قراءات ودراسات

[مـن هـم العلويـون ؟]

بقلــم : دومنيـك ماتيليت

ترجمـة : سعيـد بوخليـط

غالبا، ما وصف العلويون بالطائفة. هي، فرع شيعي، أسس نظرية لاهوتية تلفيقية، موضعته على جنبات الإسلام. وبخضوعها لترابط عشائري متين، هيمنت عناصر العلويين  طيلة أربعين سنة على دواليب الدولة السورية. تقريبا، كالمسيحيين، يشكلون %10 من ساكنة البلد، والسنيون %70، بينما المجموعات الدينية الأخرى، فيناهز عددها %5. منذ أن هزت سوريا، حناجر التغيير، التي تقمع صرخاتها بشراسة.  اكتشف العالم، بأن السلطة هناك، تستحوذ عليها أقلية دينية تسمى العلويين (لاصلة لهم، مع الأسرة الحاكمة في المغرب منذ أواسط القرن 17، ولو كان نفس الاسم مشتقا من علي. فالمغرب سني، مثل أغلب بلدان المغرب العربي)، تواجدوا تقليديا في الشمال الغربي لسوريا. وبمجموع 2,5 مليون مناصر، يمثلون نسبة %10 من الساكنة.[1]

لفهم أصل هذه الفئة، المصنفة باعتبارها ملة، تنبغي العودة ثانية إلى بدايات الإسلام، بعد وفاة محمد سنة 632، حينما برز تساؤل يتعلق بمعرفة، من سيؤول إليه أمر الإشراف على المسلمين. البعض، وهم أقلية جدا، لقبوا بالخوارج، تمسكوا بضرورة أن يكون الخليفة أكثر ورعا وجدارة. بالنسبة لآخرين، أو السنة، فقد أكدوا على انتقائه من صفوة قريش، قبيلة الرسول. بينما، تيار ثالث، مقتنع بمبدأ السلالة الحاكمة، اعتقد بأن مشروعية الخليفة تعود  إلى أنساب علي، صهر الرسول.

هكذا، حدثت فجوة بين السنة والشيعة (الذين شايعوا علي). أيضا، لن يتأخر الشيعة، كي ينقسموا إلى جماعات متعددة. الفريق الأكثر أهمية ـ نعثر عليه في إيران والعراق ـ يعرف بالإثني عشر، ويظن أصحابه بأن ذرية النبي، تنتهي باختفاء، خليفته الثاني عشر أو الإمام المنتظر عودته. أما،  الإسماعيليون أو أنصار الإمام السابع، (زعيمهم الروحي هو الأغا خان) فينتهي لديهم خيط الأئمة الشرعيين عند العدد سبعة. في حين، يكتفي “الزايديون”، وهو فصيل آخر، بخمسة أئمة.

إذا صنفنا أحيانا العلويين، ضمن الشيعة[2]، بناء على الإجلال الذي يكنونه إلى علي، فقد ابتعدوا جدا عن المذهب، منذ أكثر من ألف سنة، حينما وضعوا نظرية لاهوتية توفيقية، تمزج بين عناصر الأفلاطونية المحدثة والغنوصية والمسيحية والإسلام والزرادشتية. قبل القرن العشرين، لقبوا “بالنصيريين”، إحالة على زعيمهم “ابن نصير” الذي عاش خلال القرن التاسع بالعراق. بينما، يعتبر “عبد الله الخصيبي” المتوفى سنة 957، مفكرهم التيولوجي الأساسي. باقي، الشيعة يحترمون الرجل، لكنهم لا يحبونه. دافع عن مبدأ ألوهية علي، ابن عم الرسول وصهره. ومثل أغلب، الشيعة الذين تأثروا بالتعاليم الغنوصية السابقة عن الإسلام، آمن النصيريون بطريق للخلاص، يحدده تتالي صدور تدفقات إلهية. أقرّوا بتعاقب للأنبياء أو تجسيدات، تبدأ مع آدم وتبلغ أوجها مع المسيح ومحمد. كما تضم منظومة عظمائهم، شخصيات تنتسب إلى اليونان القديمة كسقراط وأفلاطون، وأساتذة من فارس ينتمون إلى فترة ما قبل الإسلام.

على غرار الدروز وبعض الإسماعيليين، يؤمنون بالتناسخ. لذلك، لم يكن غريبا، استبعاد هذا الجسم المذهبي، من قبل باقي المسلمين، سواء سنّة أو شيعة، والحكم على دعاته بالكفر. لكننا سندرك أيضا، أن اعتقادات كهاته، رسختها هذه الجماعة، لما يزيد عن ألف سنة، ووطدها وجوب الزواج بين أفراد العلويين أنفسهم (أما الأطفال الذين ينجبهم زواج بين العلويين وغيرهم، فلا يمكنهم الإطلاع على الأسرار) كي يخلقوا شعورا صلبا بالانتماء.

ومثل الأقليات الدينية الأخرى، طوروا ممارسة تعرف باسم التقية، وتعني: حقك في إخفاء قناعاتك الحقيقية، كي تنجو من المضايقات. لذا، كي يصير بوسعك العمل ضمن المخابرات، جهاز الاستعلامات والأمن، الذي اعتمد عليه النظام السوري طيلة أربعين سنة، يقدم سلوك التقية أفضل التدابير.

أثناء حكم الإمبراطورية العثمانية، مكث النصيريون في أطراف المجتمع، لأن الحكومة رأتهم غير مؤمنين، يحركهم الشيعة الفارسيون. بعد الحرب العالمية الأولى، احتل الفرنسيون سوريا الكبرى (تضم لبنان الحديث وجزء من تركيا الحالية)، ففكروا خلال فترة من الفترات في تأسيس دولة جبلية للعلويين، تنفصل عن مدن السهول المنبسطة مثل حمص وحماه ودمشق وحلب ذات الأغلبية السنية. لقد استحضر الفرنسيون، جيدا درجة المقاومة التي ستواجه بها الأغلبية السنية، هيمنتهم.

سنة 1936، أرسل ستة من وجهاء العلويين، مذكرة إلى “ليون بلوم”، رئيس حكومة الجبهة الشعبية. بعد ارتيابهم في مجرى المفاوضات المهيئة للاستقلال : نظام برلماني، تسوده قطعا الأكثرية السنية. من بين الموقعين على الوثيقة، نجد اسم “سليمان الأسد” أب حافظ الأسد. ضمن لهم الفرنسيون، تكوينا عسكريا، وجندوهم بكثافة في وحدات خاصة بالمشرق. خلال، السنوات المضطربة، التي تلت الاستقلال النهائي سنة 1946، صارت المهارة العسكرية ثمينة. هكذا، فإن بعض الشباب من صنف حافظ الأسد، ينتمون إلى الأقلية العلوية، وأسرهم لم تكن تملك إمكانيات إرسالهم إلى الجامعة، فقد انخرطوا في الجيش، ثم اقتربوا من الأحزاب اللائكية، لاسيما البعث، الذي توخى مشروعه القضاء على الانقسامات الطائفية.

للسبب ذاته أيضا، ستلتحق أقليات أخرى كالمسيحيين والدروز والإسماعيليين، بتنظيم البعث. وإذا تمكن أخيرا، العلويون من السيطرة على أجهزته، فالسبب يعود في جانب كبير منه إلى تجربتهم كجنود جبليين.

الانقلابات العسكرية الثلاث، التي أعقبت الاستقلال، خطط لها ضباط سنيون، ثم جاء، الاتحاد السلبي مع مصر عبد الناصر سنة 1958، فتضخمت مخاوف الضباط العلويين الذين انضموا سابقا إلى البعث : وبالرغم من خطابه العلماني، ظلوا يعتقدون بأن القومية العربية توظف فقط بغية التستر على السيادة السنية، فشكلوا هيئة عسكرية سرية، يشرف عليها صلاح جديد الذي استولى على الحكم سنة 1963، وأصبح حافظ الأسد ربان الطائرات المطارِدة، قائدا للجيش الجوي.

سنة 1966، وقع انقلاب آخر، انتقل بالأسد إلى منصب وزير الدفاع. ثم ناور بمهارة، بعد هزيمة سوريا المهينة أمام إسرائيل خلال حرب الستة أيام سنة 1967، فوصل إلى رأس هرم الدولة سنة 1970، بعد ثورة داخل القصر الرئاسي.

بعد ذلك، تمركزت السلطة بقوة بين أيادي العلويين. الجنود، الذين أشرفوا على الفرقة 47 المدرعة، هم ضباط ينتسب %70 منهم إلى العلويين، تكفلوا بالقضاء على انتفاضة الإخوان المسلمين في حماه سنة 1982، بحيث بلغ عدد القتلى 20 ألف شخص.

حينما توفي حافظ الأسد شهر يونيو 2000، سيتم بسرعة تصويب بعض التدقيقات الدستورية قصد ضمان انتقال الحكم إلى ابنه بشار، الذي درس طب العيون بالمملكة المتحدة.

اليوم، يقف بشار سدا منيعا، ويرفض الاستجابة للمطالب الديمقراطية. موقف يفسره جانب كبير منه، خصوصية العلويين، الخاضعين لترابط عشائري متين. يتمسكون بسلطة، سيعرضهم ضياعها، إلى انتقام تتعطش له الأغلبية السنية.



[1] ـ يربط البعض العلويين، ب “العلاهيون” أو “العلويون الأتراك” الذين يشكلون أكثر، من %20 من سكان تركيا.

[2] ـ تنطبق الملاحظة أيضا، على الدروز الذين يقطنون أساسا جبل لبنان، وتمزج عقيدتهم عدة عناصر فلسفية يونانية وهندية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق