قراءات ودراسات

القصة العربية من مرحلة الترجمة إلى مرحلة الإبداع

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

للقصة العربية تاريخ طويل، فالأمثال العربية هي قصص في إطار محكم كما كان للعرب قصص تاريخية من أيام العرب وبطولاتهم. إذا امعنا النظر في جذور الفن القصصي في الأدب العربي القديم، لوجدنا الشواهد الكثيرة في قصص القرآن الكريم. وإن العرب في الجاهلية قد عرفوا لوناً من ألوان الحكاية في بعض قصص الأساطير الخرافية وقصص أيام العرب التي كانت تمجد بعض البطولات الفردية، ولكن القصة العربية في شكلها الجديد من الفنون الأدبية الحديثة التي عرفها العرب في هذا العصر. وإن كان هناك من يرجع جذورها إلى بعض الفنون الأدبية القديمة، ولكن في حقيقة الأمر أن القصة القصيرة بشروطها الفنية المتكاملة هي فن جديد مستورد من الغرب. إن حركة الترجمة مهدت أسباب يعرف المصريين على الثقافة الغربية وحضارتها وآدابهاخاصة الأدب القصصي. ومن إثر هذا الاحتكاك،قام المصريون بإحياء التراث العربي لإحياء مجدهم المفقود،فأقبلوا على كتابة القصة القصيرة مستخدما أساليب الفنون القصصية القديمة خاصة المقامات والحكايات الاجتماعية. نشأت القصة العربية وتطورت بتأثير الفن القصصي في الغرب حيث صيقل هذا الاحتكاك مواهب الأدباء ليتطوروا أدبهم القصصي باستعارة مفهومه المعاصر من الغرب.
بدأت النهضة الحديثة في الأدب العربي بعد غزو نابليون بونا بارت على مصر عام 1798م. وهذا الغزو يعد نقطة انطلاق لاتصال العرب بالثقافة الغربية و تأثرهم بالآدب الأجنبية حيث توجهت البعثات التعليمية التي رافق بها كثير من الأدباء العرب إلى أوربا وعكفوا على دراسة الآداب الغربية واطلاعهم على نوع من الأجناس الأدبية التي لا توجد عندهم مثلها من هذا الناحية و ما كان عندهم في القبول والرواج. وجد الأدباء العرب هناك في طيها من أنواع القصة الحديثة القصيرة فأعجوبا بها وبدأوا ينقلون إلى اللغة العربية لإخوانهم العرب. اتجهت جماعة من ألادباء والكتاب إلى الترجمة والتعريب وعلى رأسهم رفاعة بك الطهطاوي رائد النهضة الأدبية الحديثة الذي نقل حافظ إبراهيم الذي ترجم “البؤساء” عن فيكتور هوجو وألف “ليالي سطيح” والمنفلوطي الذي نشر “النظرات” في ثلاث مجلدات و”العبرات” بما فيها قصص مؤلفة ومترجمة منها “ماجدولين” و”الفضيلة” و”الشاعر”و “في سبيل التاج” ثم جاء يعقوب صروف الذي نقل “قلب الأسد” عن التراسكوت ونجيب حداد الذي نقل “الفرسان الثلاثة” عن إسكندر دوماس، وأحمد حسن الزيات الذي ترجم “آلام فرتر”عن جوته. ومنهم محمد السباعي الذي ترجم قصة “مدينتين” عن تشارلز دكنز كما أنه ترجم عددا كبيرا من القصص القصيرة من الآداب الغربية. وقد نشر الأستاذ يوسف السباعي معظم هذه القصص المترجمة مؤخرا في مجموعة له بعنوان “مئاة قصة” نشأت القصة العربية وترعرت بتأثير من الأدب الغربي مباشرة. وكان هذا التأثير إما عن طريق الترجمة وإما عن طريق القراءة في الللغات الأصلية للآداب الغربية. قد ابتدأ الكتاب العرب بترجمة بعض القصص القصيرة عن الآداب الأوربية ونشرها في المجلات العربية. لقد مرت القصة العربية الحديثة في نشأتها بمرحلتين،المرحلة الأولى هي مرحلة الترجمة والمرحلة الثانية هي مرحلة الإبداع والتأليف:
1. مرحلة الترجمة: فإذا انتقل الحديث إلى الترجمة، فإن القصة بمعناها اليح لم تعرف في الأدب العربي إلاعن طريق الصحافة كوسيلة اتصال جماهيرية أساسية، فمن الثابت في تاريخ الصحافة أن القصة التي اتصل بها الشرق العربي،كانت في أول أمرها مترجمة، لا مؤلفة، وحين زهرت القصة القصيرة المؤلفة متأخرة بعض الشيء، لم تأخذ مكان القصة المترجمة في الصحف ومجلات، فبقيتا معا تشغلان حيزا لا يستهان به في أكثرها. وقد ظهر عدد كبير من كتاب مصر ولبنان الذين مكنوا على الترجمة القصة الغربية على نحو لم تكتمل فيه عناصر الترجمة الفنية. إنهم عنوا عناية كبيرة بلغة الترجمة من أسلوبها أمثال رفاعة بك الطهطاوي الذي ترجم قصة المغامرات تليكاك لفنلون وشماها”وقائع الأفلاك في حوادث تليماك” فإنه نقل هذه القصة في أسلوب السجع والبديع المعروف في المقامات، ولم يتقيد بالأصل المترجم إلا من حيث روحه العامة. قد تصرف في اسماء الأعلام كما تصرف في المعاني وادخال فيها آراءه في التربية، وفي نظام الحكم كما ادخل الأمثال الشعبية والحكم العربية، فلم يكن رفاعة مترجما،بل كان ممصرا للقصة. ترجم مصطفى لطفي المنفلوطي مجموعة من القصص الفرنسية بمساعدة اصدقائه وألبسها ثوبا عربيد جديدا كما نقل حافظ إبراهيم رواية ” البؤساء” لفكتور هيجو. ويعد ذلك شهدت الترجمة دورا جديدا حيث مالت إلى الدقة والأمانة والتزمت بالأصل، فلم يجر فيه أي تغيير، ثم ذلك حين نضج الوعي الأدبي وارتفع المستوى الثقافي للقراء وزاد الاحتكامك بالغرب، ودخل ميدان الترجمة الجامعيون أمثال طه حسين وعبد الرحمن بدوي ومحمد عويض. ولم تلبث القصة العربية أن قطعت مرأخرى نحو الكمال حين بدأت مرحلة التعريب والتمصير، وهي مرحلة متداخلة بين التعريب والتمصير والتوليد. وإن قوام هذه الحركة الربط بين القصص الشعبي التقليدي والقصص المغربي.
2. مرحلة الاقتباس: تمثل هذه المرحلة بداية نمو هذا الفن في منتصـف القـرن التاسـع عشـر ، ولذلـك نجـد محـاولات متنـوعة، بعضها مقتبس من تراثنا القصصي متمثلا في فن المقامة، إذ نجـد بعـض الأدبـاء يحـاولـون إحيـاء هـذا الفـن وتوظيفه في خدمة أهداف إصلاحيـة مثلما نجـد عنـد إبراهيـم اليـازجي ومحمد المويـلحي . وبعـض الأدبـاء أخذوا يقتبسون ألوانا من القصة في الأدب الغربـي، إما عن طريـق تعريب أنـواع مـن القصـص الغـربي كما فعل البستاني والمنفلوطي وحافظ إبراهيم وغيرهم وإما عن طريق الترجمـة الدقيقـة كمـا فعـل العـديـد مـــن الأدباء في فترة لاحقة عندما بدأ هذا اللون يعرف الرواج والذيوع ويعرف إقبالا متزايدا من القراء ، فظهــر العديد من الكتاب الذين عكفوا على ترجمة ألوان من القصة الغربية مثل إبراهيم عبد القادر المازني وأحمـد حسن الزيات ومحمد عوض وغيرهم كثيرون . كان لهذه المرحلـة أهميـة كبيـرة تمثـلـت في إنتـاج عـدد كبيـر من النمـاذج القصصيـة المقتبسـة مـن الأدب الغربي، سواء في شكله المعرب أم في شكله المترجـم فـي الوقـت الـذي اختـفـت المحـاولات التـي قـام بهـا البعض في تطوير أشكال من القصص العربي القديم وخاصة فن المقامة. فقد أكد التطور الذي عرفه المجتمع العربي الحديث عدم الحاجة إلى مثل هذا اللون الذي لم يعد يستجيب للمتطلبات الاجتماعية الجديدة .
3. مرحلة الإبداع: تتجلى هذه المرحلة في الانتقال من مرحلة الاقتباس والترجمة إلى مرحلة التأليف. وهذه المرحلة فرضتها الاحتياجات الجديدة للمجتمع وتطوره ومواجهته للاستعمار الغربي . وقد بدأت هذه المرحلة بتأليف نوع معين من القصة والرواية وهي الرواية التاريخية. ولا يمكن أن نفصل بصورة مطلقة هذه المرحلة بما سبقها، بـل هي تتويج للمكتسبات التي تحققت في المرحلة السابقة وتطوير لها كما أن تأثير الفن القصصي الغربـي ظـل يمارس تأثيره بشكل واسع في اللون التاريخي للقصة العربية. توجه العرب في العصر الحديث إلى القصة بعد اتصالهم بالغرب وقاموا بنقل القصص الغربية إلى العربية. عندما اطلع أدباء العرب بالأداب الغربية فأعجبوا بها واقبلوا على دراسة تلك النماذج الجديدة التي ليس لهم بمثلها عهد في المسرحية والشاعر والقصص والروايات. بدأوا أن يترجموها إلى اللغة العربية. وكان المترجمون يتصرفون فيما ينقلونها إلى العربية على حسب ذوقهم الأدبي وأذواق القراء في عصرهم. وكان أول من فعل اللبنانيون قبلهم إلى مخالطة الأروبيين والأخذ منهم. وعلى رأسهم فرانسيس مراش وسليم البستاني وجرجي زيدان، ثم عالجها الكتاب المصريون علاج المحاكاة لما قرأوا من تلك القصة المترجمة. وكان أول ما ظهر طائفة من القصص والأقاصيص المترجمة علي سبيل المثال “غصن اليابان” لنجيب حداد و “الفضيلة” للمنفلوطي و”البؤساء” للحافظ إبراهيم. وقد كانت هذه القصص المنقولة على علاتها أساسا للنهضة القصصية الحديثة في الشرق العربي احتذاها الشباب واستوحاها الكتاب. وبالرغم هذا كانت اللغة الترجمة في بداية الأمر ركيكة وضعيفة على وجه العموم. وفي الواقع أن العمل لاكان تمصيرا لا ترجمة. وقد نهض بالجانب الأكبر من الترجمة القصصية في الفترة الأولى عدد كبير من أدباء لبنان وسوريا وهاجروا إلى مصر حيث أنشأوا بعضهم صحفا ومجلات وجرائد كالأهرام والمقطم والهلال والمقتطف وعلى رأسهم نجيب حداد ونسيب المعشلاني وطانيوس عبده ونقولا رزق الله وأخرين. يقول نجيب عطوي: “إن القصة القصيرة بمفهومها الحالي والمتطور حديثة النشأة ولم يعرف الأدب العربي القديم هذا النوع من القصة. وزهور فن القصة القصيرة يرتبط بالترجمات التي قدمت المترجمين في هذا الفن. بدأت هذه المرحلة حين شرع بعض الأدباء يلتفتون إلى هذا الفن ويدكون أهميته وخطوره ويستخدمون أداة للتعليم والإصلاح الاجتماعي والدعوة إلى أفكار وآراء اجتماعية وسياسية. لقد مرت هذه المرحلة بطورين:
• تمثل الطور الأول في استلهام القصص العربية القديمة والتأليف على دقق منوالها وطبيعتها. لقد سعت طائفة من الأدباء إلى تأليف قصص تبنى على إطار المقامة وتتأثر بخصائصها وأسلوبها. وتتأثر في الوقت ذاته بخصائص وسمات مثل حكايات ألف ليلة وليلة. وقد حدث هذا بدوافع لبعث التراث الأدبي القديم أو بدوافع تتعلق بثقافة المؤلفين الذين لم يعرفوا في ميدان القصة غير القصص الربية الماثورة.
• تمثل الطور الثاني بالقصة الغربية الحديثة واستيحائها حيث تم الانفصال بين التراث القصصي العربي والقصة العربية الحديثة، وأصبحت القصة ذات بناء متماسك ووحدة عضوية وشخصيات إنسانية مرسومة بعمق ووضوح وأهداف فكرية واجتماعية مختلفة.
كانت هناك جهود ومحاولات للاقتراب من كتابة القصة القصيرة العربية، واضطلع بالقيام بهذه المحاولات “عبد الله النديم” من خلال مجلته “التنكيت والتبكيت”؛ حيث كان يلجأ إلى الشكل القصصي في انتقاداته اللاذعة التي اشتهر بها، كذلك تجربة لبيبة هاشم ومنصور فهمي وخليل مطران، وإن كانت كلها لم تتعدَّ الإسهام في الشكل الهيكلي للقص، ثم كانت تجربة “محمد المويلحي” في “حديث عيسي بن هشام” التي اقتفى فيها أثر المقامة العربية القديمة، وأيضًا كتابات “مصطفى لطفي المنفلوطي” التي كانت وعظية انتقادية في المقام الأول لكن كان لها دور مهم في هذه المرحلة ما وفر لها فرصة الذيوع والانتشار،
لقد جاءت مرحلة أخرى مهمة وهي مرحلة الرواد الذين ضربوا بحماس وقوة في أرض ذلك الفن الجميل والذين أنتجوا بالفعل تجارب قصصية لها كيانها الفني والفكري، طبقا لعصرهم وظروفه، وهؤلاء هم: محمد تيمور، عيسى عبيد، شحاتة عبيد، محمود تيمور، محمود طاهر لاشين. ونتيجة لعودة طلائع البعثات التعليمية إلى الوطن و مشاركتها في الحياة الثقافية، ومن إثر تأسيس المعاهد والمدارس والجامعات وانتشار الصف والمجلات، ومن جهود المترجمين والمحاولات القصصية المؤلفة ، بدـ تتضح علامات النهضة وتلتمع بوارق الإشراق والأمل في الأدب العربي حتى تمكن من إيجاد القصة العربية الفنية. ولدت القصة القصيرة بصورتها الفنية في الأدب العربي على يد محمود تيمور. فأول قصة قصيرة ظهرت في الأدب العربي هي “في القطار” التي نشرت في جريدة “السفور” عام 1917م. هكذا شهد التاريخ أول قصة قصيرة فنية وحظى بها الأدب العربي لأول مرة قصة مكتملة. تشكل هذه المرحلـة فتـرة إنضـاج واكتمـال للفـن القصصي شكـلا ومضمـونا ، كما تمثل بداية ازدهـار لفـن القصـة العربيـة التي ما تزال متـواصلـة إلى يـومـنا هـذا ونحـن في مستهل الـقـرن الواحـد والعـشــريـــن .ويمكـن أن نـؤرخ لبـداية هـذه المرحلة بمـا بعـد الحرب العالمية الثانية إلى مرحلتنـا الراهنة. فبعـد العقــود المتوالية من ذلك التاريخ شهدت القصة العربية تطورا لامثيل له من قبل.
ظهرت القصة كفن أدبي في بداية القرن العشرين، وكان لها ذيوع كبير، وتذهب بعض الآراء إلى أن أول قصة قصيرة عربية بالشكل المتعارف عليه كانت قصة “في القطار” لمحمد تيمور، والتي نشرت في جريدة “السفور” سنة 1917م، بينما أخذت القصة القصيرة شكلها الجديد ونمت في الأدب العربي في أعقاب أحداث الحرب العالمية الأولى وظهرت مع ظهور الكثير من الصراعات في العالم وما تبعها من ثورة 1919م، بعد فترة من المترجمات القصصية الفرنسية. وإن حركة الترجمة مهدت أسباب يعرف المصريين على الثقافة الغربية وحضارتها وآدابهاخاصة الأدب القصصي. ومن إثر هذا الاحتكاك، قام المصريون بإحياء التراث العربي لإحياء مجدهم المفقود، فأقبلوا على كتابة القصة القصيرة مستخدما أساليب الفنون القصصية القديمة خاصة المقامات والحكايات الاجتماعية، ولكن لم يحتج كتاب القصة القصيرة إلى القصة المترجمة لأنهم كانوا مثقفين بالآداب الأجنبية. وكذلك نستطيع أن نقول إن الترجمة لم تؤثر كثيرا كما هو المزعوم في نشأة القصة القصيرة العربية وإنما كان التأثر المباشر عن الاتصال المباشر بالآداب الغربية. إن محمود تيمور هو الذي مهد الطريق للقصة القصيرة عربية متكاملة ثم جاءوا لأمثاله بعده وكتبوا القصص القصيرة وحسنوها وأبدعوها. هناك آراء أخرى تقول بأن أول قصة قصيرة عربية تظهر في العصر الحديث كانت لميخائيل نعيمة، وهي قصة “سنتها الجديدة” التي نشرت في بيروت عام 1914. تطور هذا الفن في أدبنـا الحديـث إلى عاملين أساسيين: أحدهما تراثنـا القصصـي القديـم، وإن لـم يكـن بشكـل حاسـم. والثـاني تأثـر أدبنـا العربي بالأدب الغربي في مختلف اتجاهاته ومذاهبه وفنونه، ومنه الفن القصصي بشتى ألوانه وأشكاله.
تطور الفـن القصصي في الأدب العربـي في عصـر النهضـة العربيـة الحديثـة منـذ منتصف القـرن التاسع عشر حيث أسهم العديد من رواد النهضة الأدبية في نمو وتطور فن القصة، استجابة لتطور المجتمع العربي، وثمرة من ثمار النهضة ومظهرا من مظاهرهـا . وقـد عـرف هذا التطـور مـراحـل مـخـتـلفــة تـوجــز ألـوان وأشكـال هــذا التطور حتى بلغ أقصى تطوره في عصرنا الحاضر.
الهوامش:

*الأستاذ المساعد: قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة عالية،كولكاتا- الهند

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق