ثقافة النثر والقصيد

نصوص شعرية قصيرة نسبيًا

ابراهيم مالك*

أيَّتُها الطَّبيعَةُ

( في 4 آب الجاري ( 2019 ) ، انطلق ولدي هاني مغربي المُصوٍّرُ الهاوي المقيم في برلين ، عاشق الطبيعة ، كعادته قبل العمل أو بعده أو في رحلة خاصة ليلتقط بعينه الراصِدَة واحدة من تجلِّياتِ الطبيعة المحيطة ببرلين )

ـ ما أرْوَعَ ما سَتصيرينَهُ وَتَكونينَه
لَحْظَة يَنْسابُ فَيْضُ ماء بَيْنَ ضَفَّتَيْكِ
وَتَبْزُغُ خُضْرَةُ عُشْبٍ وشَجَر
هِيَ وَليدَةُ حَياة ،
أتَأمَّلُكِ في هَوَسِ مَفْتونٍ عاشِقٍ
يَعْشَقُ الطَّبيعَةَ وما فيها مِنْ تجَلِّياتِ وُجود
فَيَنْبَهِرُ بَصَري وبَصيرتي
بِأكْثر مِنْ صورَةٍ فاتِنَةٍ
وأكْثرَ من وَجْهٍ حَسَن .

ـ أيَّتُها الطَّبيعَةُ !
يا مَنْ وَهَبْتِني وَهَجَ الحياةِ
لأدْرِكَ مَنْ وما أنا ،
فأدْرِكَ سِرَّ حَبْلِ السُرَّةِ ، دائِمِ الرَّبْطِ بَيْنَنا ،
فَنَصونَهُ لِنَصونَنا .
هاأنا ذا أغْفو بِخُشوعِ ناسِكٍ عاشِقٍ
بَيْنَ يَديْكِ الْحنونَتينِ كَحنانِ أم يُشْغِلُني في غَفْوتي هاجِسٌ
شَديدُ الوجَعِ وَشديدُ الفَرَحِ
فَكَم مَلأتْني رَغْبَة حَياة أنْ أغالِبَ عجَزي الْجَسَدي
لأظل مُمْتَطِيًا صَهْوَةَ عقلي وسارِحًا
أرْصُدُ فرادَةَ تجَلِّياتِكِ المُمَيَّزة
فأزداد انبِهارًا وقناعةً بِأنَ أجْمَلَ ما فيكِ
هُوَ تَعَدُّدَ تجليلتك ، تلَوُّن أطيافِكِ ودوامُ جَرَيانِ مائك
كَيْلا ” يُفْسِدَهُ وُقوفُ “، فيُفْسِدَ بَعْضًا مِنْكِ ذاكَ الْوُقوف .

ـ أيَّتُها الطَّبيعة !
يا أمَّ الْحَياة ،
سِرَّ نَشْأتِها وَسِرَّ أسْئِلتِها الْوُجودِيَّة
الْمُشْرَعَة عَلى أكْثّر مِنْ عالَمِ أجْوِبَة
ما أرْوَعَ تَداوُلَ فُصولِكِ وتَجَدُّدَكِ الدّائِمَ
أتأمَّلُ عَديدَ تَجَلِّياتِكِ وحَراكَكِ الرّاقِصَ كَنورِ شَمْعَة ،
فأزْداد انْبِهارًا وَتَتَوالَدُ في ذهني أسْئِلة ،
كَمْ يَفْتِنُني فيكِ هذا التَّجَدُّدُ الدّائِم
فأحْسَبُني أعيشُ فيكِ هُبوبَ ريحٍ خَريفِيّة
هُطولَ مَطَرٍ واعِدٍ بِأكْثَر مِنْ وِلادة
إطْلالَةَ ربيعِ حَياةٍ مُلَوَّنة
وَحَرَّ قَيْظٍ حارِقٍ هُوَ فيكِ أصْلُ الْيَباسِ والاخْضِرار

ـ أيَّتُها الأرض

أيتها الأرض ،
أدركْتُ سِرّ الخللِ المُدَمِّرِ الذي أصابك
فلم تبقي كما كنتِ مهدَ البَراءةِ وأصْلَ الحياة ،
أدركته بعمق ووعيٍ طبيعي ،
لحْظَة حاولْتُ أنْ أفهَمَ ما تعنيه
تلكَ الأساطير السومرية القَديمَة حقا ،
فالخللُ بَدَأَ ساعة راحَ إنسانُك القديمُ والجَديدُ
يدوسُ كالفِيَلَة المُتَصارِعة ،
بكلِّ عُنْفٍ ، شهوانيةٍ وجَشَعٍ ،
عُشْبَكِ الغضَّ والمُلَوَّنَ
ويُفْسِدُ عَبَقَ ماءِ وِدْيانِكِ وينابيعِكِ .

ـ أيُّها التُّراب

أيُّها التُّرابُ يا ابن أُمّي
ويا سِرَّ التَّعَدُّدِ الْفاتِنِ في الْحَياة
وسِرَّ التَّجَدُّدِ الْمَنْشودِ فيها ،
يُحْزِنُني ما آلَ إليهِ عالَمُنا
إذْ باتَ دُنْيا بلا سَكينَةٍ ولا أدنى أَمَل
وَصَيَّرَكَ الْبَعْضُ أرْخصَ ما في الْوُجودِ
إذْ داسَتْ عُشْبَكَ بَساطيرُ جُنْدِهمِ الغازين
بَحْثاً عَنْ حَفْنَةِ ذَهَبٍ أصْفَرَ .
وَكُنْتَ أجْمَلَ ما عَرَفتُ
كُلَّما تَأمَّلْتُ زيقَكَ الْمُلَوَّنَ كَنَسيجِ حياة
وكُلَّما تَحَسَّسْتُ ذَرّاتِ ترابِكَ
فَشَمَمْتُ عرقَ جَبينِ
وعَبَقَ دَمِ مَنْ مَنَحوكَ حَياة .

ـ أيَّتُها الْوَرْدَةُ الصفراءُ
الأشْبه بِما يجمل بإنْسانِ عالَمِنا أن يكون .
أتَأمَّلُك في صَمْتِ مُنْبَهِرٍ ،
فأرى في صَمْتِيَ الْمُتَأمِّلِ
أنَ تَجَلِّيات إزهارِكِ تَزْدادُ انحناءً
حَتّى تكادُ تلتَصِقُ بالتُّرابِ ،
فَتَسْمو هامَةُ عودِكِ الْمَرِنِ الأشبه بِعود سِنْدِيانٍ
تَسْمو لِتُحْسِنَ الانْحِناءَ قليلا ًولا تَسْقُطُ .
وكَمْ تَمَنَّيْتُ طيلَةَ صَمْتي الناطِقِ
لَوْ أنَّ إنْسانَ عالَمِنا يُزْهِرُ مِثْلَكِ
قد ينحني قليلاً لكن يُحاذِرُ السقوط .

ـ مِرْآةُ الْوُجود

وفيما رُحتُ أصغي لشدوِ صديق
بَهَرَني ما ظَهَرَ لي من جَديد
كانَ الثَّلْجُ ناصِعَ الْبَياضِ ذاكَ الْمَساء
وقدْ راحَ يَلْتَحِفُ عباءةَ الليل شَديدَةَ الْعَتْمة
فاصْطَبَغَتْ أشْجارُ الحاكورة بنورٍ شَفيف .

ـ ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق