ثقافة المقال

الشّعِرُ

الشاعر السعودي الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

الحياة التي تحياها الحياة من طبيعة بحرية وما فيها من عوالم ، وطبيعة برية وما فيها من أشجار باسقة ، وثمار يانعة ، وألوان زاهية ، وتنوع فاتن ، وطيور منشدة ، وطبيعة جوية وما فيها من طهر وصفاء ، وأجواء منعشة ، كل ذلك في سحر إنسانية الإنسان ، وعلو نفسه ، وشموخ أخلاقه ، و نفاسة شمائله .
إن الفن الإنساني الذي يصور هذه العوالم في صدق وواقعية ،ممزوج بعوالم الخيال في تناغم فتان ، وموسيقى آسرة ، ومشاعر جياشة ، وابتكار ألفاظ ، ونفس سافر ساحر هو الشعر .
والذي يلتفت إلى كلمة الشعر ، ويرحل في معانيها ، ومدلولاتها ، ويسبر أغوارها ، يرى الحروف الأصلية الثلاثة للكلمة ، تكاد أن تشي عن نفسها ، فالشين شعور ، والعين عذوبة ، والراء رقة ، والألف واللام تعني استغراق ذلك كله في عزف موسيقي منفرد .
هذا الفن النفيس الذي تكاد الإنسانية تتفق على أثره ، وسحره في النفس الإنسانية ، وقدرته على الرحلة في أمواجها ، والصبر على تقلباتها ، والغور كل الغور في أدغالها ، والذي يستطيع بصورة كبيرة أن يرسم معالمها ، ويسفر عن جمالها وكمالها ودلالها ، ويقترب منها لدرجة الملامسة لها .
كم من نفس سابحة في مروج البساتين الحالمة نبهها لذلك الشعر ! وكم امرأة سادرة في الحياة رأت حقيقة جمالها فيه ! وكم من فئام أليفوا الحياة ساكنة فلما سمعوه جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا! وكم من قوم أضرمت صدورهم الضغائن والكره ، فلما صال بينهم وجال إذا هم يبصرون !
وسقى الله ذلك الرهط الذين تاه في الصحراء ، فتذكر قائلهم بعض أبيات لشاعر العربية الأول أمرئ القيس فثاب إليه المكان .ومازال أشعر شعراء بني أمية جرير بن عطية يصدح بقصيدته بين يدي أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان حتى أتى على قوله :
ألستم خير من ركب المطايا // وأندى العالمين بطـــــــــــون راح!
فاهتز أمير المؤمنين طرباً وبشراً .
وما سحر ليلى العامرية ، ولبنى العذرية ، وعزة ، وغيرهن إلا ذلك السحر الحلال الذي جرى على ألسنة العشاق من الشعر السافر والكلام الساحر ، فصور لهمن الحقيقة التي تشارف على الخيال ، والخيال الذي يحاكي الحقيقة ، فإذا بهن
يصرعن ذا اللب حتى لا حرك له // وهن أضعف خلق الله إنسانــــــــــــــــــا!
وللشعر في ذاته العليا شعر ؛ يسمو ويتسامى ويؤثر ، ويحرك ، فيرسم على الشفاه الابتسامة ، وعلى القلوب السرور ، وعلى العقول الذوق الرفيع . قد يرى بعضهم جمال الألفاظ ولا يرى جمال الفكرة والمعنى ، وقد يحلق بجمال الفكرة ويلهو عن المبنى ، ولهذا وذاك عذره في سحر الشعر وقوة تأثيره.
الفلل الفارهة ، والقصورة المنيعة العامرة ، تأخذ بألباب زوارها ، كذلك الحدائق الغناء ، والمروج الوارفة ، وطبيعة الساحرة ، ويجتمع كل ذلك في حسن الظاهر ، ودقة التنظيم والنظام ، كذلك الشعر .
شاعرية الشعر ليست في الألفاظ ولا الجمل ، ولا حسن السبك وجودة التصوير ، وإنما في شاعرية الشعر نفسه ، وقربه من ذوق الناس وذائقتهم ، وهذه الحقيقة الثابتة على الشعر ألا يتجاوزها إلى غيرها دون أن يرسم فيها ، وينتقل معها إلى غيرها .إن هذه الشاعرية إذا كانت تغوص إلى هموم الناس وغمومهم ، وآلامهم وآمالهم ، وعصرهم ومصرهم ، وحياتهم اليومية ، مع بث الحب في خفقات قلوبهم ، وتحفيزهم في رسم المستقبل الواعد ، والوصول بالأحلام إلى مقاربة الأحلام ، يمكن القول أن شاعرية الشعر قامت ببعض فرائضها ، وإلا فإن خروجها عن هدير بحر الحياة ، عن عواصف الليل وأنوار النهار ، عن صراعات الحياة وهدوئها ، عن سمائها وأرضها ، هو في الحقيقة خروج عن الحياة ، ويمكن لصاحب اهتمام أن يكتب على الجنازة هنا مدفن الشاعرية والشعر .
ولذا ذهب بعض المهتمين من النقاد بالشعر إلى القول أن أمام شاعرية الشعر هنا خيارين ، أما أن تنغمس في حياة الناس سروراً وحزناً ، حباً وبغضاً ، غناءً وفقراً ، حرباً وسلماً ، حياةً وموتاً ، فتعيش وتكتب له الحياة بحياة الناس ، وأما أن تعتزل في صومعة حتى يأتيها هادم اللذات ، فتموت بالسكتة ولا أحد يحوقل عليها
التأريخ و الجعرافيا يشهدان على الإنسانية التي قطعت أشواطاً من عمرها على سطح الأرض ، وهي تجري شمالاً وجنوباً ، وشرقاً وغرباً ، وبراً وبحراً ، وليلاً ونهاراً ، وسراً وجهاراً ، باحثة عمن يروي غليلها ، ويطفئ لهيب ظمأها ، ويبعث فيها الأنس والطمأنينة ، والراحة والسعادة والسرور فلم تجد ذلك إلا في كلام السماء وزلال المصطفين الأخيار ، وذهب الكلام ” الشعر ” .
والشعوب مهما كانت بعيدة عن مدنية المدينة إلا إنها تؤمي بفطرتها إلى حفظه في سويداء قلوبها ، وتتفاخر به ، وتقدمه للناس كمنجز من أغلى وأعلى منجزاتها ،وقد نجد في الطريق المؤدي إلى المقبرة فئام من الناس يقول غير هذا !.
نعود إلى بيت القصيدة ؛ فهو اللبنة الأساسية التي تقوم القصيدة عليه ، وبه تصبح قصيدة شعرية فارعة الطول ، شامخة الرأس ، ماخرة الحسن ، كالعروس المأنوسة ، والشجرة المثمرة ، واللوحة البارعة .
و الحروف والجمل والكلمات المرصوصة لا تصنع بيتاً شعرياً فضلاً أنها تصنع قصيدة ، كما أن الألوان الجميلة لا تصنع لوحة ، والتراب والرمل والحجارة لا تصنع قصراً جميلاً وارفاً ، ولا جمال في جمع حبوب مبعثرة ، وحجارة منتشرة ، وهنا تأتي موهبة الموهوب ، وحذاقة الحاذق ، ومصنعية الصانع ، ومهارة المهارة ، وهندسة الفنان ، وشاعرية الشعر ، لصنع من ذلك كله آيات الجمال ، ومزارع الفتنة .
والمطلع في القصيدة كوجهة المرأة للمرأة ، والزينة للعروس ، والشجاعة للرجل ، لا ينفك حسنها عن حسنه ، ولا جزالتها عن جزالته ، ولا عجائبها عن عجائبه ، وإذا كانت القصيدة والمطلع كالجسد واللباس ، فإن جمال اللباس وفتنته يشي بجسد ساحر .لذا كان البيت الأول هو التعريف الحقيقي للقصيدة ، وجواز عبورها إلى أذهان الناس وقلوبهم ، وهو الذي يتردد في النفس طالت القصيدة أم قصرت !
وتولد القصيدة من رحم الألم والأمل ، وهذان وقود وقوة الشعر والشاعرية ، أريتم رغيف الخبز الذي ينضج بين ضرام النار ، ومهارة الخباز الذي لا يعرض إلا كفايته وحاجته من النار ، فإن زادت أحترق ، وإن قلت لم يستو ! هذه شاعرية الشعرية التي نعنيها .
عندما يتحدث المتحدث بكلام مفهوم وبأسلوب واضح ، يصل إلى الناس لوضوحه ، وسهولته ، وللغاية التي يتحدث فيها ولها ، فإن تحدث بكلام غير محدد ولا واضح ، ولا اتخذ أسلوبا جميلاً ولائقاً ، فإن جميع الناس ينفرون منه ، بل قد يسرع أحدهم بالاتصال بأقرب مصحة لعلاجه . هكذا الشعر ، التصوير القائم والصادق عن الكون والحياة والإنسان تصويراً مؤثراً في النفوس ، متنقلاً بها بين أمواج الحياة الزاخرة ، وبيدها وزروعها ، وصباحاتها ومساءتها ، وليلها ونهارها ، وذراها وسفوحها ، فإن استطاعت شاعرية الشعر أن تحدد هدفها فموضوعها فأسلوبها ، اهتز الحجر ، وتسامى المدر ، والتفت الأفنان على الأفنان ، والكلام على اللسان ، والأجواء على الأرجاء ، وفعلت في السامع والقارئ فعل ماء النهر الجاري بالروض ، والحياة بالأشجار اليابسة . والسماء الممطرة بالبيداء المقفرة .
( من كتابي الجديد ذَهُبُ الكلام )

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق