حوارات المجلة

حوار مع الشاعر الجزائري عمار مرياش

أجرت الحوار: نوارة لحرش

عمار مرياش شاعر جزائري معروف شكل مع شلة من شعراء الجزائر مشهدا شعريا لافتا، رسموا وقتها شعرية شابة طموحة وجريئة ومغايرة، كانت الشلة على قلتها في العدد كثيرة الحركة ووافرة الحضور…

 

 

كان هو ونجيب أنزار وسليمى رحال ونصيرة محمدي وفاطمة بن شعلال لكن كل واحد منهم تسرب بطريقته الخاصة إلى أمكنة متباعدة وكل واحد أختار طريقا مغايرا للآخر،لكن ظل الشعر هاجسهم جميعا، يتقاسمونه ويعيشونه كيفما أتفق الشعر وهواهم، لكن أكثر من قاطع الشعر والكتابة هو عمار مرياش لكنه بدأ مؤخرا يعود رويدا رويدا إلى الشعر ولذائذه، وها هو يقول ها أنذا أعود. ديوانه الأول “اكتشاف العادي” صدر عام 1993 عن الجمعية الوطنية للمبدعين في خمسة ألاف نسخة ولاقى احتفاء كبيرا لم يسبق وأن حظيّ به ديوان آخر في الجزائر وترجم إلى الإسبانية والفرنسية، ديوانه الثاني “لا يا أستاذ” صدر عام 1996 عن الجاحظية في طبعة خاصة وجد معدودة ومحدودة ولم توزع في المكتبات، حصدت نصوصه الشعرية الكثير من الجوائز الجزائرية والعربية. في عام 1991 أنشأ مع الشعراء: نجيب أنزار،فاطمة بن شعلال وفاروق سميرة الخلية الأولى لمجلة القصيدة لدى جمعية الجاحظية ورأس تحريرها لمدة، ثم أشتغل بقسم الإنتاج الثقافي بالإذاعة الجزائرية، وفي عام 1996 غادر الجزائر واستقر في غربته الاختيارية في باريس. في هذا الحوار يتحدث مرياش عن القطيعة والعودة وعن الشعر والحداثة وأشياء أخرى نكتشفها معا كما اكتشف هو العادي في أشعاره.

أمازلت تحاول تقليص المسافة بينك وبين العالم لتصبح علاقتك بذاتك وبالعالم علاقة عضوية، أم قلصتها وانتهى الأمر؟

عمار مرياش: “نظرة في البحر تكفيني لأغرق/قبلة تكفي لأعشق/ولقد أيبس كالقمحة لو تنسينني سبع ليال/وإذا لم تسقني قد أتشقق”. هذا مقطع من آخر قصيدة أنا منهمك في كتابتها الآن. ما رأيك؟.أعتقد أن المسافة بيني وبين العالم انعدمت تماما، صرت أنا والماء شيئا واحدا، صرت أنا والنور شيئا واحدا، صرت هو، تصوري، أحيانا يتحدث عني الآخرون بمنتهى الاعتزاز، كما بمنتهى الحقد أو المسخ وأنا بينهم، يتحدثون عني وكأن لا أحد يراني، أحيانا أتدخل بغضب وأرفع صوتي محتجا، لكن لا يبدو أن أحدا يسمعني أو يحس بوجودي والعجيب أنهم يرددون ما أقوله لهم على أنه كلامهم، صرت شفافا إلى الحد الذي يسمح للآخرين رؤية أنفسهم من خلالي دون أن يرونني، طبعا هذا يسعدني أحيانا وليس دائما، ما يسعدني كثيرا هو أنني أحيانا أستطيع التسرب إلى الأعماق، إلى أعماق الأعماق وأرى الناس عراة كما خلقتهم أمهاتهم.

في البداية قطعتُ تماما علاقتي مع الأدب والثقافة وتخصصت في التكنولوجيات الجديدة حتى لا أضيع وجوديا وماديا، لم أضع ماديا ووجوديا ولكني ضعت أدبيا، لذا ترينني أعود شيئا فشيئا إلى عالم الأدب” هذا ما قلته لي مؤخرا، لماذا أعلنت القطيعة، هل لأن الوضع العام كان غير مشجع، أم لأنك كفرت بالكتابة والشعر وهل نحتاج أحيانا إلى قطيعة ما من أجل عودة أكثر ضرورية، أكثر حتمية وأكثر إقناعا، ثم كيف وجدت عودتك بعد سنوات القطيعة؟

عمار مرياش: حدث هذا عندما وصلت إلى فرنسا عام 1996، طبعا أول ما فكرت فيه هو البحث عن شغل في إذاعة أو مجلة أو وسيلة إعلام ناطقة بالعربية، ولكنني سرعان ما عدلت عن هذه الفكرة السريالية الحمقاء عندما اكتشفت أن العربية -على الرغم من قوتها الاقتصادية الرهيبة- فإنها في نهاية الأمر مثلها مثل اللغات المنقرضة كالهوليغريفية مثلا، تصلح للمتاحف والفلكلور والكاليغرافيا ليس أكثر، العربية ليس وراءها سوى الأدباء، وهذا ليس مسل جدا. تقولين هل لأنك كفرت بالكتابة والشعر؟، ليس مربحا أن تكون أديبا،أحيانا حتى وأنت معروف جدا تعاني كثيرا لإيجاد ناشر لكتابك، ثم لا تكون لديك حقوق تأليف، حاولي أن تتقربي من أكبر الأدباء وسترين، الوضع مزر، ستصابين بنكسة حادة أو أزمة قلبية قاتلة، وتنسين بعدها الأدب والثقافة جملة وتفصيلا،حاولي أن تقتربي من وزارة الثقافة، من مؤسسة ثقافية حكومية، هل قرأتِ الغثيان لجون بول سارتر؟ ماذا تريدينني أن أقول؟، كل ما أعرف هو أنني لست مثقفا وأكره الثقافة. حين تكبر في جزائر السبعينات ثم الثمانينات فالتسعينات وتكون شاعرا ويكون اسمك عبد الله بوخالفة أو بختي بن عودة أو عمار مرياش فإنه ليس أمامك سوى الانتحار أو الاغتيال أو الهجرة، إنهم مجرد رموز غيرهم كثيرون طبعا. الآن أعود، أعود لا كما يعود أوديب ولا كما يعود سمك السلمون، كبرت على العشق الأمومي ومازلت شابا على الموت، أعود كما يعود العاشق، بالضبط كما يعود العاشق، بلهفة وأمل أتوقع خيبته فلا أنظر إلى جهته، هناك أشياء لا أعرف كيف أعبر عنها، ثمة امرأة أحببتها منذ أكثر من عشرين عاما ولا زلت أحلم أن أراها، هل ثمة أحد يصدق الشاعر عمار مرياش؟.

في مجموعتك “اكتشاف العادي” هل اكتشفت العادي، أم اكتشفت الذات أكثر؟

عمار مرياش: يتعجب أبرهة الحبشي من موقف عبد المطلب جد الرسول وسيد قريش فيخاطبه بغضب: تحدثني عن الإبل ولا تحدثني عن الكعبة التي جئت لهدمها؟ فيجيب عبد المطلب بهدوء كبير وثقة عالية: جئتك في طلب الإبل لأني أنا رب الإبل أما البيت فله رب يحميه. هذا الموقف البرغماتي العقلاني مدهش فعلا من سيد قريش وإنه لموقف سيد فعلا وليس موقف قائد يدفع بجنوده إلى الموت وهو مختبئ في قصوره ويتشدق بالثورة والعزة ووو..اكتشاف العادي هو تعرية لما هو مزور، مغشوش، مشوه، مسكوت عنه، محرف..الخ، إنه رسم أيضا للمعالم على طبيعتها دون حسابات وتعديلات، إنه ليس مجرد قصائد شعرية، أعتقد أنه لا يليق خداع الناس هذا هام جدا، فظيع جدا أن تذهب مثلا إلى فلاحين بسطاء وأميين لا يعرفون شيئا في التاريخ ولا في الفكر ولا في الدين ولا يعرفون حتى تسمية أعضاء أجسادهم لتستغل إيمانهم وطيبتهم قائلا لهم: “أيها الشعب العظيم،في هذا اليوم المبارك، في هذه الأرض الطاهرة…الخ”، شعب لا يعرف أن يقرأ رسالة ولا أن يملأ صكا بريديا في أرض مليئة بالقاذورات والنفايات والأوساخ تسميه بالشعب الرسالي العظيم، فظيع جدا ومؤلم الضحك على الناس باسم الدين والوطن. لذا كان واجبا خلق معادل فني لهذه الحياة البائسة. القصيدة التي يحمل الديوان عنوانها أي اكتشاف العادي تروي قصة امرأة جامعية تكتشف الحب في وقت متأخر جدا جدا، أي بعد سن الخامسة والعشرين من عمرها على الأرجح، هذه مأساة، هل عادي أن يبلغ الإنسان الثلاثين أو الأربعين من العمر دون أن يرى أو يعرف معنى الجنس الآخر؟ أي هدر فظيع لطاقة الإنسان ولإمكانياته؟ هل عادي أن يتخرج الدكتور من الجامعة وهو لا يعرف كيف يتحدث إلى امرأة بشكل طبيعي ولا كيف يحرر سيرته الذاتية بشكل جيد ولا كيف يتقدم إلى طلب عمل ولا كيف يحصل على شقة، هو الذي يتقن تقنيات السرد الأدبي ونقد الاقتصاد السياسي والسيرة النبوية وتاريخ التداوي بالأعشاب؟هل هذا منتوج أمة مهبولة وبلهاء أم أمة عظيمة؟

تجربة اكتشاف العادي رافقتها تجربة الرسم حيث قمت برسم الغلاف وبعض صفحات الداخل بنفسك، أما زالت تمارس هواية الرسم أم تركتها؟

عمار مرياش: طورتُ أدوات عملي في هذا الشأن، اللوحة صارت شاشة كومبيوتر والفرشاة صارت لوحة مفاتيح فأرة – هكذا تسمى بالعربية البعض يسمونها الماوس، ترجمة حرفية من الإنجليزية – أما الألوان فلنقل أنها أصبحت برمجيات مثل فوتوشوب وفلاش، بالكومبيوتر لا أرسم لوحات تجريدية بل مخططات ونماذج وظيفية، ثم صحيح أحن كثيرا إلى اللوحة التقليدية والألوان، ما زلت أرسم طبعا وأحب خاصة عندما ألطخ ثيابي بالألوان ثم أذهب إلى السوق هكذا على عجل دون أن أغير ثيابي، أتباهى بلطخات الألوان على ملابسي لا أعرف لماذا.

اكتشاف العادي ترجم إلى الإسبانية وأيضا إلى الفرنسية مرتين، مرة من طرف دانيا ومرة من عاشور فني، هل هناك فرق بين الترجمتين وأيهما كانت الأقرب إليك؟، وماذا عن ديوان “لا يا أستاذ” الذي لم ينل نفس الاهتمام مثل اكتشاف العادي؟

عمار مرياش: دانيا ترجمت الكتاب في نفس السنة التي صدر فيها أي 1993، أعتقد أنها ترجمته ردا على الأكاديميين الذين غادروا قاعة إتحاد الكتاب الجزائريين في الأمسية الخاصة باكتشاف العادي وكانوا قد حضروا لعمار مرياش القديم ولم يرق لهم هذا التحول الجذري، أي ترجمته بحماس، وراجعتني في كثير من التفاصيل لذا فعملها قريب مني بكل تأكيد، عاشور فني شاعر كبير وممتاز ويعمل باحتراف،لم أسمع بترجمته إلا عن طريق الأصدقاء والصدفة، حيث أن الكتاب كان مبرمجا في سنة الجزائر بفرنسا وأعتقد أن صداقتنا الطويلة واحترافه مكناه من تقديم عمل جيد، إنه قريب مني هو أيضا، بين الترجمتين هناك فرق أساسي دانيا مفرنسة أصلا وعاشور معرب أصلا. اكتشاف العادي نشر في خمسة ألاف نسخة، لا يا أستاذ لم ينشر بعد، لا يمكن المقارنة، طبعت نسخا معدودة منه على حسابي، سحب تجريبي لا يتجاوز العشرين نسخة وزعت على أصدقاء معدودين في إطار بحث شخصي ولا يحق لأي منهم الحديث عن كتاب لم ينشر بشكل رسمي. حين يصدر “لا يا أستاذ” أعتقد أنه سيلاقي الاهتمام اللائق به، أنا لا أكتب بماء الذهب ولا يتنزل عليّ الوحي، أبحث وأجرب وأجتهد لتقديم عمل نوعي لذا أتردد كثيرا قبل النشر ولهذا السبب، الناس تحبّ قصائدي بعمق.

منذ سنوات وأنت خارج الجزائر، كيف تراها الآن وأنت في غربتك الاختيارية، وكيف تقرأ جغرافيتها الشعرية وملمحها الأدبي؟

عمار مرياش: أنا لا أراها، إنني أتحسسها من وراء حجاب، وهذا ليس رديئا، شيء من الحياء في الحب، – لننظر إلى الأمور من زاوية الكأس نصف مملوءة -، هل تعرفين منذ كم سنة لم أقم أمسية شعرية في الجزائر؟ ومع ذلك لست منقطعا، الانترنت والحمد لله عمل عظيم، أقرأ للشعراء ويقرأون لي، لكن ليس لأغلبهم، لذا ليس لدي إطلاع جيد وشامل. أنا مندهش قليلا من جغرافية الشعراء، منذ مدة كلما أسأل عن شاعر عرفته أو قرأت له يقولون لي إنه الآن مدير إذاعة كذا، أو مدير مديرية الثقافة لمدينة كذا، هذا جيد لهم بلا شك وجيد للسلطة التي وظفتهم أيضا لأن السلطة لا بد لها من مثقفين، ولكن أن توظف السلطة كل الشعراء أو أغلبهم فهذا بلغة ماركسية استيلاء على الحس الجماهيري، ثم من سيكتب الشعر؟من يبكي لمن غرقوا وينبئ بمن سيغرقون في المتوسط؟ من يتغزل بثانويات حسيبة بن بوعلي ووريده مداد؟ من يتمثل قلق وأحلام العامة، مدراء الثقافة؟ هذا ليس مضحكا؟ إنها معادلة من الدرجة الأولى وبدون مجاهيل.

هل يمكن أن يكون المنفى الاختياري وطنا روحيا/أو حقيقيا في بعض الأحيان؟ وبأنه لم يعد يثير إشكالات الغربة والحنين وما إلى ذلك من حالات الفقد المعنوي أو الرمزي؟

عمار مرياش: أقيموا لي أمسية شعرية وسترون أنني أدخل قصائدي ولا أخرج منها ثم أنسى الرجوع إلى بيتي في آخر المساء، الشاعر يسكن في قصائده، ثم أنا لا أبحث عن وطن حقيقي ذلك أن الوطن الحقيقي كالحبيبة الحقيقية كلاهما مجرد وهم حقيقي وأنا لي قلب حقيقي – وقيلوا بلايا أنا ما قديتشي – كما يقول شاعر الراي. بالنسبة للفقد أكرر ما قاله الشاعر العربي القديم الذي نسيت اسمه: (وظلم ذوي القربى أشد مضاضة/على القلب من وقع الحسام المهند)، مع ذلك لديّ حنين كبير إلى الجزائر وحب عميق ما كنت أبحث عنه منذ البداية هو مناخ يوفر الحرية ويضمن العدالة ويحترم الكفاءة وتكافؤ الفرص.

“أنا شاعر مهمتي تكمن في فتح نوافد وفي إيجاد حلول جديدة لا في تصدير مشاكلي الصغيرة للعالم على أنها قضايا الجميع والمستقبل” هذا ما قلته عام 1994، أمازلت تؤمن بهذا حتى الآن، أما زالت مهمتك نفسها أم تغيرت نظرتك أمام تحديات اليومي والمعيشي؟

عمار مرياش: “إن دموعي لن يبصرها حد/حتى لو أقضي كالنملة في بحر هائج”هذا أكيد، لشعراء مهدوا طرق الأنبياء والفلاسفة والمؤرخين، وإن ما يبقى هو ما يكتبه الشعراء كما يقول هولدرلن، ذلك أن الشاعر لا يكتب انطلاقا من حسابات سياسية أو موازنات اجتماعية  وليست لديه أية سلطة سوى سلطة الكلمة،عليه إذن أن يكون مهندسا ذكيا جريئا شفافا وحساسا إلى اللانهاية، أن تكون شاعرا هو أن تخلق لنفسك وللآخرين حلما أو وهما، تسقط نفسك في المستقبل، ثم تخلق سياقا لحلمك وتهبه رموزك وعلاماتك وتسحبه إلى المستقبل، لا أن تمجد بؤسك واحتياجاتك الصغيرة. أكيد: (كل ما قلت أو سأقول صحيح/ فأحفظوا ما سيتلى عليّ). أعتقد أن الشعر هو كتابة فوق-تاريخية، أي غير خاضعة لسياقها الزمني، وإلا كيف نفسر أن لا يحرف كلام الشاعر هوميروس في الإلياذة ويحرف كلام الله في الإنجيل؟.

بعض نصوصك مربكة للقارئ العادي، إنه لا يملك قدرة على استيعابها بسهولة،إنه يتعب وهو يلج مفرداتك وجملك، ورغم تعبه يظل يلج، إلى أي حد يعنيك القارئ، أم أن القارئ العادي لا يعنيك؟

عمار مرياش: إن القارئ هو صورتي في ماء نرجسيتي، إنه جزء من روحي، وأؤكد أن علاقتي باللغة العربية هي أكثر من علاقة عشق، إنها الهيام، لديّ إحساس مدهش بهذه اللغة، صدقيني، لديّ قراء أكثر من أصدقاء حقيقيين وأكثر من إخوة، على أنه يجب التوضيح أنني لا أكتب لعامة الشعب ولا لتلاميذ السنة السابعة متوسط، أولا لأن هؤلاء ليسوا بحاجة إلى شعر فصيح وثانيا لأنه ليس لديّ ما أقوله لهم، إن الشاعر هو ذاته معادل موضوعي لقلق الحياة وعبثيتها، لروعتها وفتـنتها العظيمة كما لحمقها وسخافاتها، الشاعر هو الوحيد من بين كل أعضاء الطبقة- الكهنوتية- الذي يكتب بذاته، وبالتالي فهو الوحيد الذي لا يمكننا تحكيمه لمنطق الصواب/الخطأ، إنه هو كما هو، إن انزياحه بالنسبة لأي معلم كان -مهما كانت شرعيته- هو جزء من وظيفته الأساسية، لذا فهو يخلق لغته، رؤياه وهندسة نصه، أنه يخلق نفسه باستمرار، على القارئ أن يعمل على تطوير نفسه قليلا وإلا فإنه ليس أمامه سوى مواصلة قراءة الخطابات الموزونة والمقفاة التي تعود عليها، ليس هناك حل آخر، بصورة أكثر وضوحا الشاعر هو نفسه رسالة إنه لا يعبر عن، ولا يعكس الـ، إنه هنا، الآن وهكذا. إنه هو. على أن ملاحظتك ربما ليست شاملة، لديّ قراء من مناطق لم أتصور مطلقا أن كتابتي النادرة جدا يمكن أن تصل إليها ومع ذلك فهم يقرؤونني ويحفظون قصائدي عن ظهر قلب، وهم ليسوا نقادا ولا أساتذة جامعيين، وأخيرا يجب الإشارة أيضا إلى أن الشعر الحديث كغيره من الفنون الحديثة الأخرى ليس محل استيعاب، إنه بالأحرى محل إثارة وإحساس وتأمل.

في نصوصك زخم من الأسئلة، وفي المقابل زخم من الأجوبة، هل ترى أن مهمة الشاعر الأجوبة أيضا؟

عمار مرياش: “الحمقى سعداء كثيرا/ذلك أن إجابتهم جاهزة سلفا”، هكذا أقول في اكتشاف العادي ولكن، من قال أن الشاعر هو كائن أبله يتجول في مستشفى مجانين يفتح فمه باندهاش ويتساءل باستمرار؟ ثم إن أسئلة الشاعر وتساؤلاته هي محض إجابة -رمزية طبعا- ولكن هذا من طبيعة كينونة الشاعر، أنا أكره الإجابات الجاهزة والكلية والكونية والصالحة لكل زمان ومكان فقط، أكره أيضا الصح والحقيقة، وكل تجارة في الأخلاق والقيم، بعد هذا من واجب الشاعر أيضا أن يفتح أبوابا ونوافذ ويعبد طرقا. بل واجبه الأول في المراحل التي يفقد فيها كل شيء معناه ووظيفته، وتتحول فيها العلامات والإشارات إلى أسئلة، تصوري أنك تقودين سيارة في طريق سريع وفجأة عوض أن تجدي إشارة مرور تنبهك إلى أنه توجد علامة وقوف إجباري على 150 مترا أو أن السكة الحديدية مقفولة، عوض هذا تفاجئك إشارات بداخلها علامات استفهام أو علامات تعجب أو شعارات مثل الإسلام هو الحل أو يجب الحفاظ على الثوابت الوطنية، أنت تسيرين الآن بسرعة 100 كلم في الساعة، إلهي، نحتاج إلى إشارة مرور واضحة، رمز، أي شيء له معنى عملي ومعقول، لو كنتُ رئيسا للجزائر لجمدت البرلمان ومجلس الأمة وإتحاد الكتاب وعوضتهم بإتحاد الصم والعمي والبكم لمدة أربعين يوما ولمنعت التعليق على مباريات كرة القدم في التلفزيون ومنعت الأئمة من الدعاء بعد الصلاة في المساجد وأمرت التلفزيون بقطع الأخبار والمسلسلات والتحقيقات والحصص وأن لا يبث سوى الأفلام الوثائقية والأغاني غير الوطنية لمدة أربعين يوما كذلك..وبعد هذه الأربعين يوما من الصمت، أعتقد، الجميع يصل إلى نفس النتيجة، الجميع يدرك قيمة الكلمة. ذات يوم قالت لي مراهقة أن مقطعا شعريا لي أنقذها من الانتحار، المقطع يقول: “لا نخسر شيئا إذ نخسر لا شيء” بالنسبة لي هذا المقطع هو محض مقدمة منطقية لما يلي في القصيدة، ولكن بالنسبة لها هو إجابة فلسفية على مسألة وجودية، ولم لا؟.

الحداثة لا تتطلب مصطلحات لغوية معينة والخروج على الوزن والقافية بقدر ما تتطلب النظرة الحديثة والمستقبلية للأشياء”، هذا ما صرحت به في إحدى حواراتك، لكن السائد أن مفهوم الحداثة ملتبس لدى الأغلبية، كشاعر من هو برأيك أكثر شعراء الجزائر حداثة حقيقية؟

عمار مرياش: أجدد تأكيدي لما قلتُ منذ 15 سنة وأؤكد أن لغة الصم والبكم أدق تعبيرا وأكثر شاعرية من لغة كثير من البنى الفوقية والشعراء حتى. خارج الإبداع الأدبي اللغة مجرد أداة، وسيلة لا غير، ما هو مهم جدا هو الرؤيا طبعا وإنه: “حيثما كانت العين كيفما ترى/تشمخ الزهرة في أعين النمل/فيما يضيق الفضاء على الطير/يسقط في دمعة جبل/وتبنى من الوهم مملكة لا حدود لها/لتقف كل طحلبه عند قامتها”. ثم إن الحداثة ليست كل شيء ولا أهم شيء بالنسبة للجزائر والعرب، يجب أن يكون هذا واضحا والحداثة الأدبية لا يمكن أن تستمر وتتطور بدون حداثة اقتصادية واجتماعية وسياسية. ثم هناك شعراء شعريتهم ليست عالية جدا ولكن حداثتهم متطورة جدا بختي بن عودة نموذجا هل يمكن أن نصنفه مع الشعراء؟ على العكس منه هناك شعراء شعريتهم جد عالية في حين أن حداثتهم ليست جد عالية عاشور فني نموذجا، للإشارة عاشور جد حداثي في سلوكه ووجوده وأعتقد أن الحداثة الشعرية لا تهمه ليس إلا، المرحوم عبد الله بوخالفة على الرغم من أنه ليس شاعرا مدينيا إلا أن قصائده حداثية إلى حد كبير-إذا تجاوزنا رموز الصحراء غير الكثيفة في كتاباته-  ثم لنقل أن الحداثة هي التمظهر الفني لروح العصر، أدبيا أقصد أولوية المدينة، التمدن، العقلانية، الديمقراطية، التسارع، التحكم، المحلي، العالمية، الإيمان المطلق بحقوق الإنسان، الوعي الفردي باللامتناهيات: اللامتناهي في الكبر -ملايير المجرات-، اللامتناهي في الصغر -عالم الذرة وما أصغر-، اللامتناهي في التعقيد -الدرات المتكاملة-، نوع من علاقة وظيفية بين الشكل والوظيفة، بين اللون والمعنى…روح العصر يعني. وبهذا المعنى يمكن للحداثة أن تكون نسبية أيضا أي أن حداثة الجزائر غير حداثة إنجلترا وحداثة بسكرة غير حداثة الأبيار أو حيدرة أو حتى بلكور، في الحداثة الشعرية الجزائرية أراهن أكثر على شعراء مثل نجيب أنزار كشاعر مديني أصلا وعادل صياد كشاعر متمدين بجدارة، دون أن أنسى العودة النوعية لعياش يحياوي كشاعر متمدن وبوزيد حرز أيضا، -أذكر أنني أتحدث عن الحداثة الشعرية في الجزائر فحسب- هناك شعراء أقوياء جدا كعثمان لوصيف وميلود خيزار وأنا أعجب بكتاباتهما ولكن لا علاقة لهذا بالحداثة، ثم أعتذر لأن هناك أسماء كثيرة جيدة وبعضهم لم أقرأ له منذ أكثر من 15 سنة ولا أعرف كيف تطور كميلود حكيم الذي عرفت بدايته الجيدة أو مليكة بومدين التي تكتب بشكل مذهل ولا تنشر إلا نادرا جدا أو نصيرة محمدي وسليمى رحال وخيرة حمر العين واللواتي لا أعرف هل مازلن على قيد الحياة، ولكن ما هو جلي هو أن الشعراء الجزائريون أكثر حداثة من الشعراء المغاربة والشعراء التونسيين والشعراء المصريين – بكل تأكيد، طبعا.

الشعر هو لحظة ألم كما يقول بيتر هاندكه، وسعدي يوسف يقول الشعر هو حياتي، فماذا تقول أنت وهل قدر الشاعر أن يرتشف شعره/ألمه أو يعيش تفاصيله بتلذذ، ومتى تشعر أنه لحظة ألم أو أنه حياتك فعلا؟

عمار مرياش: هل يمكنني أن أحتفظ بهذا السر العظيم بيني وبين الطبيعة؟ إلهي كم هو صعب هذا السؤال، ههههه. على الشاعر أن يكون عظيما في كتاباته الشعرية قبل أن يكون استثنائيا في تعريفه للشعر أو في التعبير عن علاقته بالشعر،هل تعتقدين أن بيتر هاندكه وسعدي يوسف شاعرين عظيمين؟ هناك أيضا من يقول أن الحب هو لحظة ألم أو أن الحب هو حياته كلها، طبعا أنا أعشق اختلاف وجهات النظر ولكنني أفضل أن أرى في قصائد سعدي يوسف معنى حياته وإبداعيتها، هذا أحب إلي. الشعر مثل الحب بالنسبة للمحبوب والعبادة بالنسبة للمؤمن والورقة البيضاء بالنسبة للكاتب والحرية بالنسبة لأي مواطن عادي – لاحظي لم أقل بالنسبة للسجين- إنني أقل شاعرية وأكثر عقلانية ووعيا، أي لغو هذه المفاهيم البائدة، لا علينا، هو علاقة كعلاقة العشق، يمكن أن نعيش فيها كل الحالات بكثافة: الألم، اللذة، الندم، الاحتقار، البخل، العمي، التهور، الاندفاع، الكراهية، البكاء، كل الحالات، لكن من حسن حظي أنني تجاوزت مراهقات كثيرة وصرت أتصرف بهدوء قاتل أحيانا، هكذا يعتقد عياش يحياوي أنني أصبحت، علاقتي بالشعر جيدة إنها علاقة عشق، وعلاقتي بالعشق جيدة أيضا إنها علاقة شعرية، يتغير المعشوق ولا تزداد العلاقة إلا تحسنا، طبعا لا أتوانى في قمع نفسي وتأديبها باستمرار، أذكر، عندما كنت صغيرا كتبت شيئا من الشعر في هجائي وعلقته في غرفتي لأراه كل يوم، المقطع يقول: “فقاعة الهواء كلما يزداد حجمها يحتمل انفجارها”، أنا أتعامل مع الشعر كما يتعامل الطالب مع معلمه بمنتهى الثقة ولكن بمنتهى الاستقلالية وحرية الرأي، أي علاقة عضوية، جدلية، أعلمه كيف يرتكب الحماقات ويعلمني كيف أتدفق حكمة وبهاءا، أتعلم باستمرار من كتاباتي ومن تجاربي بشكل عام من عثرات القلب أقوم حبي، لا أتأجل.

قلت في سياق سابق “كل الذين كتبوا عني أسقطوا ذواتهم على نصوصي لا غير” هل يعني هذا أن النقاد كانوا في حالة بحث واكتشاف لذواتهم في نصوصك وليس في حالة دراسة ونقد النصوص، ومن جهة هل يعني هذا أن النقد ظلمك كشاعر ولم ينصف شِعرك الذي كان يحتاج لعمليات الحفر والقراءة أكثر من إسقاطات شخصية؟

عمار مرياش: القضية تتعلق بالحديث عن ديوان اكتشاف العادي في لقاء صحفي كهذا، حين يجد فيه المرحوم سهيل الخالدي أنه أقرب إلى النبوة ويرى فيه احميدة العياشي قطيعة بينما يرى فيه جمال بلعربي الكتابة بالذات فيما يرى أحمد عبد الكريم أنها كتابة إمتاع ومؤانسة وفوزي كريم يرى فيه بصمة خاصة تماما تنتسب لعمار مرياش وحده ويؤرخ نجيب أنزار للشعرية الجزائرية بما قبل اكتشاف العادي وما بعد بينما يرى فيه آخرون أنه خسارة للورق الجيد الذي طبع عليه، هذا يغمرني بمنتهى السعادة، لأنه حين نعرف هؤلاء نجد أن كل واحد منهم يرى فيه جانبا قويا من ذاته هو، هذا رائع ولا يمكنني أن أذهب أبعد من هذا هنا. أما النقد والنقاد فموضوع آخر وسأعطيك رأيي: عندما نشرت اكتشاف العادي راهنت بكل سمعتي وتاريخي ومستقبلي وقرائي، كنت أتصور أنني سأفقد 80 في المائة من قرائي، أعرف صدمة التغيير الجذري، فقدت أقل بكثير وربحت أكثر. أدهشني القارئ الجزائري. وربحت خاصة نفسي، لا يمكن أن نسكن للطمأنينة والمهادنة وننشد العمل الجاد والثورة والابتكار. على النقاد والدارسين أن يضعوا عقدهم وأحكامهم المسبقة جانبا قبل مقاربة نص، وأن يختاروا مواضيع أبحاثهم ببعض من الجرأة والإبداع وأن يتميزوا ببعض من النزاهة. في كثير من الدراسات نجد كل دواوين الشعر التي صدرت في الجزائر ضمن مراجع الباحث. ثم حين نحاول قراءة العمل نجد أن الباحث لا يوظف سوى شاعرين أو ثلاثة، وفي أعمال هؤلاء لا يشير إلا لأردأ ما في كتاباتهم، ثم هناك كثير ممن يتقيؤون عقدهم على الورق على أنها شعر وفي هذا القيء يجد الكثير من النقاد ضالتهم، الغموض والإبهام في الشعر..عقدة أوديب..قتل الأب. التشاؤمية والانهزامية في شعر كذا، كذا..الخ، هذا كل ما يهم النقد؟ هناك أطباء نفسيون لمعالجة المرضى، الشعر فن رفيع ويجب أن يكون كذلك لماذا لا يبحثون في الإبداعية، في الشعرية، في الهندسات المبتكرة المدهشة، في الموسيقى، في البنية المتميزة للجملة لدى، أو في الوظيفة السحرية لـ..؟ هل عقدة أوديب منتوج استهلاكي واسع ودورته سريعة؟، يبحثون عن الشاذ والمختلف – لو كنا في بلد به تراكم كمي ونوعي كبير، لما لا؟ لكن في حالتنا، حالة الجزائر، هو عمل عقيم غير ذي جدوى، أنهم كمن يزعم أنه يبحث عن النعجة السوداء في قطيع أبيض، لكن لا، في حالتنا القطيع كله أسود.

ماذا ستكتشف بعد، هل من مشاريع/إصدارات شعرية في الأفق؟

عمار مرياش: أعمل على نشر كتابين هذه السنة “الحبشة” و”لا يا أستاذ”، الحبشة: أكيد، اكتشفت أن كل المؤسسات الثقافية العربية -بدرجات متفاوتة- تتعامل مع التنشيط الثقافي كما يتعامل متعهدو الحفلات مع الراقصات الشرقيات وتتعامل مع المبدعين على نفس الأساس، أنا لا أحسن الرقص. ليس هناك أي مشروع ثقافي، رهيب، فظيع، كارثة، كل المؤسسات تنظم سهرات ثقافية بمناسبة فلسطين واليوم العالمي للمرأة والأعياد الوطنية وعيد لا أعرف ماذا، ويدعون شعراء المناسبات، حتى في فرنسا بدأت الظاهرة تطغى، أنا لا أحب الشعر في المناسبات الشعر هو المناسبة، أو يجب أن يكون كذلك.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق