جديد الكتب

أسئلة حول العلاقة بين الحقيقي والمتخيل في الرواية التاريخية

عبد المجيد. ف

شهد ملتقى الرواية الجزائرية والتاريخ بكلية الآداب لجامعة سكيكدة حضورا متميزا لأستاذة جامعيين وأدباء قدموا تجاربهم في كتابة هذا الجنس الأدبي، وكان بعضهم محل مقاربات وقراءات تباينت في محاولاتها بين استلهام الجسور الوهمية واستحضار ميلاد الأوضاع الجديدة في سياق تمثيل للشعور الانساني عبر بوابة التاريخ الذي يتجاوز مجرد عرض تراث السلف إلى توعية الأجيال وتلقيتنها المبادئ والقيم.. غير أن طبيعة العلاقة بين التاريخ والرواية تثير جملة من الأسئلة بشأن التوفيق بين الأدب الذي يراهن على الخيال لتحقيق الجمال والتأثير من جهة، والتاريخ الذي يراهن على الحقيقة لتحقيق الموضوعية والإقناع من جهة أخرى، مثلما ذكر كل من الدكتور محمد لعور رئيس قسم اللغة العربية، والدكتور رابح بن خوية من خلال مداخلة مشتركة حملت عنوان ( المتحقق والمتخيل في رواية حومة الطليان لأحمد حمدي.. حيث لخصت مقاربة في المتفاعل النصي التاريخي باعتماد منظومة مفاهيم وأدوات ترتكز أساسا على مقصدية الروائي التي بدونها يفقد النص جماليته رغم التشابه الذي قد يكون بين المادة الحكائية للرواية، ومادة التاريخ وموضوعه مع اختلاف واضح بشأن كيفية التشكيل وهذا ما أعطى خصوصية يجب مراعاتها على مستوى حومة الطليان من خلال استجلاء العالم المتخيل وإدراك مدى التفاعل مع التاريخ داخل شبكة علاقات تتداخل فيها البنية الدلالية والبنية النصية المنتجة في سياقات متعددة دينية، وأدبية وتاريخية داخل المثن الحكائي بداية من اغتيال الضابط الفرنسي بحومة الطليان (حي بسكيكدة) إلى مداهمة الجيش للحي وتوقيف لخضر مهني وابنه بوجمعة إلى إطلاق سراحهما وانضمام الأب إلى صفوف جيش التحرير الوطني وإرسال الابن إلى الدراسة بالمشرق مع ما تخلل من أحداث مؤلمة .حيث عكس المثن الحكائي في شكله الفني نوعا من الوعي والإدراك بالمحيط ومقتضيات العصر في انزياح لغوي ينقلنا من المتحقق الى المتخيل داخل عوالم ليس من السهل القبض عليها، أو إقامة الحدود بينها حتى وان كان في نظر الأستاذة نسيمة علوي من المزية والاستحسان تحقيق الانسجام بين الأحداث التاريخية والعمل الروائي التاريخي الذي يعبر عن رمزية غامضة حول ماضي الكفاح في رواية بحر الصمت لياسمينة صالح فضلا عن كونها استلهمت أسلوب حكايات سرية على غرار الاغتصاب الذي مارسه الاحتلال ضد الفتيات الجزائريات آنذاك ما يكشف الوجه الآخر المتخفي عن الحقيقة التاريخية الغائبة لاسيما وأننا نعيش في زمن الشك .

الرواية التاريخية بين الجائز والمحظور :
الأستاذ الدكتور حبيب مونسي من جامعة سيدي بلعباس عندما قدم هذا الأخير قراءة في رواية المهدي المنتظر لـ عزالدين جلاوجي تحت عنوان )الرواية والتاريخ ,، الجائز والمحظور (حيث بدا جريئا بل متطاولا على بعض الحقائق التاريخية من خلال التشكيك في مصداقيتها طالما أن الأمر يحسم من طرف الغالب المهيمن على تاريخ الجماعة فيما قد يأتي المثن الحكائي في الرواية مغايرا في رؤيته للأحداث وتجري على ألسنة الشخصيات أحاديث تعيد خلالها خلط أوراق التاريخ الرسمي نفسه، قبل التاريخ الشعبي، هذا الأخير تبقى الكتابة الروائية على وجه الخصوص هي الأكثر تحملا لمسؤولية الحفاظ عليه، بيد أن لحبيب مونسي أبدى تخوفا وهاجسا من خطورة ما قد ينجم عن ذلك على مستوى صدقية الأحداث التاريخية لأن الروائي ليس معدنا خالصا بالضرورة في ظل خلفيات معينة وميولات خاصة، كما تحفظ كثيرا في أن يكون عمل الروائي جلاوجي يمثل رواية تاريخية ,، فهي في نظره انسانية استدعت توظيفا تاريخيا مفيدا وممتعا على مدارج تخييل متصاعد مرة على سبيل التعامل المحايد مع أحداث تاريخية، ومرة على سبيل التضمين، وهي في نهاية المطاف عبارة عن مسافات تتباين وتتماهى في التقارب والتباعد بين الرواية والتاريخ مثلما ذكر الدكتور السعيد بوسقطة من جامعة عنابة، حيث تساءل بشأن العلاقة بين الرواية والتاريخ ومستويات توظيف التاريخ الذي يتجلى في شكلين الأول من خلال تفاعل التاريخ في تمظهراته المختلفة في بعده المرجعي العام والثاني يتفاعل مع التاريخ من خلال استعادة بعض وجوهه داخل وعي تاريخي وتخييلي جمالي، وهو الأمر الذي حاول الدكتور ملامسته في قراءته لرواية ) على جبال الظهرة ( لمحمد ساري استنادا على دراسة سوسيوتاريخية لباكورة اعماله حيث جمع بين نغمة الحرية، ونغمة الخبز عبر مرحلتين هما : (الثورة والاستقلال) عبر عنهما ساري من خلال شخصيات محورية على غرار عبد القادر، بوعمامة، بولمحاين في سياق اشارات تكشف صراعا بين الأجيال داخل عمل روائي درامي متميز يحاول الامساك باللحظة الهاربة

بين التاريخ والهامش الإضافي للإبداع في الكتابة الروائية :
عبد العزيز شويط من جامعة جيجل في مداخلته المعنونة بحقيقة الخيال وخيال الحقيقة في الرواية الجزائرية ) الأمير (لـ واسيني الأعرج ، فهي رواية متميزة بكونها تلغي الحافات، حافة التاريخ، حافة المتخيل ، فهي لا تقول التاريخ ,، هي تستند على المادة التاريخية وتدفع إلى قول ما لا يستطيع التاريخ قوله باتجاه الاستماع الى أنين الناس وأفراحهم وانكساراتهم عير هامش اضافي من خلال حوادث ثانوية يتداخل التخييل فيها بالتاريخي، فتصير الحكاية بسحر الفن تاريخا ويصير التاريخ حكاية تحقيقا لأدبية الأدب في اشادة مطلقة برواية واسيني .

الأستاذ عادل بوفناز وسؤال التاريخ …
مداخلات أخرى كانت في صميم اشكالية الملتقى بتشعباتها وأبعادها ومستوياتها على غرار المرجعية التاريخية للأستاذ الدكتور بوجمعة بوبعيو وإشكالية التوظيف والرؤية للدكتور نبيل بوالسليو، وجماليات توظيف التاريخ للأستاذة ربيحة العلمي والتناص التاريخي وإعادة القراءة للأستاذ عثمان رواق، وتمظهر التاريخ في الرواية الجزائرية للأستاذة عائشة ولجي ولعنة التاريخ وغفوة السرد للأستاذ محمد حلوش والمسكوت عنه بتأسيس براغماتي تداولي للأستاذة سماح طاجين، والقص الشعبي في رواية ) حروف الضباب ( لصحابه الخير شوار في مداخلة عميد الكلية الدكتور عزوز قربوع، وتأنيث المكان وعنف السؤال في رواية ) سيدة المقام ( لواسيني من تقديم الأستاذة نجوى بوقدوم والتناص التاريخي في رواية )سيدة الخراب( لـ كمال قررور من تقديم الشاعر والأستاذ حسن دواس، فيما قدم الدكتور أحسن ثليلاني مداخلة حملت عنوان الملتقى ) الرواية والتاريخ (، والبعد التاريخي في رواية ) كان الجرح وكان يا مكان (للسائحي من تقديم الدكتور عبد الحق منصور بوناب، وسؤال التاريخ في )رواية الأمير( لواسيني من تقديم عادل بوفناز …
هو اذن سؤال يمثل حجر الزاوية في عالم الكتابة الروائية الحديثة التي يظهر فيها الوعي الفردي متفاعلا مع الوعي العام في نظرة متسقة مع القيم الإنسانية والفنية بتوظيف تاريخي مطرز بخيط سحري يفصل بين الأدبية واللآأدبية، حيث وسيلته مراس ودربة وغايته امتاع وإفادة في ظل تجربة ابداعية تقوم على ثالوث موهبة ناصعة وثقافة واسعة وبيئة مشجعة من شأنها أن تقلص الهوة بين النظرية والتطبيق، فيما يبقى سؤال التاريخ وسؤال الأدب يتجددان باستمرار في سياق البحث عن أجوبة تؤسس للكتابة الروائية الحديثة التي تبقى بدورها مفتوحة على القراءات المتعددة انطلاقا من المذاهب الفلسفية والاستيطيقية في هذا المجال .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق