حوارات هامة

آصف سلطان زاده: الأفغاني الذي يتجنب العاطفة ليغرقنا في الألم….

عثمان بوطسان*

نحن نعرف جيدا الأحداث التي وقعت في أفغانستان. نعرف الدمار الذي خلفته الحرب، نعرف القانون القاتل لطالبان والتعصب الديني والطائفي. لكننا نبقى، رغم كل شيء، خارج هذه الأحداث الدامية. عندما نقرأ للأفغاني آصف سلطان زاده، نعرف جيدا حجم الدمار والمعاناة التي لا تغادر كاهن الأفغان. فنصوصه مزعجة ودموية. ينتقل بنا الكاتب من مشهد خيالي إلى مشهد حقيقي يصور لنا وجوها شاحبة وأعين ملطخة بالدماء لأولئك الذين عاشوا في هذه الأوقات المخيفة والمرعبة. إنها فعلا صور يكسوها السواد حتى أصبحت مزعجة. لا وجود للعاطفة ولا يوجد توزيع مناسب بين الأشرار والطيبين، ولا وجود لأبطال لطفاء بعيون الكحل المظللة. فأبطال آصف سلطان زاده هم في الأصل أشخاص عاديون، بعيدون عن عظمة الكائن البشري. شخصيات مجنونة في عالم مجنون. ينتقل بنا الكاتب من الكوابيس إلى الأوهام، من الرؤى إلى الانحرافات، نرافق شخصياته وكأننا نعرفها من الداخل. لعل هذا هو الجمال المتفرد في كتبه، لأننا ننسى كل الغرابة للمشاركة في هذا المنطق غير المعقول الذي لا توجد فيه حرية أخرى، غير الالتزام بالجنون.
آصف سلطان زاده، المولود في كابول عام 1964، غادر بلاده عام 1985 متوجهاً إلى باكستان، ثم إلى إيران. تدور قصصه في الغالب حول الحرب مع “الروس والحكومة”، وهي حرب تُرى في أغلب الأحيان من بعيد، لأنها موجودة في كل مكان، ولا يوجد تفسير لها. حرب تزرع الصواريخ والبؤس، وتصدع العقول المضبوطة بالدوار قبل الانفجار. يتجنب سلطان زادة العواطف لاختراق الألم، هذا الإحساس بالذات الذي لا يطيقه أحد، ويخترع عزاءه بالتأكيد على أن هناك طرقًا أخرى للوجود. لقد شكلت الكتابة بالنسبة اليه فرصة لمقاومة الهمجية التي تعرضت لها أفغانستان، والتي كان يتابعها عن كثب في الصحافة الدولية نظرا لأنه كان منفيا. لم يكن سلطان زاده قادرًا على نشر كتاباته في بلده، لذا نشر في عام 2000 أول مجموعة من القصص القصيرة في إيران. عالجت هذه القصص صورة أفغانستان الغارقة في عالم مجزأ وفوضوي : عالم دمرته الحرب.

لم تعد إلى أفغانستان منذ عام 1985، كيف تمكنت من إعادة بناء هذه الحقيقة؟
منذ أن غادرت بلدي، لم أتوقف عن العيش مع ذكرياتي. هي نفس الذكريات التي كانت تحميني دائمًا، كدرع، من أكثر المواقف فظاعة التي مررت بها كلاجئ، أولاً في باكستان، ثم في إيران، واليوم في الدنمارك. هذه الذكريات لا غنى عنها بالنسبة لي. إنها مثل سلسلة تربطني ببلدي الأصلي. تمنعني من الضياع في رحلتي الخاصة. في المنفى، قمت بإعادة رسم هذه الذكريات، وإعادة بناء الألوان والروائح والأحاسيس الحلوة والمرة.

ما الذي جعلك تغادر أفغانستان عام 1985؟
كنت في الخامسة عشرة من عمري عندما دخل السوفييت الى أفغانستان في عام 1979. في ذلك الوقت، كنت طالبًا في كابول، في المدرسة الثانوية-الأفغانية. لقد شاهدت رحيل بعض أساتذتي للغة الفرنسية واعتقال المعلمين الذين لم يشاركوا أفكار الشيوعيين. بدأت الرقابة تطبق على جميع الكتب المتعلقة بالإسلام، لتجنب تطور المقاومة من قبل الجماعات الإسلامية. اختفت أعمال الكتاب الأجانب الذين ابتعدوا عن الشيوعية من رفوف المكتبات، مثل: جورج أورويل، بريشت، داريو فو… درست بعد ذلك الصيدلة في جامعة كابول، لكن المناخ القمعي الذي كان سائدا أحبطني بسرعة. كنت أٌعتبر خصماً سياسياً، فقط لأنني تجرأت على قراءة القصائد والروايات. لذلك قررت اللجوء إلى إحدى القرى الصغيرة شرق العاصمة، والتي كانت تعتبر “منطقة حرة”. هناك، تشكلت مجموعات صغيرة من مقاتلي المقاومة وقاتلوا ضد القوة المركزية. سرعان ما أصبحت على دراية بالعديد من تضارب المصالح التي كانت تحدث كتهريب الأسلحة والقتال بين فصائل المجاهدين. لقد فقدت الأمل في المستقبل السياسي للبلاد، شعرت أن الحرب ستستمر لفترة طويلة. لذلك، فضلت الفرار إلى باكستان عبر الجنوب.

كيف بدأت الكتابة؟
لم يساعدني أحد على الكتابة في عائلتي، فقد كان والدي محاسبًا ووالدتي ربة منزل. لكن أتيحت لي الفرصة للدراسة في مدرسة الاستقلال الثانوية، فقد ساعدني أساتذة اللغة الفرنسية على التعرف على الأدب الأجنبي، وهكذا بدأ شغفي بالكتابة. بسرعة كبيرة، تبنّيت كتابة القصة : كان هذا النوع الأدبي واسع الانتشار في أفغانستان وإيران. عندما انتقلت إلى إيران، استأنفت دراستي، هذه المرة في السينما، ثم بدأت بكتابة المسرحيات. لقد أتيحت لي الفرصة لحضور اجتماعات المثقفين ومقابلة كبار الكتاب مثل هوشانغ كلشيري، الذي ساعدني كثيرًا قبل وفاته، على نشر المجموعة الأولى من قصصي.

في كتاباتك، تدين العنف والحرب الهمجية والتعطش إلى السلطة. هل تعتبر نفسك كاتبا ملتزما؟
إن ذاكرتي عن أفغانستان مليئة بصورالعنف والبؤس والحزن. وينعكس هذا بوضوح في كتاباتي. كيف أظل محايدًا وأنا أعلم أن هذه الحرب السخيفة سرقت حياة أقربائي؟ إنه شعور مرير يغزوني. في عام 1993، عندما كنت لاجئا في إيران، علمت بوفاة والدتي، تحت شظايا سطح منزلنا في كابول. هذه الفاجعة لم تتركني أبداً. لقد غزت أحلامي، لدرجة أنها كانت موضوع قصتي الأولى، والتي يحمل كتابي عنوانها: Lost in the Flight. مثل العديد من الأفغان الآخرين، كانت والدتي ضحية لصراعات داخلية دامية بين فصائل مختلفة من المجاهدين، الذين قاتلوا من أجل السلطة بعد مغادرة الروس. عندما تأتي من بلد مثل أفغانستان، وقد شهدت الكثير من الفظائع، لا يمكنك الكتابة إلا من خلال الالتزام. كما قال ألبير كامو، الذي كنت أكن له دائماً احتراماً كبيراً: “حتى لو لم نرد، فإننا عندما نأخذ القلم، نلتزم بقول ما عشناه”.

هل لديك أمل في العودة إلى أفغانستان؟
نعم بالتأكيد. عندما فررت من أفغانستان، كان ذلك على أمل العودة يوما ما لرؤية جبال بلدي. بدون هذه الرغبة في العودة إلى أفغانستان، سأكون ميتاً بالفعل. إذا قطعت نفسي إلى الأبد من جذوري، سأكون مثل الشجرة التي تموت في الخريف. بعد رحيل السوفييت، تسببت الحرب الأهلية التي استمرت حتى عام 1996 في إزعاجي تمامًا. بعد ذلك، في ظل حكم طالبان، كان من المستحيل تقريبًا التفكير في العودة. كانت أقلية الهزارة الشيعية التي أنتمي إليها واحدة من أكثر العرقيات اضطهاداً. منذ تنصيب الحكومة الجديدة، بدأت الأمور تتحسن وهناك أمل لإقامة الديمقراطية، لكن الوضع لا يزال غير مستقر. تكافح مراكز القوى المختلفة في جميع أنحاء البلاد للتوصل إلى اتفاق. تستمر الهجمات ومحاولات الاغتيال. ككاتب، أفضل العودة إلى أفغانستان عندما أكون متأكدًا من أنه سيسمح لي بالتعبير عن نفسي بحرية، دون أن أتعرض للخطر.

*كاتب وباحث متخصص في الأدب الأفغاني المعاصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق