته، السجان والسجين في ذلك سواء! إنسانيتهم تنزل إلى ما تحت الصفر، هؤلاء في الفظاعة، وهؤلاء في الحيوانية التي يتحولون إليها من جراء التعذيب الذي لا مثيل له في الدنيا” (27)، كل شيء يتحول إلى اللاشيء “صور باهتة في الفضاء مزج الغبار والقيظ سماءه بأرضه، آفاقه مقاطع الحجر، وقبعات الحراس، ورؤوس البنادق، وأخصاص القصب” (28). فالنزلاء في المحجر يعيشون ليتعلموا كيف يموتون في اليوم ألف مرة، حقهم انعدم في الحياة، وانكسر مع كل حجر ينكسر.

إن المطارق الحجر هي عنوان (المحجر)، إذ لا يؤخذ السجناء إليه إلاّ لتكسير الحجر باستمرار، ودون انقطاع، لذلك فعلى السجين ألاّ يرى إلاّ الحجر، وألاّ يكلم إلا سواه، وألاّ يحاكي سوى أصوات المطارق.

وبهذا يكون الروائي قد نجح في ٌشعارنا بقسوة هذا الفضاء المنفر، كما جعلنا نكن حقدا واحتقارا لتلك الفئة الاستغلالية، التي لا تتوانى عن إلحاق أي ضرر بأصحاب البلاد الشرعيين.

وعلى هذا نقول، لقد قامت بين الفضاء والشخصيات علاقات متعددة، فكانت إما علاقة انقطاع عن الفضاء الأصيل، مقابل التواصل مع فضاء بديل أو فضاء غربة نشدانا للسعادة، وهذا ما يعكس أيضا التناقض الموجود في عصرنا، وكان الروائي يريد أن يقدم رسالة نقدية، يتساءل فيها عن سبب هذه الفجوة، على الرغم من أن القرية هي الماضي الجميل، ماض لا يمكن الهروب منه أبدا، لأنه يمثل رمز النضال، والجهاد والحب، فهو زمن يبعث على الفخر والاعتزاز، وليؤكد الروائي ذلك وجدناه يوظف شخصية (عزوز) ويبرز مدى ارتباطه بالأرض.

وبهذا لم يعد انفتاح الفضاء أو انغلاقه متوقفا على الحدود الجغرافية، بل أصبح يتوقف على منظور الشخصيات الروائية، فكلما كان الفضاء مقربا ومحببا له، ازداد انفتاحا أو ا لعكس.

ومن هنا حمل الانفتاح في الرواية معنى الحرية، فظهر انفتاح المدينة مثلا حتى في السلوكيات والمعاملات، بينما حمل الانغلاق معنى الضغط وتشديد الخناق، كما هو الحال مع القرية.

وعليه، فقد كان الروائي كثيرا ما يلجأ إلى الإيحاء، في صف الأفضية مستغنيا عن التحليل والتعليق، مكتفيا بجعل الديكور يحيل إلى نفسية الشخصيات، فكان مثلا يركز على عناصر وصفات دون غيرها، وبخاصة الألوان، ربما، لأنه يريد أن يبرزها كمؤشرات، إدراكا لوظيفتها الحساسة، إذ أنه بالإمكان أن يحل اللون محل الكلمة أو العبارة، أو يترجم إحساسا ما، أو يدل على معطى اجتماعي.

إذن، فقد لعب الفضاء في هذه الرواية دورا حاسما في تحريك الأحداث وتوجيهها وتنميتها، إذ كاد أن يتحول هو الآخر إلى شخصية روائية مستقلة تمارس تأثيرها على باقي الشخصيات الأخرى، التي ستعد بالنسبة إليه منفعلة لا فاعلة، ويكفي أن نمعن النظر في أولى مفاتيح هاته الرواية الابن هدوقية (نسبة إلى عبد الحميد بن هدوقة) لنتأكد من تلك الوحدة الزمكانية، فلا وجود ليوم جديد حسب أحداث الرواية إلاّ في مكان جديد (المدينة)، وإلاّ فسيكون الغد كباقي الأيام القديمة روتينيا نمطيا يبعث على الملل.

هوامش:

(*) الأستاذة نعيمة فرطاس: أستاذة مكلفة بالدروس، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، قسم الأدب العربي، جامعة محمد خيضر، بسكرة.

ينظر على سبيل المثال: لسان العرب، م13، دار صادر، بيروت، ص 414.
منصور نعمان الديلمي، المكان في النص المسرحي، دار الكندي للنشر، الأردن، ط1، 1999، ص 18.
عبد الملك مرتاض، تحليل الخطاب السردي (معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية زقاق المدق)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995، ص 145.
سيزا قاسم، بناء الرواية (دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ)، دار التنوير، بيروت، ط1، 1989، ص 74.
المرجع نفسه، ص75.
غاستون باشلار، جماليات المكان، تر: غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، ط2، ص 31.
حسن نجمي، شعرية الفضاء (المتخيل والهوية في الرواية العربية)، المركز الثقافي العربي، ط1، 2000، ص 54.
عبد المالك مرتاض، في نظرية الرواية (بحث في تقنيات السرد)، عالم المعرف، عدد 1420، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998، ص 141.
جرار جينيت وآخرون، الفضاء الروائي، تر: عبد الرحيم حزل، افريقيا الشرق، المغرب، 2002، ص ص.12-13.
المرجع نفسه، ص14.
G.Genette, figures 2, édition du seuil, paris, 1969, p43
جينيت وآخرون، مرجع سابق، ص 20.
G.P.Goldstein, pour lire le roman, édition Bruxelles, A. de Boeck, J.Duculot, paris, 1983, p90.

عبد الحميد بن هدوقة، غدا يوم جديد، منشورات الاندلس، الجزائر، 1998، ص 36.
المصدر نفسه، ص 38.
أحمد مختار عمر، اللغة واللون، دار البحوث العلمية، الكويت، ط1، 1982، ص 186.
الرواية، ص 271.
المصدر نفسه، ص 35.
جينيت وآخرون، مرجع سابق، ص 37.
الرواية، ص 146.
المصدر نفسه، ص 48.
المصدر نفسه، ص 53.
ليلى محمد: “ظاهرة الألوان في القران الكريم”، المجلة الثقافية، المكتب الثقافي السعودي، ع37/38، 2000، ص69.
أحمد مختار عمر، اللغة واللون، دار البحوث العلمية، الكويت، ط1، 1982، ص 184.
الرواية، ص 172.
الرواية، ص 172.

*كلية الآداب والعلوم الاجتماعية الإنسانية -قسم الأدب العربي جامعة محمد خيضر بسكرة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق