ثقافة المقال

الجزائر.. مبادرات الوساطة، هتافات رحيل النظام وقضايا الثوابت الثقافية

الدكتور وليد بوعديلة

تشهد الجزائر حركية سياسية ومجتمعية كبيرة تتطلب انجاز تأملات معرفية في مختلف البدائل والأصوات التي تريد تحقيق التحول السياسي بخطوات متعددة ومتباينة، كما تريد تجسيد تنوع في مشاريع المجتمع والهوية.

أحداث متسارعة وتغيير في المناصب
لقد غير وزير العدل وجاءت لسلطة بآخر، ونأمل أن يكون خطاب الوزير الجديد للعدل لقاسم زغماتي فعالا في الميدان وهو الذي قال بأن استقلالية القاضي ليست امتيازا بل هي مسؤولية مفروضة، وبأن العدالة تتطلع إلى خارج أسوارها وتمد بصرها إلى الأفق الاجتماعي.
كما أن القضاء بتجرده وحياده هو المؤسسة الوطنية المؤهلة لحماية المجتمع وحفظ تماسكه وضمان الحقوق والحريات فيه، ولا يرد الجزائريون أن تتجدد ممارسات أجهزة النظام السابق الذي تحكم في العدالة بالهاتف والضغط والإيعاز؟؟
وفي سياق التغيرات التي تقوم بها السلطة في مختلف المناصب- للوصول لغاية إرضاء الحراك الشعبي- فقد عينت فريدة بن يحي رئيسة لمجلس الدولة، وأكدت مباشرة عند تعيينها على أهمية استعادة الأموال المنهوبة كأولوية في المرحلة المقبلة.
ووفق مراحل استرجاع المال على المستوى الدولي، فننا في المرحلة القضائية،التي تتضمن إرسال طلبات للدول لحجز وتجميد ممتلكات الناهبين السارقين المتورطين في عمليات الفساد،بعد جمع المعلومات البنكية، بمشاركة كل المؤسسات الوطنية المالية و المصرفية، ثم الأجنبية منها، كل هذا التزاما بالاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للأوطان.
ومن جانب آخر لم تنس السلطة المؤقتة التجمعات الاقتصادية التي يتابع أصحابها في ملفات فساد، وهو ملف خطير وشائك ويمس بمآت ألاف العمال وعائلاتهم،وتم مؤخرا تعيين متصرفين للإشراف على استمرارية تسيير الشركات الخاصة المعنية بالتدابير التحفظية،لتجاوز المخاطر الاجتماعية والاقتصادية و المالية لها،لحماية و وسائل الانتاج ومناصب الشغل، على أن يقوم المتصرف بمراقبة التدفقات المالية و التموينات و المحافظة على النشاط والانتعاش.

ونؤكد هنا على عدم تكرار أخطاء الماضي في ملفات مشابهة، مع ثقتنا في القدرات والموارد البشرية الجزائرية، والتي ستكون تحت متابعة أبناء الحراك الشعبي وآمال الخيرين من الوطنيين الشرفاء الذين انطلقوا في مشوار التحرر السلمي من الديكتاتورية و الفساد، يقول الكاتب الصحفي جمال لعلامي:” العصابة والحاشية وبطانة السوء، استغلت ثقة فخامة الشعب وراحت بعدها تمد أيديها وأرجلها إلى المال العام، حيث عم الفساد و عشش في كل مكان، وتحولت الحكومات المتعاقبة إلى مناصب وحقائب ومكاسب يتم توزيعها في الكثير من الحالات من اجل شراء الذمم وكسر الآخر وعزل الرافضين لهذا الأسلوب الذي انتهى بأغلب نظاره ونظرائه إلى السجن بعد انفجار الشعب”(جريدة الشروق ، الثالث أوت، ص 4).

عودة المطبلين …وتبيان المواقف؟؟
ومن المواقف الغريبة التي تتكرر مؤخرا ، موافق مساندة أحزاب الموالاة( التي كانت تأكل من موائد النظام السابق وتطبل له) للحراك الشعبي وللحوار لحل الأزمة،رغم استعادها من طاولة الحوار وطردها من طرف أبناء الحراك الشعبي، لأنها تمارس الالتفاف والخيانة والبحث عن التموقع، في انتظار قرارات قانونية و أخرى سياسية تخص حزب جبهة التحرير الوطني ، لتطبيق قوانين الجمهورية عليه ومنع المشبوهين سياسيا من استعمال هذا الاسم الرمز ي التاريخي في الممارسة السياسية المغلفة بالمال الفاسد والتزوير والسرقة و…؟؟؟
علينا أن نستمع لكل صوت وطني لم يتلطخ في تعاملات مع النظام المستبد الفاسد،ولا داعي للتشويه والتخوين ولنقرأ تاريخ الرجال لنعرف مواقفهم و قناعاتهم، ولا يجب أن تبتعد تصورات المتحاورين و العقلاء والحكماء عن المطالب الأساسة للحراك الشعبي، ولا مهرب من التغيير الجذري، حتى لو تغيرت الوسائل والحلول، لكن المنطلق هو ضرورة التغيير وذهاب كل رموز الفساد،وأبواب العدالة مفتوحة لإحقاق الحقن .
وما مشهد تدخل الطلبة في إحدى جلسات لجنة الحوار والوساطة( يوم17 أوت) إلا دليلا على أن الشعب واع ويراقب ويصر على نجاح ثورته السلمية، حيث طالب الطلبة المتدخلون برحيل الحكومة وحضور ضمانات لتطبيق مخرجات الحوار وطالب الحراك الشعبي.
وعلينا أن ننجز تأملا عميقا في عودة المطالب الاجتماعية والقطاعية للواجهة، وهو ما يهدد السلم المجتمعي مع الدخول المدرسي، وإطالة عمر الأزمة لا تفيد أي جانب، والكل سيكون خاسرا،إن لم تتحقق التنازلات المتبادلة ، لمواصلة هذه الثورة السلمية وتحقيق أهدافها في الإطار الحضاري والدستوري.
مع تسجيل أمر هام هنا وهو اختلاف الآراء داخل لجنة الحوار، لكن في سياق وطني وسياسي يطمح للتحول الديمقراطي والعودة بالجزائر لهويتها وقيمها، ومنح هذا الوطن الانتخابات النزيهة الشفافة غير المزورة، مع مساندة للجيش وخوف على الوحدة الترابية والوطنية، وانتباه لكل خطر داخلي أو خارجي قد يحاصر الحراك الشعبي والشرفاء في لجان الحوار؟؟
مع ضرورة استماع السلطة لصوت الحراك الشعبي في مسيراته بسرعة ، وعدم جره نحو العصيان المدني الذي سيأتي بممارسات سلبية،منها العنف والتخريب،وتعطيل مصالح المواطن البسيط،كما سيكون هذا العصيان النقطة التي تهدم وحدة الحراك وتشتت صفوفه، لاختلاف المواقف الشعبية حوله بين مساند ومعارض مع تطبيل إعلامي غريب له،دون تأمل أضراره المجتمعية ودون البحث عن حلول سلمية حضارية أكثر تأثيرا على السلطة وليس على الشعب؟؟
يا ناس.. علينا أن نقدم الحلول ولا نكتفي بالتهجم على الغير، وعلينا أن نقدم البدائل في حال رفض موقف ما، وأستغرب التهجم على لجنة الحوار والوساطة، واعتبار تحركاتها مناورة دون المبادرة بالبديل عنها؟؟ أو أن المتسلقين السياسيين والإعلاميين المأجورين يجدون في الشتم و السخرية من المبادرات هي البدائل وفقط؟؟
ثوابت المجتمع الجزائري في مسار التحولات
وبعد شهور من أصوات الحراك و التحول في الجزائر بدأ البحث في مسائل هوية المجتمع وقضاياه الدينية والثقافية من جديد، لذلك من اللازم تحديد ثوابت للحوار والسجال، كي لا نمس بكل الموروث الثقافي والهوياتي الجزائري…

وقد أعجبتني رؤية الدكتور الفاضل إبراهيم نويري للمسألة في دراسة حضارية فكرية راقية وسمها ب”طريقنا الخاص للنهضة والتقدم”، وتحدث فيها عن بعض القوى التي ترصد حركية المجتمع وتطلعاته للتنمية، قصد الابتعاد بالأمة عن نهجها الصحيح والانحراف عن الاقلاع الحضاري الذاتي، ومما جاء فيها نذكر قوله:” إن تلك القوى عملت وتعمل دائما وبشتى الوسائل والأساليب على الغزو العقول والإشراف على برامج التبديل الفكري والتربوي والثقافي والاعلامي، بهدف تأييد التبعية لدى إنساننا و مجتمعاتنا، ومن ثم تأخير أو إقصاء أي محاولة صحيحة للنهوض والتنمية و البناء الحضاري العام”(جريدة البصائر،عدد970،ص14)
لذلك ارتفعت أصوات النخبة الثقافية الوطنية ا(المسلمة، العربية والأمازيغية )لتدافع عن هويتنا الجزائرية بكل أبعادها،كما قرأنا عند أرزقي فراد، حميد لعدايسية،محمد الهادي الحسني، عمار طالبي،رابح لونيسي، عبد الرزاق قسوم وغيرهم شرفاء الجزائر النوفمبرية الباديسية….
وقد حرصت –مثلا- مختلف بيانات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ بدايات الحراك الشعبي على الدعوة للارتباط الوحدوي الوطني بمبادئ المجتمع وثوابته وأصوله في كل عملية تغير سياسي وتحول ديمقراطي، ولعل آخرها هو ثناءها على الحراك السلمي الحضاري ودعوة المجتمع الجزائري إلى”مزيد من التمسك بسلمية الحراك ووحدة صفوفه وصيانة مبادئه وثوابته”)بيان يوم 18 جويلية2019).
كما نبهنا كثيرا – في مقالا عديدة موجودة في الانترنت-لأهمية إعادة النظر في مضامين كتب المدرسة الجزائرية التي وضعت في عهد وزيرة التربية نورية بن غبريط، بخاصة النظر في الأخطاء المعرفية و اللغوية وغيرها، وبينت مؤخرا لجنة من وزارة التربية ا وجود 284 خطأ في كتب الجيل الثاني في مختلف الأطوار، وفيها ما يهدد السلم المجتمعي والهوياتي؟؟؟
لكن من يحاسب الذين شوّهوا أبناءنا وأرغموا المعلمين على تقديم دروس الأخطاء والنقائص من دون نقاش في دورات تكوين؟؟نرى بأنه كما حاسبت العدالة المجرمين الاقتصاديين و الماليين، عليها البحث عن الإجرام الأخطر وهو الإجرام التربوي والفكري الذي مارسته الوزيرة السابقة لسنوات ببرامجها ومناهجها وفكرها التربوي التعليمي؟؟.

يقول الدكتور سليم قلالة في مقاله ” الدولة الحضارية هي البديل” مؤكدا على القيم و الثوابت في حوارنا السياسي وانتقالنا الديمقراطي:” إننا في هذا الظرف بالذات أحوج من أي وقت مضى إلى إعادة بناء فكرنا و تنظيم مطالبنا وشعاراتنا السياسية ضمن هذا المنظور الحضاري وإلا فإننا بدل أن نجعل الدين والمدنية و العسكرية و الأمازيغية والعربية والوطنية روافد لبناء دولة الحضارة التي هي بالضرورة دولة حق وعدل نجعلها معاول هدم هذه الدولة، ولن نتمكن من بنائها بأي شكل من الأشكال، وبدل من ذلك سنجد أنفسنا في آخر المطاف منقسمين إلى فرق شتى”.
أخيرا…
هذا إسهام في النقاش المفتوح حول الراهن الجزائري، في ما يتعلق بالمبادرات والأصوات السياسية و الشعبية لحل الأزمة، والأخطار التي تهدد الهوية ودور المنظومة التربوية في هذا السياق وندعو لفتح الكثير من أفكار كتابنا الجزائريين عن الحضارة و الثقافة و المجتمع، ولنعد- في إطار يوميات الحراك السلمي البناء- لكتابات مالك بن نبي، ابن باديس،مولود قاسم نايت بلقاسم،أحمد حماني، عبد اللطيف عبادة، البشير الإبراهيمي، عبد الله شريط.. وغيرهم.
اللهم احفظ الجزائر وامنحها السلم ووفقها للوفاء بعهود الشهداء.
ملاحظة/ صور الحراك لشعبي في عزابة بسكيكدة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق