ثقافة السرد

مضرّجة جدائلها بالليلة القزحية

أحمد ختّاوي*

خذلوها…وأمتطى النهار صهوته. نهضوية حتى النخاع، دخلت هالة غرفتها تختزل السويعات المتبقية من النهار لترتمي فوق السرير حيث كان عقرب الساعة يشير إلى منتصف الليل ، ثملة مضرجة بفرحة عارمة بعد عودتها من سهرة ظافرة،قزحية  بأبهى فنادق المدينة ، وقد ظفرت بوعد يبدو لها صادقا بالظفر بمنصب بإحدى الشركات الكبرى. لم تتعود على مثل هذه السهرات وهي حديثة التخرج من كلية التجارة وعدها” المريدون” لهذه الأماكن بالتوسط لدى مدير عام لأحدى البنوك الفاعلة  الكبرى دوما أي ريب أو تردد. دغدغت حبة جبن طرية بالمطبخ ،وضعتها بين شفتيها ، تقضم جزءا،تداعب آخر لترمي بما تبقى  من شرفة غرفتها ، وقد تركتها مفتوحة طيلة النهار . تتوسد وسادة وردية ملفوفة بأحلامها  ، كانت جاثمة على مشارف سريرها قبالة جهاز الكوميوتر. جذبتها بلطف . تغمض عينيها في محاولة لتقصي السويعات التي قضتها ببهو الفندق …تستحضر الليلة القزحية  والسهرة بجميع تفاصيلها ، يرتسم أمامها شاب وسيم كان ضمن المجموعة ،تهرول إلى المطبخ ثانية ، تجلب حبة تفاح في حركة هلامية  ، تقضمها في نهم معتقدة أنها تجلب الفأل  ، تسدل عيونها كما ستار المسرح مرة ثانية لتستسلم لخيالها وتجلياتها ، يصيبها أرق سرعان ما تنتشي وهي تداعب حبة التفاح ،في سعادة عارمة

تهلوس “المنصب  والشاب الوسيم ” يراودها تفكير آني  بأن التفاحة فعلا  فأل خير وأن الجبن يذوب بالليل  كما تذهب إلى ذلك الأمثلة الشعبية ، وبعض أقوال العرافات ، تتشبث بالتفاحة ” فألا”. توقظ ما في ذاكرتها من أيام الدراسة بالجامعة وبعض صديقاتها العوانس وهي ابنة الواحد والعشرين ، يافعة ، على قدر وافر من الجمال ، تتخرج وتظفر بعمل ظل يراودها وقد كان  يبدو لها عسيرا، هو ذا يغدو- في اعتقادها – نحو التجسيد . لم تسألها أمها عن هذا التأخر المسبوق وعن حيثيات الليلة القزحية  ، وهي  التي استقبلتها بمدخل الباب. كانت تعلم تفاصيل الدعوة مسبقا ، حيث تزينت أمامها في غياب الأب الذي كان مدعوا للعشاء عند أحد الجيران , أخوها الأصغر منها سنا لا يدخل مبكرا إلى البيت ، ولا يقحم نفسه في دائرة هذه الاهتمامات ، منشغل دوما في  مناصرته لفريقه المفضل  “الريال “( الاسباني )  . توسطت أجنحة الغرفة ، تركض كالفراشة بعدما استيقظ فيها شعور بأن بحر الأسبوع القادم ستستلم منصبها لا محالة ، وتشغل منصب أمينة سر ذاك الشاب الوسيم الذي دثرها بنظراته وهو يناولها تفاحة أثناء العشاء الفاخر. كان يحاذيها بالطاولة التي تحمل رقم  تشكيلته السياسية التي ينتمي إليها ويمثلها في البرلمان.  تضوعت لحظة سكون في خلدها أريجا ممزوجا بعطرها المفضل  ليذيب الكون في انتشائها … تزحف اللحيظات نحو صباح مجهول وهي تثاقل نحو نعاس لا يستشير كما مداهمة العسكر لمشبوه. يقتحمها سباتٌ عميق.

تتوسط سويعات الصباح بجدائل ذات تسريحة مغايرة لتلك التي قضت بها السهرة. وهي أمام المرآة ببيت الحمام ، تقضم ما تبقى من تفاحة البارحة لتستكمل فألها، يصلها صدى المذياع بالمطبخ ، أن نشرة الإخبار ستكون الفيصل في مستقبلها أو أن  هاتفها سيرن ويتلقى خبرا سرا، تنزلق السويعات ، ليرتدي الهجير رداء ما  تدحرج من ليلة أرقها  ومن فُُتات الجلسة الملكية الفارطة ، الدقائق الجاثمة على صدرها تتدفق كشلال على جبينها المتصبب عرقا ،وهي غارقة في صب الماء على الصابون في سجال مع جدائلها الناعمة  ،لتضرج بشك يطفو على بيت الحمام ويغتسل بصدى الأرجاء. يصعقها إعلان المذيع بأن إحدى التشكيلات السياسية العتيدة هي التي محقت الجميع بما فيها تشكيلتهم السياسية .. ينزل الإعلان محرقة ليحترق حلمها في لحظة إغماء الأم بالمطبخ، وقد صعقها هي أيضا إعلان المذيع ليمتزج ببريق وجه الشاب الوسيم.

تسطع بين كفيها والتفاحة كما ” قراءات العارفات “غمامة كما الضباب وكما خطواتها وهي  تغادر البيت إلى الفندق.

يرن هاتفها : اسمحي لنا آنسة” هالة” . كان سيحصل ذلك لو أحرزنا على مقعد بالبرلمان، نأسف …،،، تدحرجت جدائلها بين بريق الليلة وبريق تسريحتها تحسبا لحفل النصر …ترتطم جدائلها المبللة بالماء والصابون بطنين أذنيها وهي مدرجة بجدائلها، في غور مشاعرها صدى يردّد ” هو ذا منطق الزيف “..

*أديب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق