قراءات ودراسات

تجليات حضورالصحراء فى شجرة الرتم

بقلم / أ. محمدعلى عزب*

شجرة الرتم هى إحدى المجموعات القصصية للقاص و الروائى الليبى إبراهيم  الكونى الذى استطاع أن يقدم تجربة فريدة فى السرد العربى وصلت به إلى أفاق العالمية و حصل على عدة جوائز من دول أوربية منها الجائزة الفرنسية للتضامن مع الشعوب الأجنبية عام 2002م عن رواية “واوالصغرى” وجائزةالدولة الإستثنائية الكبرى من سويسراعام2005م عن مجمل أعماله واختارته مجلة لير الفرنسية  من بين  خمسين روائيا من دول العالم المختلفة ليكونوا أدباء القرن الواحد والعشرين”أدباء الغد” وحصل على جائزة الشيخ زايد فى دورتها الثانية 2007ـ2008  و تتجلى خصوصية إبراهيم الكونى فى أنه يقدم  نموذجا سرديا متميزا تمتزج فيه رؤية  القاص/الروائى الذى يمتلك أدواته الفنية و أسلوبه وثقافته ولغته الخاصة بحكمة وفلسفة الحكاء البدوى ابن الصحراءالغربية…


وفى هذه  المجموعةالقصصية”شجرة الرتم” تذوب الحدود الفاصلة بين القصة و الأـسطورة لدرجة تصل إلى حد التساؤل هل هذه الأسطورة أو الحكاية الخرافية تنتمى للتراث الثقافى البدوى أم أن القاص هو الذى ابتدعها كما فى قصة “رأس الثعبان “عندما أصر مأمون صديق الراوى على فصل رأس الثعبان الضخم عن جسده بعد أن دخلا معه فى معركة أدت إلى قتله وقام مأمون  بدفن الرأس بعيدا عن الجسد و فى الصباح وجدا أن جسد الثعبان مقطو ع الرأس ملتفا على جذع الشجرة كما شاهداه أول مرة فقال مأمون للراوى (أنت تعرف  .. لو لم نفصل رأسه عن جسده .. إحم .. أنت تتصور .. !)وأحيانا  يمتزج التاريخ بالحكاية المؤسطرة لتشكيل المحرك الرئيسى للحدث  وترميزه    كما فى قصة الشهيد يريد أن يتكلم   تبدأالقصه بأن الراوى و صديقه مأمون قد سمعا صوتا غربيا فى الظلام ينطق بكلمات غير مفهومه أثناء رحلتهما فى وادى المغرغر لصيد الغزلان وبعد أن أشعلا نارا ورقدا بجوارها مرت دقائق  ثم تساقطت الأحجار على النار كأمطار الشتاء فانطفأت و التفت الراوى نحو مأمون فوجد كدمات غربية و مدمية فى وجهه  وعندما توقف مطر الأحجار شعر الراوى بألم شديد فتحسس جبينه فوجد كدمة كبيرة وهذا هو “الحدث الرئيسى” فى القصة    وعندما عادا إلى الواحة أخبرا “الشيخ غوما” بما حدث فقص لهما “حكاية مؤسطرة” عن  المجاهد الشهيد “محمد صالح “الذى أطلق الرصاص على الجنرال بورديللو فى عام 1936م بعد استسلام “فزان”كان الجيش الايطالى يدفع بالليبيين للاٍ شتراك فى حرب الحبشة ويعدهم بالجنة ـ اٍشارة الى عنصر التاريخ فى القصةـ وقد رفض الجنرال بورديللو أن يحتفل الليبيون بعيدالفطروتعامل معهم بوحشية  رغم أن اتفاقية “محروقة”التى وقع عليها “موسولينى” تسمح لهم بالاٍحتفال بأعيادهم الدينية ـ اٍشارة آخرى اٍلى عنصر التاريخ ـ ولذلك قتله محمدصالح ولجأ اٍلى تونس لمدة ثلاث سنوات بعدها أتوا به من هناك بموجب اتفاقية تبادل الأسرى بين اٍيطاليا وفرنسا وقد أشرف على اعدامه الجنرال “بالبو”فى “وادى المغرغر” وفى لحظة وضع رأسه فى المشنقة أتوا بحبيته “مسكونة “وأشعلوا فيها النار بكوم كبير من الحطب  حدث ذلك أمامه و رأسه فى المشنقة      ولم يستطع الشيخ غوما أن يفى بوعده “لمحمد صالح “ويحمى “مسكونة “ومن يوم وقوع هذه الحادثة و الشيخ غوما لايمر”بوادى المغرغر” واستنكر ذهابهما الى هناك ولوح بسبابته فى وجه مأمون غاضبا (أنت تعرف فلماذا تذهب اٍلى هناك ) فى اٍشارة منه اٍلى أن روح محمد صالح تحضرفى ذلك المكان وتريد أن تتكلم وتطفىء النار التى أحرقوا فيها حبيبته وهنا تتضح رمزية الحدث .

أما عن حضور الصحراء فى هذه فاٍنه يتخطى كونه فضاءامكانيا تدور فيه أحداث القصص ويصبح العمود الفقرى لهذه المجموعة القصصية والبؤرة التى تتمحور حولها الشخصيات والأحداث والزمن وتنبثق منها الدلالات والقاص لم يوظف هذا الحضور بطريقة “مصّمم ديكور”يقوم بوضع مناظر طبيعية ـ طبيعة صامتة ـ كخلفية جمالية للمشاهد أوبطريقة” باحث فلوكلور” يقدم بحثا شيقا عن بيئة صحراوية ذات تراث شعبى مدهش ولكنه  وظف هذا الحضور برؤية فنية تتبعد عن الرصد الآلى المباشر وتنفذ اٍلى العمق للكشف عن الجوهر وتشكيل صورة  بانورامية حية  للصحراء الليبية بسكانها و رمالها وصخورها وأساطيرها وتتعدد تجليات هذا الحضور فى تشكيل الأحداث واٍضفاء الطابع الأسطورى عليها وترميزها وكذلك تنعكس على رسم الملامح  النفسية  و الإجتماعية للشخصيات من غرابة وغموض و رغبة دائمة و جامحة فى التحرر من أى قيد أو إطار فبوسعنا أن نصف شخصيات هذه المجموعة بأنها تجسيدا فنيا حيا لجوهر اٍنسان الصحراء الليبية مثل (الشيخ غوما) و  و”مأمون ” و” ميلود” و ” جبران المرابط ” فمثلا فى قصة شجرة الرتم التى تحمل المجموعة القصصية عنوانها يرفض الطفل “ميلود” الإقامة فى بيت عمه و يحاول الإنتحار فيفشل و يهرب من المدرسة و يعود إلى الصحراء ليرعى الغنم مع حبيبته “غزالة” و يأكلا سويا من شجرة الرتم فتتخدر أوصالهما و يعيشا فى حلم جميل متسع وممتد مثل امتداد الصحراء و لكن بعد عودته لا يجد الخيام و لا الحبيبه و لا الأهل ويظهر له الطائر المقدس مرة أخرى فيقول (المرة الثانية نذير شؤم) و(يجلس حتى منتصف النهار ثم ينهض ويمضى نحو الشرق فى الإتجاه حيث اختفى الطائر المقدس ) مفضلا البحث فى متاهات الصحراء عن حلمه القديم على العودة اٍلى الواحة حيث الحياة داخل اِطار نفسى واجتماعى لا ينتمى اِليه هذا الطفل الصحراوى,وفى قصة “واحة تضج بالغناء” نرى (جبران المرابط)بعد رحلة مريرة تعرض فيها للموت يلتقى بالمجاهدين الذين تفرقوا فى الصحراء عند الحدود بعد أن نفذت ذخيرتهم فى معركة (غرب الكُفرة) وبالصدفة يكتشف وجود رصاصة فى جرابه و هو لا يدرى فيتذكر وعده مع المجاهدين للشيخ عمر المختار (و الله يا سيدى عمر لن نتراجع حتى نموت معك أو ينفذ ما معنا من ذخيرة ) فينهض جبران بكل إصرار تاركا الرفاق بعد أن أكل معهم “خبز الملال” وامتطى جواده وانطلق متجها (إلى هناك حيث الأسلاك الشائكة .. ليتخلص من رصاصة تائهه وجدت فى جرابه فلم يعد أبدا) وهنا يتضح الملمح الرئيسى فى شخصية المحارب الصحراوى وكأنه ذهب ليقف فى نفس مكان الشيخ عمرالمختار فى حواره  مع  “جراسيانى” عندما سأله قبل تنفيذ حكم الاٍعدام لماذا تحاربنا وأنت تعلم أنك لن تهزمنا ؟! وكانت اٍجابة الشيخ عمر “كنت فقط أؤدى واجبى”  وقد استخدم   القاص جزاءا  من هذا الحوارليكون تصديرا لهذه القصة القصيرة و”نصّا موازايا” لها , وفى أكثر من قصة تظهر شخصية “الشيخ غوما” حامل الثقافة الشعبية البدوية الذى كان رجلا من رجال “الشيخ عمر المختار” و حارب معه الإحتلال الإيطالى ويقول ” الشيخ غوما ” فى قصة العاصفة  لمأمون و صديقه :

(ثمة أشياء كثيرة فى الصحراء لا يجب أن تبحث لها عن تفسير )  وهنا نجد الغموض الصحراوى الذى ينعكس على جانب من جوانب شخصية(الشيخ غوما)  وفى قصة الغزلان يقول (الشيخ غوما) لمرزوق بعد أن أقاموا فى الواحة وتركوا الصحراءبسبب الجفاف (لكن لابد أن نعود كيف نستطيع أن نعيش _يا بنى _بدون صحراء؟ إنها هنا _الصحراء فى القلب ) وهنا نجد أن الصحراء موجودة داخل كيان الشخصية أينما كانت تقيم فيقول الراوى فى قصة قصيرة جدا بعنوان (الصحراء) إن الأوربيين أطلقوا عليها أسماءاً عديدةمثل صحراء الصحارى  أو الصحراء الكبرى أو أم الصحارى و لكن ذلك لم يكن يعنى شيئا بالنسبة له لآنه (كان يحملها فى أعماقه العطشى للمطر برغم أنها تختزن أنهارا من الماء) وفى قصة المطر يمشى بطل القصة تحت عواصف الآمطار بلا مظلة فى شوارع وارسو و موسكو و باريس يتعجب منه المارة فى الشوارع تحت مظلاتهم ويحذرونه من ذلك فيقول (بالطبع , لا يعلم أحد أن ثمة صحراء كبرى من الرمال عطشى إلى الماء تتجول فى أعماقة ) .


* شاعر وناقد من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “تجليات حضورالصحراء فى شجرة الرتم”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق